ألويس موزيل في الصحراء العربية

الخليج العربي الكتاب مجلة مدارات ونقوش - العدد 3

 265 عدد المشاهدات

بين أيدينا اليوم دراسة قيمة عن شمالي الجزيرة العربية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين، تسرد تفاصيلها رحلة ألويس موزيل للصحراء العربية، صدرت على شكل كتاب ألَّفه وجمع تفاصيله بطل الرحلة (ألويس موزيل)، وترجمه للعربية الأستاذ رزق الله بطرس، وهو مؤلف صادر عن شركة الورَّاق للنشر المحدودة، سنة 2011.

هي رحلة خاض غمارها المستشرق والمستعرب التشيكي “ألويس موزيل”، المعروف بالسيد موسى الرولي، وهذا الاسم قد أُعْطِيَ له من قِبَل شيخ الرولة.

لقد عرف موزيل بأنَّه الرائد الأوروبي الذي عاش ردحاً طويلاً من الزمن في هذه المنطقة، متنقلاً بين المدن والقبائل، وبالذات بين الأردن إلى سوريا والعراق والمملكة العربية السعودية.

وُلِدَ موزيل عام 1868 في جمهورية التشيك حاليًّا، والتي كانت جزءاً من الإمبراطورية النمساوية –المجرية، وتوفي عام 1944. بدأت علاقاته بالمنطقة الغربية مبكّراً، حيث قام وهو في العشرينيات من العمر بزيارة بيروت والدراسة فيها، وكان يكتب باللغة الألمانية، وقد ترجم قسماً منها إلى اللغة الإنجليزية، ونشرت في نهاية العشرينيات من القرن الماضي. ويعدُّ موزيل من بين مستكشفي شمال شبه الجزيرة العربية، وكان أستاذاً للدراسات الشرقية في جامعة تشارلز يونيفيرسيتي.

في هجرته إلى داخل الصحراء، وبالتحديد في بركان دكوا، كان يتمتَّع ألويس بالكثير من الحرية، بعد أن قال له نوري بن شعلان- الزعيم الأكبر والأمير في قبيلة الرولة- قال له: “لا شيء يمنعك من أن تتجوَّل في الصحراء الواسعة تحت حمايتي، وكان ذلك في سنة 1908، فملأت كلمات الزعيم نفس موزيل بالثقة لينتقل بعدها مباشرة مع مرافقه ومؤنه إلى مخيمه الذي كان يقع قرب مستوطنة ضمير، على بعد حوالي ثلاثين ميلاً شمال شرق دمشق.

يقول موزيل: على الرغم من أنني كنت مصمّماً على القيام بأكبر قدر من المسح الطبوغرافي المفصَّل للجزيرة العربية، وعلى الحصول على معرفة حقيقية بالمساهمات السامية في حضارتنا، وعلى فهم أفضل للناس والبلاد عموماً، فقد كان يبدو لي أنني لا أستطيع أن أفعل أفضل من أن أعيش حياة البدو في التنقُّل كما كانوا يعيشونها، وأرتدي كما كانوا يرتدون وأتناول الأطعمة التي كانوا يأكلونها، وأتجول حيث كانوا يتجولون، وأجمع من المعرفة عن عاداتهم وأعرافهم وتقاليدهم الشعبية ووجهات نظرهم أكبر قدر ممكن.

ساعدتني كثيراً على ذلك، معرفتي بلغتهم العامية، والحماية التي منحني إياها زعماء القبائل القوية، التي كنت قد بذلت قصارى جهدي لتطويرها. ونظراً إلى تمرد البدو على القانون؛ فقد كانت هذه الحماية نعمة حقيقية.

سافر معي أوروبي يُدْعَى رودولف توما سبرغر، ليساعدني على عملية رسم الخرائط، وليشرف أيضاً على أدواتي العملية، وكان مرافقونا من مواطني تلك المناطق، يذهبون معي في جولاتي العلمية التي قمنا بها بعيداً عن مخيَّم النوري. كان واحد منهم اسمه “محمد” وكان طبَّاخنا، والثاني “بليهان” وهو حارسنا ضد أبناء قبيلته، والثالث اسمه “حران” يساعد على تحميل وتفريغ مؤننا، وكان يرعى الإبل. كان لي خيمتان؛ الكبرى مستطيلة وكانت المؤن تخزَّن فيها، وهناك كان يعيش مرافقي، وخيمة أخرى دائرية، حيث كنت أعمل وأنام. في كل مخيَّم كانت الخيمتان تنصبان قرب خيمة الأمير نوري، حيث إنَّ موقعهما كان يشير إلى أنني كنت جاره وتحت حمايته.

في منتصف شهر نوفمبر أعلمني نوري أنه من الأفضل أن ننقل مخيَّمنا إلى جنوب غرب تدمر.
كان شكل نوري يبدو غريباً لي، حيث إنَّه مدجج بتلك الأسلحة، كان يحمل خنجراً ومسدساً محشواً وشريطاً من الطلقات عددها ثماني وأربعون طلقة وحوالي مائة وعشرون خرطوشة مانليشر في شريط عبر كتفه، وكانت بندقيته القصيرة دوماً في يده.

سألته: لماذا هذه المجموعة الكبيرة من الأسلحة وأنت في مخيمك الخاص؟  فقال: أخي موسى، إنها عاداتنا؛ لأننا في حرب مع عدد كبير من القبائل ويجب عليَّ وأنا زعيم الرولة، أن أكون دائماً جاهزاً لصد الهجوم. عليَّ أنا بالذات أن أكون حذراً على نحو مضاعف؛ لأنني لا أعلم متى وأين يمكن أن يفاجئني من يريد الأخذ بالثأر. في زيارتك الأولى إلى خيمتي سألتني عن سبب وجود حوالي ثلاثين ثقباً في جدرانها، ولما لم أكن أريد أن أخيفك أخفيت عنك الحقيقة، لكن هذه هي الحقيقة.

في الليلة التي سبقت وصولك، تسلَّل بعض من يريدون الأخذ بالثأر تحت مخيَّم غير بعيد من الدروز، وكان من الممكن أن يأتوا إلى خيمتي مرة ثانية، فهم متعطشون إلى دمي. ومع هذا فقد كان لصالح عائلتي أن فعلت ما فعلت. قال هذا ملمحاً لأخيه وسلفه الأمير فهد الذي كان قد اغتاله أحد العبيد بأمر من نوري نفسه. ولأخ آخر، مشعل، الذي قتله بنفسه. وتفاخر بأنه شخصيًّا قتل في معارك أكثر من مائة وعشرين رجلاً، هذا الرجل ذو العينين المخلصتين، حذرني منه أصدقائي في دمشق، وقالوا إنه ليس هناك من نمر يتعطش للدم مثلما يفعل هو.

“لا تضع ثقتك يا موسى بحمايته، سيأخذك معه إلى داخل الصحراء ولن تعود. ليس من الضروري أن يلطخ يده بدمك؛ لأنَّ عبيده سينفذون أوامره، سوف يهاجمك الناس مرات كثيرة، وسيكون ذلك بإرادة النوري، ما أسهل أن تأتي طلقة من خلفك وتنتهي حياتك، سينتحب نوري ويقسم أيضاً أنَّ أعداءه قد قتلوك. لا تثق به، لا تذهب معه إلى داخل الصحراء”. وبالرغم من ذلك وثقت به.

في أحد الأيام كان الهواء بارداً ونمت طوال الليل حتى اكتفيت من الراحة، وقبل ظهر اليوم التالي بقليل، وبينما كنت في خيمتي أحاول أن أعمل، جاء إلى سمعي صراخ مضطرب “ها هم، خيالة”، وكانوا من الدروز، أسرعت إلى الخارج ورأيت النساء والبنات يركضن نحو الأمهار يسرجنها ويجلبنها نحو أزواجهن وإخوانهن الذين خلعوا عنهم معاطفهم المصنوعة من جلود الخراف الثقيلة، وربطوا أحزمة الخرطوش وأمسكوا بنادقهم، وفي أقل من دقيقتين ركب المقاتلون المسلحون وهرعوا نحو الجنوب ليردوا العدو المجهول، وغنَّى شاب كان راكباً جمله بجوار خيمتي:

أيها الرحمن يا الله ، انظر يا الله
ستصب أمطارك الغزيرة في الخارج
وستفرش وليمة للطيور الجوارح
أمام أعين نوقنا اليوم.

وكانت مثل هذه الأغاني تسمع في جميع الأنحاء، كان المقاتلون يجمعون شجاعتهم للقتال القادم. تُرَى أيٌّ منهم سيعود؟ بقي كل من في الخيمة هادئاً وصامتاً، لم تبكِ أيُّ امرأة، ولم يقدم أي عجوز النصيحة.

صعد بعض الرجال –الذين  بقوا لحماية الخيمة تلك إلى الجنوب- ومعهم بنادق، وتثاقلت خلفهم أملا في أن أتمكن من مشاهدة القتال من منظاري. رأيت مقاتلينا ينقسمون إلى فئتين كانت الأقوى، والأمير على رأسها، تتجه نحو الجنوب، والأضعف، التي كان يقودها نواف، إلى الجنوب الغربي، واختفى الفريقان خلف جدار مرتفع من الصخور ولم نعد نستطيع رؤية أحد.

بعد الظهر جاء ثلاثة من رجالنا على خيولهم، ومعهم أخبار أنه ظهر في الصباح إلى جنوب المخيم عصابة من الدروز وتابعوهم من رعاة الغنم والماعز، وهاجموا قطعان ابن مجول. قاد المهاجمون أمامهم واحداً من القطعان الذين يبلغ عدد إبله أكثر من سبعين، لكن عندما ساقوهم نحو التلال تمَّ الإنذار بسرعة في المخيَّم، واندفعت قوات الأمير للخروج، ترك المهاجمون غنائمهم ولاذوا بالفرار.

وبَّخ نوري ابنه سعوداً بقسوة؛ لأنه لم يقم بحراسة القطعان بمزيد من اليقظة، فقال سعود: لقد افترضت يا والدي أنه في هذا الطقس البارد جداً لن يغادر الدروز مقرَّهم، وأنَّ أفراد العشائر الأخرى سيبقون في شعابهم.

قاطع نوري اعتذاره: أسكت ولا تسود وجهي، إنَّ البدوي لا يعتمد على البرد أو الحر، وهو لا يثق بعدوه أبداً بل يثق بنفسه وبسلاحه فقط.

وفي اليوم التالي غيَّرنا مكان مخيمنا أيضاً، فككنا خيامنا وحملناها، وكان جميع الساكنين هنا مع الإبل يتجهون متثاقلين نحو الجهة الجنوبية، والجنوبية الشرقية.

كنت قد خطَّطت لصعود بركان دكوا، كي أرسم خريطة للمكان المجاور، لكن للأسف لم يكن الهواء صافياً كما في الأيام القليلة السابقة، بسبب ضباب خفيف كان يعطي أثراً من دفء ينتشر من الشرق إلى الغرب. لقد سيطر عليَّ في البدء إحساس بأنَّ كل شيء حولي يدور، وكان عليَّ أن أتمسَّك بشدة بالرَّحْل كي أتجنَّب السقوط. كانت طريقنا تسير على أطراف حادة لا تُحصَى وسهول ملساء من صخور الحمم البركانية، وكان على ناقتي أن تبقى حذرة، كي تتجنَّب الأماكن الخطرة. وعند ارتفاع 2750 قدماً عهدنا بإبلنا إلى عبد الله وإلى تومان وبليهان، تابعت نحو القمَّة، وأخيراً وصلنا إلى الأعلى وبدأنا بالعمل، وبعد أن صعدنا بحذر بمحاذاة الطرف الجنوبي لفوهة بركانية مغطاة طوال نصف ساعة كاملة.

بركان دكوا الذي يرتفع إلى حوالي 3330 قدماً هو أعلى بركان في منطقة إياث، وإلى الشرق والشمال والجنوب، كما كانت هناك كتلٌ سوداء من الحميم، تبدو فوقها كثير من المخروطات البركانية المنعزلة. كان المنظر مخيباً.

ونحن نتصفَّح الكتاب ونقرأ ما كان يسرد ألويس من قصص مفصلة وأحداث دقيقة باليوم والساعة والدقيقة، من حياة المخيَّم ورياح الصحراء، الجولات إلى حدود الفرات وفي منطقة الحمم البركانية، والهجومات التي تعرضوا لها، الرحلة نحو الزعيم متعب، والرحلة إلى مخيَّم ابن سمير، ونحو آبار لامات، وعن صقور الصيد وفي طرق الموت، وجزء بسيط عن فنون الطبخ الرفيع، وقصة قبيلة الصليب وقصص أخرى كثيرة لا تسعنا هذه المقالة لكتابتها.

إنها رحلة اتبع فيها ألويس المنهج الأنثروبولوجي بامتياز، ونحج في وصف جميع تفاصيل الحياة في صحراء العرب، وأضهر جميع خصوصيات هذا المجتمع البدوي التقليدي البسيط. لاحظ وسجَّل ودوَّن جميع ما رأى، وجمع الكل في بناء علمي متجانس تجسَّد في شكل كتاب، أصبح بمثابة دراسة ميدانية ومرجع مثل باقي المراجع التي ساعدت البريطانيين فيما بعد وأمثالهم من المستعمرين والمستوطنين على التوسُّع في بلاد العرب ودخولها بسهولة؛ لأنها بكل بساطة أصبحت تملك مفاتيح السر التي تعينها على الانسياب كما تريد وتحقق ما تريد، وألويس ما هو إلا واحد من الكثير من الرحالة الذين دوَّنوا مذكراتهم وحفظها لهم التاريخ.