أمنك بخير.. أنت بخير

المستجدات ١ ذكريات (مفكرة أخبار دبي) مجلة مدارات ونقوش – العدد 18 - 19

 277 عدد المشاهدات

بقلم: خليل البري

«أمنك بخير.. أنت بخير». هذا ما قاله صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، منذ نيف وأربعين عاماً، وكانت هذه المقولة موضوع غلاف مجلة أخبار دبي (العدد الرابع عشر – السنة الثانية عشرة)، الصادر يوم السبت 9 نيسان (إبريل) 1977.

وقبل أن أمضي قدماً في سرد ما جاء في التحقيق، أقف عند هذه الجملة التي بنيت عليها الاستراتيجة الأمنية لدولة الإمارات العربية المتحدة لاحقاً، والتي أرسى قواعدها المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيَّب الله ثراهما.

زايد وراشد، رحمهما الله، منحا مسألة الأمن أهمية قصوى، لا يوازيها سوى اهتمامهما بصحة المواطنين، وتعليم أبنائهم، وتوفير الحياة الكريمة لهم.

خلال عملي صحافياً في «أخبار دبي»، ثمَّ «إعلام دبي»، أستطيع القول إنَّ استراتيجية الشيخ راشد، رحمه الله، كانت تقوم على خمس قواعد أساسية لنهضة البلاد وتوفير العيش الرغيد لسكانها، مواطنين ووافدين، تتمثَّل في:

  • توفير الأمن والاستقرار للمجتمع؛ لأنَّ أي تطور أو ازدهار لن يقوم بدون ذلك.

  • الاهتمام بصحة الناس وتوفير كل المتطلبات اللازمة للارتقاء بها.

  • الارتقاء بمستوى التعليم بكل مراحله الدراسية، وتوفيره مجاناً وإلزامياً للمواطنين.

  • الاهتمام بالبنية التحتية، وتوفير السكن المناسب مجاناً لكل مواطن.

  • النهوض بالاقتصاد الوطني وتوفير كل البنى الضرورية لتطويره والارتقاء بمستواه.

وفي هذه الحلقة من «مذكرات أخبار دبي» سنتحدث عن مسألة الأمن التي جعلت الإمارات واحدة من أكثر الدول أمناً واستقراراً في العالم. حيث وفَّرت الدولة لقضية الأمن كل مستلزماتها واحتياجاتها البشرية، المادية والتقنية.

عاملان أساسيان

جاء في التقرير الذي نشرته في العدد المذكور:

«حي على الصلاة..حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلاّ الله». ما إن ارتفع صوت المؤذن معلناً موعد صلاة العصر، حتى هبَّ صاحبي ملبياً الدعوة، فوضع قطعة من القماش الأبيض على واجهة المحل وهمَّ بالانصراف، فاستوقفته طالباً منه إغلاق باب المحل احتياطاً، تفادياً للسرقة. فكان جوابه ابتسامة عريضة ارتسمت على محياه: «لا، ما في خوف، لأننا في أمن واطمئنان.. أنا ما تعودت أغلق باب المحل عندما أروح الصلاة، ومنذ أكثر من خمس سنوات أسير المسجد وأترك باب المحل مفتوحاً».

هذه الحادثة تركت في نفسي انطباعاً خاصاً عن شعور المواطن بالأمن والطمأنينة، ليس في دبي، فحسب، بل في جميع أنحاء الإمارات. ولو بحثنا عن الأسباب الكامنة وراء ذلك لوجدناهما اثنين لا ثالث لهما:

– الأول: الخيرات التي وهبها الله سبحانه وتعالى لبلادنا وضعتها في حالة من الاكتفاء والحياة بمستوى جيد من الدخل، لذلك فإنَّ الحاجة للسؤال أو السرقة أصبحت نادرة في مجتمعنا، وإن وجدت فإنها لدى قلة قليلة ذات انحراف خلقي.

– الثاني: اهتمام الدولة بجهاز الأمن، كواحد من المرافق الأساسية في المجتمع، وتدعيمه بشرياً وفنياً، والارتقاء بمستواه مهنياً ليتلاءم مع النهضة الحضارية التي تشهدها البلاد، وما استتبعها من توسُّع هائل، وزيادة كبيرة في عدد السكان. ولم يقتصر الاهتمام بجهاز الأمن في الدولة على زيادة العناصر البشرية، وإنما تمَّ استحداث فروع عدة لاختصاصات متنوعة، بدأ من توفير أجهزة الرقابة الذاتية على السيارات، إلى أجهزة الكشف عن الكذب، وإنشاء فرق للفروسية لملاحقة المجرمين في المناطق الوعرة، إلى استحداث فرقة خاصة للكلاب البوليسية المدربة على اقتناص المجرمين، إلخ.

كل تلك الأمور تركت في نفس المواطن والمقيم شعوراً بالاطمئان والأمن على ممتلكاته وعرضه، واثقاً من نفسه وحكومته، ما كان له أثر كبير في الاستقرار وزيادة الإنتاج والارتقاء بمستوى اقتصاد البلاد.

اهتمام رفيع

لا أبالغ إذا قلت إنَّ دولة الإمارات العربية المتحدة تأتي في مقدمة الدول العربية التي يهتم كبار مسؤوليها، ويشرفون بصورة مباشرة على تدعيم جهاز الأمن وتقوية أركانه.

وفي دبي، كان المغفور له الشيخ راشد، وعلى يمينه دائماً، صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، يشرفان ويتابعان عن كثب خطط تطوير الجهاز الأمني، وتزويده بأحدث ما توصل إليه العلم والتكنولوجيا من وسائل حديثة ومتطورة ليكون مواكباً للنهضة الحضارية التي تعيشها دولة الإمارات بصورة عامة، ودبي بخاصة.

راشد بن سعيد آل مكتوم
راشد بن سعيد آل مكتوم

وكان الشيخ راشد ومعه الشيخ محمد، رئيس الشرطة والأمن العام في دبي، يحرصان على حضور كل الفعاليات الشرطية في دبي، مهما كان حجمها. وكان الشيخ راشد يكرِّم بنفسه الخريجين والمتميزين من الجهاز الشرطي، تأكيداً منه على اهتمامه الشخصي والمباشر بالعين الساهرة على أمن المجتمع وسلامته.

يوم الأربعاء – السادس من إبريل (نيسان) – 1977، كان ثمة حفل لتخريج 4 دفعات من رجال الشرطة في مدرسة تدريب الشرطة في بر دبي، وكنت أُمثِّل «أخبار دبي» في تغطية الحدث.

يومها وصل الشيخ راشد، تغمده الله بواسع رحمته، يرافقه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، إلى مكان الاحتفال في الساعة الخامسة مساءً، وكان في استقبال سموهما العقيد عبد الله بلهول القائد العام لشرطة دبي «آنذاك»، وقناصل الدول المعتمدون في دبي وكبار المسؤولين في الدولة.

وبعد أن استعرضا طابور الخريجين، قام الشيخ راشد بتوزيع الجوائز على الفائزين، أعقبه عرض رائع للكلاب البوليسية، وهي الفرقة التي شكَّلتها شرطة دبي قبل شهرين من ذلك، لاستخدامها في أغراض حفظ الأمن، وتضمُّ سلالة من كلاب «وولف» الذكية. حيث نفذت الكلاب تجربة لما يمكن أن تقوم به في الواقع العملي من كشف للمخدرات والمجرمين، واقتفاء للأثر.

وحصلت «أخبار دبي» حينذاك على تصريح من الشيخ محمد بن راشد قال فيه: «إني لأنصح هؤلاء الخريجين بأن يخلصوا في العمل، ويتفانوا فيه، محبة لله والوطن، وأن يؤدوا واجباتهم بوازع من ضميرهم في سبيل نصرة الحق، ونجدة الملهوف، ودفع الظلم عن المظلومين، والضرب على يد كل من تسول له نفسه التلاعب بالأمن والاستقرار، أو العبث بطمأنينة الناس وسلامتهم، وسلامة ممتلكاتهم وأموالهم.. تحقيقاً لما قلناه، ونقوله دائماً: أمنك بخير.. أنت بخير».

دوريات طائرة

في لقاء صحافي أجراه الزميل الراحل محمد نوراني، رحمه الله، مع العقيد عبدالله بلهول، القائد العام لشرطة دبي آنذاك، قال: «نظراً للاهتمام الكبير الذي يوليه سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم لقطاع الأمن، وتنفيذاً لتوجيهات سموه، أدخلت شرطة دبي نظام دوريات المرور بالطائرات العمودية، وأصبحت رهن الإشارة لتكون خلال لحظات في مكان الحادث… وبذلك استطعنا مسابقة الزمن لصالح المصاب في الحادث… ما مكننا من اختصار الزمن لإنقاذ المصاب، وقطع طريق الهروب على أي مجرم».

وبذلك تفخر شرطة دبي بأنها أول من أسَّس جناحاً جوياً تابعاً للشرطة في الوطن العربي.

ورداً على سؤال المحرر عن أهمية هذا الجناح الجوي والخدمات التي يقدمها، قال بلهول: «إنَّ دورية هذه الطائرة تعادل دوريات خمسين شرطياً على مختلف الطرق، وبواسطتها يمكن إسعاف المصابين في حوادث الطرق بسرعة فائقة، وبواسطتها يمكن إرشاد سفن الصيادين، والبحث عن المفقودين في البحر. إضافة إلى نقل الجرحى والمصابين في حرائق البواخر، إلخ. وستكون الطائرة مزودة بجميع التجهيزات اللازمة».

وأضاف العقيد بلهول: «هذه الوسائل الحديثة والمتقدمة تتطلب رجال شرطة في مثل كفاءتها، ويمتلكون الأجهزة الفنية التي تساعد على التكاملية في أداء المهمة، بين الذي بلغ عن الحادث، والذي تلقى البلاغ، والذي سارع بالتدخل للإنقاذ».

واستطرد: «لذلك سيكون لدى كل فرد من الضباط والشرطة جهاز يستطيع بواسطته الإبلاغ عن كل ما يراه مخالفاً، وستكون هناك شبكة متطورة جداً للاتصال والإبلاغ بالسرعة المطلوبة».

وقال بلهول: «نحن الآن بصدد إدخال وسائل الرقابة على الطرق، وتنظيم حركة السير، والتحكم فيها لتحقيق انسيابية المرور وعدم اختناق الطرق. وسنعتمد في ذلك على أحدث الوسائل «العين التلفزيونية» التي بواسطتها تستطيع مراقبة الطرق وحراسة المنشآت والمراكز والمعارض التجارية، بمعنى أنَّ أي حادث على الطرق، أو محاولة ارتكاب سرقة سيكون مراقباً تلفزيونياً بكل تفاصيله».

 

راشد ومحمد بن راشد أثناء  عزف النشيد الوطني
راشد ومحمد بن راشد أثناء  عزف النشيد الوطني

راشد يصافح أحد الخريجين بحضور محمد بن راشد
راشد يصافح أحد الخريجين بحضور محمد بن راشد

الشرطة عام 1979

كيف ستبدو شرطة دبي في العام المقبل «1979»؟ سؤال وجهه الزميل الراحل محمد نوراني إلى العقيد عبد الله بلهول، فأجاب: «نحن نؤثر الصمت، ولكن لا بأس أن أخبرك بشيء عن العام الجديد، ليس كأمنية نتمنى أن نحققها، بل كتطور حدث بالفعل؛ فقد جلبنا الأجهزة الفنية التي تعمل بنظام جديد، يعتمد على إرسال التبليغ عن الجرائم أو الحوادث بطريقة الاتصال المكتوب (التلبرنتر)، وهو مشابه لأجهزة وكالات الأنباء التي تتلقى الأخبار وتسجلها كتابة لحظة كتابتها من الطرف الآخر في أي مكان. وبذلك سوف ترتبط القيادة مع المراكز وخفر السواحل».

وأضاف العقيد بلهول: «كما سيتم إدخال نظام الإنذار الآلي الذي يستخدم في البنوك والمؤسسات الكبرى.. وباختصار أقول: إنَّ شرطة دبي تعمل بإمكانات بشرية وفنية متطورة، تصنفها بأنها تعمل خارج نطاق الوطن العربي، بفضل رعاية صاحب السمو الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، وتوجيهات سمو الشيخ محمد بن راشد وزير الدفاع، رئيس الشرطة والأمن العام. ولأنَّ ما حققته دبي من إنجازات عملاقة، وما شيدته من مصانع ضخمة، بفضل حنكة قيادتها الرشيدة، جعلها تسابق الزمن في طريق النمو والتطور، وفرض على جهازها الأمني أن يواكب تلك المعطيات والإنجازات».

«التلبرنتر» يختصر الزمن

«ما كنا نقضيه في خمس ساعات أصبحنا نقضيه في خمس دقائق». هذا ما قاله «المقدم» ضاحي خلفان تميم، القائد العام شرطة دبي بالإنابة لرجال الصحافة والإعلام، ونشرته «أخبار دبي» في العدد 41 الصادر يوم السبت 20-10- 1979.

وبهذه الكلمات شرح ضاحي خلفان القفزة الكبيرة التي حققتها الشرطة، بافتتاحها شبكة اتصالات «التلبرنتر» بين القيادة ومراكز الشرطة؛ للإسراع في إيصال التعليمات والمعلومات، وفي سبيل المزيد من المحافظة على سريتها.

وقد شهد الاحتفال بافتتاح هذه الشبكة مديرو وممثلو الشرطة في الإمارات، كما حضره كبار الضباط في شرطة دبي. وخاطب المقدم ضاحي زملاءه قائلاً: «لقد وضعت تصاميم هذه الشبكة -وهي الأولى من نوعها في دولة الإمارات- بحيث يمكن توسيعها لتشمل أنحاء الدولة». وناشد إدارات الشرطة في البلاد أخذ ذلك بعين الاعتبار لدى تنفيذ مشاريع مماثلة لديها، كي تتكامل هذه المشاريع وتشكل شبكة واحدة تربط البلاد، وتعمل على تحقيق الهدف الواحد المتمثل في تسخير آخر المخترعات العلمية من أجل توفير الأمن.

وأضاف ضاحي: «إن قيادات الشرطة في الدولة تنفق الكثير على شراء وصيانة السيارات التي تتولى تأمين الرسائل، ولو رصدت هذه الأموال لإنشاء شبكات للتلبرنتر لاستطعنا توفير الكثير، ناهيك عن الخدمة المتطورة الأفضل».

ضاحي خلفان متحدثا إلى رجال الإعلام والصحافة

ما هو التلبرنتر؟

هو جهاز برق يشبه الآلة الكاتبة، ويمثل في الوقت ذاته جهاز إرسال واستقبال لاسلكي، بحيث يقوم الجهاز بإرسال المادة المطبوعة فيستقبلها جهاز آخر في مكان آخر وفي الوقت ذاته قد يبعد خمسين ميلاً. ويمكن زيادة مدى الإرسال حينما تستخدم أجهزة الشرطة في الدولة أجهزة مماثلة.

محمد بن راشد يفوز بجائزة السلام

محمد بن راشد يتسلم الجائزة من مندوب اللجنة الدولية
محمد بن راشد يتسلم الجائزة من مندوب اللجنة الدولية

تسلم سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وزير الدفاع، رئيس الشرطة والأمن العام في دبي، جائزة السلام العالمية، تقديراً لجهود سموه الإنسانية الناجحة، وتفانيه لإرساء أسس التعاون، والعمل على إحلال السلام في المنطقة.

وقد سلم الجائزة لسموه مندوب اللجنة الدولية للمؤتمر العالمي للسلام الذي عقد في العاصمة اليوغسلافية بلغراد في أيلول (سبتمبر) 1977، بحضور السيد سيف الغرير رئيس غرفة تجارة وصناعة دبي، وعدد من الوجهاء ورجال الأعمال.

وألقى رئيس الوفد كلمة حيا فيها مواقف سمو الشيخ محمد الإنسانية، وهنأ فيها سموه على نيله هذا التقدير الدولي.

ويعبر عن هذه الجائزة تمثال مذهب لميركوري التي اعتمدت عند الأقدمين كراعية للسلام.