أوائل البنوك في الإمارات أوعية مصرفية تواكب التطوّرات التاريخية

Business مجلة مدارات ونقوش – العدد 11

 1,246 عدد المشاهدات

لا يمكن الحديث عن العملات وتاريخ النقد المصرفي في الإمارات، دون الحديث عن أوائل البنوك التي فتحت فروعاً لها في المنطقة، وقبل قيام الدولة الحديثة، حيث عرفت إمارات الساحل المتصالح مجموعة من البنوك قدَّمت بعض الخدمات المصرفية أسوةً بالبنوك عبر العالم كأوعية مصرفية حديثة، مستفيدة من التطوُّر المتنامي لحواضر المنطقة وازدهار التجارة وانتعاشها.

وقد اُفْتُتِحَ أوَّلُ مصرف في إمارات الساحل المتصالح في إمارة دبي سنة 1946، وهو المصرف الإمبراطوري الإيراني (Imperial bank of iran) الذي تغيَّر اسمه لاحقاً إلى المصرف البريطاني للشرق الأوسط، وتبعه بعد ذلك افتتاح مصارف أخرى كالبنك الشرقي المحدود، ومصرف فرست ناشيونال سيتي بنك، والبنك العربي، والبنك العثماني وغيرها.

مهنة الصرافة

قبل ظهور البنوك، كانت مهنة الصرافة مقتصرة على الهنود قبل أن تتوسَّع وتشمل غيرهم، فمع ازدياد عدد “البانيان” سنة 1885، للعمل كوكلاء أو وسطاء للشركات البريطانية في بومباي، كان من ضمن الأعمال التي يقومون بها أعمال الصرافة، حيث كانوا يعملون بها قبل عام 1946، ولا يدفعون أيَّ شيء للسلطة المحلية في الساحل مقابل عملهم هذا، وتشير إلى ذلك الباحثة عائشة سعيد القايدي في كتابها «الخدمات المصرفية في إمارات الساحل المتصالح»، الصادر سنة 2012 عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، وهو مرجعنا في هذا المبحث، تذكر القايدي أنَّ هذه المهنة لم تقتصر على الهنود، بل كان بعض تجّار الساحل يقومون بتجارة العملات الفضية والذهبية ويبادلون بعضها ببعض، وفي بدايات القرن العشرين كان ريال ماريا تيريزا يباع بنصف روبية وآنتين، والجنيه الإسترليني بثلاث عشرة روبية؛ لأنه مسكوك ذهبي. ويذكر الأديب عبدالغفار حسين، أنه في بداية عمله في التجارة كان يجلب من مسقط عملة ماريا تيريزا ويبيعها في الساحل، إضافة إلى تبديل العملات بين التجّار مع بعضهم، كما عرفت أسواق الساحل المتصالح الكمبيالات كوسائل تعامل مالية. 

نشوء البنوك
وقد بدت الحاجة ماسة إلى نشوء البنوك مع تنامي الأنشطة والاستقرار في إمارات الساحل المتصالح، حيث خلقت الاتفاقية مع بريطانيا عام 1892 واقعاً جديداً لدفع أطماع الفرنسيين والألمان والدول الأخرى من المنطقة بعد سلسلة اتفافيات منذ 1820، وبعد الحرب العالمية الأولى تسابقت شركات النفط للتنقيب عن النفط، كما أصبحت المنطقة جزءاً من خطوط ملاحية وجوية تجارية عالمية بين بريطانيا ومستعمراتها الشرقية في الهند، ما مهَّد لتغيُّر أساليب التعامل المالي، حيث كانت الآليات المالية سابقاً منحصرة في إطار الاقتصاد التقليدي القائم على ريع الغوص لاستخراج اللؤلؤ وغلة الزراعة، وقليل من التجارة لا يتجاوز كفاف العيش.

هذا المناخ وغيره من حركة دؤوبة لسفن الغوص والسفن  الشراعية بين موانئ الخليج العربي القريبة والمجاورة، شجّع على توفير الخدمات المصرفية بعد أن وضعت الحرب العالمية أوزارها، في اتجاه حديث لكسب المزيد من الأرباح عبر آليات التعامل النقدي الحديث، وكانت دبي وجهة مناسبة لذلك بإمكاناتها الطبيعية والاستراتيجية كملتقى تجاري بحري يزوّد التجّار القادمين من لنجة وبندر عباس ومومباي والبصرة وعمان، وغيرها من المدن والموانئ بما يشتهون، فقامت إدارة المصرف الإمبراطوري الإيراني، وهو مصرف بريطاني، بجهود وتحرُّكات عبر السلطات البريطانية من أجل افتتاح فرع له في إمارة دبي، وتبع ذلك مفاوضات ممثلي المصرف الإمبراطوري الإيراني مع السلطة المحلية في إمارة دبي انتهت بالسماح للمصرف بافتتاح فرع له سنة 1946.

وفي حوار صحفي سابق مع عيسى السمت، أحد موظفي البنك، قال: «إنَّ موظفي البنك، عند افتتاحه في دبي، كانوا لا يتجاوزون عدد أصابع اليد، وكان معظم عملاء المصرف من التجّار، كما كانوا يقومون بإرسال النقود إلى الهند بحراً بعد وضعها في صندوق أو أكياس مخيطة». يشار إلى أنَّ هذا البنك تأسَّس في لندن عام 1889 وافتُتِحَت له فروعٌ في الكويت عام 1942، والبحرين عام 1944، وبيروت عام 1946، ودمشق عام 1947، وافتتح فرع دبي في أكتوبر عام 1946، وأشار أحد التقارير البريطانية إلى أنَّ فرع البنك في دبي خلال تلك الفترة انحصرت معظم معاملاته في تبادل العملة، وكان هناك بعض التحفُّظات من قِبَل التجّار، متعلقة بإيداع أموالهم، لكن ابتداءً من عام 1949 بدأت أعمال البنك بالتوسُّع، واحتكار النشاط المصرفي في دبي حتى عام 1963، الأمر الذي أكسبه دوراً فاعلاً في تنمية نشاط دبي التجاري، ودعمه في ذلك القانون الخاص بالعملات الأجنبية الصادر عن حكومة الهند عام 1947، والذي فرض على تجّار الخليج دفع قيمة البضائع التي يستوردونها من الهند في بنوك يسمح لها ببيع العملات الأجنبية للهند.
لم يتوقّف البنك البريطاني عند حدود دبي، إنما تجاوزها إلى الشارقة لقربها من دبي، وافتتح فيها فرعه الثاني عام 1953 واستمرَّ احتكاره لها حتى عام 1957، حيث افتتح البنك الشرقي فرعاً له في الشارقة، علماً بأنه لم يكن سوى جزء من فرع. ثمَّ انتقل إلى أبوظبي ليفتتح فرعه الأوَّل فيها عام 1958، واستمرَّ احتكاره لها حتى بداية الستينيات، كما يشير إلى ذلك الباحث نجيب عبدالله الشامسي في كتابه «اقتصاديات الإمارات قبل 1971.«

توسُّع الفروع

في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، بدأت كثير من المصارف الأجنبية تتشجّع إلى افتتاح فروع لها في إمارات الساحل المتصالح، وكان وراء ذلك مجموعة من الأسباب؛ منها اكتشاف النفط في أبوظبي عام 1958، ونجاح تجربة البنك البريطاني للشرق الأوسط في دبي، وبروز الحاجة إلى منافسته، وتقديم بدائل أمام التجّار تلغي احتكاره للخدمات المصرفية، وكانت البداية عندما اقترحت شركة «دانمال إيسارداس» عام 1952 افتتاح فرع المصرف الشرقي في الشارقة، كما أنَّ شركة النفط «كونتينتال» الأمريكية التي أبرمت اتفاقاً مع حاكم دبي عام 1963 للتنقيب عن النفط، طلبت افتتاح فرع لمصرف فيرست ناشيونال سيتي بنك، وهو مصرف أمريكي لكونه المصرف الرئيس الذي تتعامل معه الشركة.
ويعـزى اختيار البنك للشارقة، لقربها من دبي حيث النشاط التجاري. ولكون الشارقة مقراً للقاعدة العسكرية البريطانية، وفي سنة 1962 اندمج البنك الشرقي مع «تشارترد بنك»، واستمرَّ في نشاطه الأصلي باسمه السابق، على الرغم من اندماجه مع ذلك المصرف، وفي السنة نفسها اُفْتُتِحَ مكتبٌ له في أبوظبي، وكان يقع وراء مبنى البلدية، وبجانب منافسه البنك البريطاني للشرق الأوسط، وفي 1966 شارك البنك الشرقي في عملية إصدار النقد للبنوك العاملة في أبوظبي نيابة عن مجلس نقد البحرين، بعد قيام أبوظبي باعتماد الدينار البحريني عملة رسمية لها بدلاً من الروبية الهندية الخليجية.
كما ظهرت فروع لبنوك أخرى، حيث كان البنك العربي أوَّل المصارف العربية التي تقدَّمت بطلب افتتاح فرع لها بمنطقة الساحل، وافْتُتِحَ فرعٌ لهذا المصرف في الشارقة سنة 1963، ليتوالى افتتاح العديد من الفروع كالبنك العثماني، وبنك حبيب المحدود الباكستاني، والمصرف الأهلي الكويتي وغيرها من فروع البنوك الآسيوية والأوروبية.

البنوك الوطنية
مع التوسُّع التجاري بدت الحاجة ماسة إلى وجود كيانات مصرفية مؤسَّسية قوية تلغي الاحتكار، وفي عام 1963 كان بنك دبي الوطني المحدود هو أوَّل بنك محلى تمَّ تأسيسه في دولة الإمارات العربية المتحدة، بموجب مرسوم أميري صادر عن المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم دبي، لمجموعة من تجّار دبي البارزين، وبدأ عملياته في دبي يوم التاسع من مايو عام 1963، وتولّى سلطان علي العويس رئاسة مجلس إدارة البنك. وبدأ البنك أعماله المصرفية برأسمال مشترك؛ وطني وأجنبي مدفوع بالكامل قدره 13,500,000 روبية. وإلى جانب فرعه الأول بمنطقة العبرة في دبي، عمل البنك على تأسيس فروع جديدة له امتدت إلى أبوظبي وكان في يونيو عام 1968، ثمَّ أم القيوين في مارس عام 1969، وفي عام 1971 بدأ البنك بتقديم خدماته المصرفية المتواصلة على مدار الساعة للمسافرين من مطار دبي الدولي.
وفي إمارة أبوظبي، شهدت الحركة المصرفية نشاطاً وتطوُّراً ملحوظاً مع اكتشاف النفط فيها بكميات تجارية، وتصدير أول شحنة نفط إلى الخارج من حقل داس عام 1962، وبعد تولِّي المغفور له الشيخ زايد آل نهيان مقاليد الحكم في الإمارة عام 1966، أبدى اهتماماً بحركة البناء والتشييد. وفي عام 1968 التفت المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان إلى ضرورة تأسيس مصرف وطني، فأصدر مرسوماً أميرياً يقضي بتأسيس بنك أبوظبي الوطني التجاري برأسمال قدره مليون دينار بحريني على أن يكون نصيب أسهم المواطنين بنسبة 85% والبقية لشركاء عرب وأجانب، وضمَّ أول مجلس إدارة له خليفة بن يوسف رئيساً، وأحمد بن خليفة السويدي ممثلاً لحكومة أبوظبي.
وقبل ذلك تمَّ افتتاح بنك عمان على يد الوجيه ماجد الغرير، رحمه الله، وإخوته سيف وعبدالله بدبي عام 1967 في سوق مرشد، وحقَّق في أول سنة عائدات مقدراها 895 ألف ريال قطر ودبي، وأسّس بنك دبي التجاري عام 1969، ومصرف الفجيرة الوطني عام 1971 بعد إعاقة افتتاحه لعامين.