إطلالة تاريخية على مدينة ابن الوليد

Business مجلة مدارات ونقوش – العدد 12

 705 عدد المشاهدات

الكاتب:د. غازي مختار طليمات 

 

تقع مدينة حمص وسط سورية بين نهر العاصي وبادية الشام، وتلقَّب بجارة العاصي، وحمص القديمة، ومدينة ابن الوليد، وأم الحجار السود؛ لأنها ترصف شوارعها وتبنى مساكن أهلها بالحجارة البازلتية السوداء، وصفها المؤرخ المقدسي (390هـ) في كتابه أحسن التقاسيم: بأنها أكبر بلاد الشام، ولها قلعة ترى من خارجها.

فتحها العرب المسلمون في خلافة عمر بن الخطاب سنة 14هـ بقيادة أبي عبيدة بن الجراح، وتمَّ فتحها صلحاً بعد حصار.

ذكر المؤرخون أنَّ أبا عبيدة أو السمط بن الأسود الكندي: «صالح أهلها» فأمنهم على أنفسهم وأموالهم وسور مدينتهم وكنائسهم، واستثنى عليهم ربع كنيسة يوحنا للمسجد. وهذا الربع لا يعني الاغتصاب القسري، وإنما يعني حسن الجوار بين المسلمين وأهل الكتاب في العبادة. ومما يدل على حسن الجوار والمعايشة المتسامحة الخبر التالي:

«لما جمع هرقل للمسلمين الجموع، وبلغ المسلمين إقبالهم إليهم لوقعة اليرموك ردوا على أهل حمص ما كانوا أخذوا منهم من الخراج، وقالوا: قد شغلنا عن نصرتكم والدفع عنكم، فأنتم على أمركم، فقال أهل حمص: لولايتكم وعدلكم أحب إلينا مما كنّا فيه من الظلم والغشم، وتندفعن جند هرقل عن المدينة معكم، ونهض اليهود، فقالوا: والتوراة لا يدخل عامل هرقل مدينة حمص إلا أن نغلب ونجهد، فأغلقوا الأبواب وحرسوها».

وفحوى الخبر أنَّ أهل الكتاب شاركوا المسلمين في حماية حمص من الروم بعد أن أعجبوا بعدلهم واكتفائهم بربع كنيسة، لإقامة الصلاة ريثما يستقرون ويبنون المساجد. وحينما استقرَّ المسلمون في عصر الخلفاء الراشدين وعصر بني أمية بنوا المساجد إلى جوار الكنائس بلا تعصُّب ولا اضطهاد.

من المساجد القديمة التي بقيت ماثلة حتى العصر الحاضر:

– جامع الأربعين في الزاوية الشمالية الغربية من حي الأربعين على سور المدينة، وتظهر صورته البقية الباقية من سور المدينة والمئذنة المبنية على أحد أبراجه الضخمة.

 

جامع الأربعين

 

– جامع مصطفى الحسيني التركماني، وفيه بركة رخامية للوضوء وسبع غرف وحرم للصلاة وفسحتان… إلخ.

 

جامع مصطفى باشا الحسيني

 

– جامع بارزرباشي في سوق النسوان، وله مئذنة سداسية الأضلاع. وفيه حرم وفسحة مكشوفة.. إلخ.

 

جامع بارزرباشي

 

– جامع خالد بن الوليد، ويقع في الزاوية الشمالية الغربية من الحي الذي سمي باسمه «الخالدية». وهو أحدث الجوامع القديمة بناء، وأجملها. له مئذنتان شامختان سداسيتان بنيتا بالحجر الأبيض، وسقفه قبة كبيرة تحيط بها أربع قباب صغيرة، وفيه ضريح البطل خالد بن الوليد، وضريح ابنه عبدالرحمن. وله فسحة كبيرة مكشوفة، فيها بركة ماء للوضوء، وفي قسمها الشمالي رواق كبير يرتفع على أعمدة رشيقة. وطراز بنائه يذكّر السائح بطراز المساجد العثمانية التي تفخر بها اسطنبول كمسجد السلطان أحمد.

 

 

جامع خالد بن الوليد 

 

ضريح خالد بن الوليد 

وفي حمص جوامع كثيرة قديمة، نكتفي بسرد أسمائها وصورها؛ لأنها متشابهة في البناء والتصميم، وإن اختلفت بعض الاختلاف في أزمنة البناء، وها هي ذي أسماء تلك المساجد وصورها.

وبوصف فيه بعض التفاصيل وتاريخ مشفوع بالأرقام ومستمد من كتب التاريخ، ولا سيما تاريخ حمص لنعيم الزهراوي نختم هذه المقالة بالحديث عن جامعين: الجامع النوري الكبير وجامع الفضائل. 

وبوصف فيه بعض التفاصيل وتاريخ مشفوع بالأرقام ومستمد من كتب التاريخ، ولا سيما تاريخ حمص لنعيم الزهراوي نختم هذه المقالة بالحديث عن جامعين: الجامع النوري الكبير وجامع الفضائل.

 

صورة قديمة لصحن جامع النوري

 

 

جامع النوري أو الجامع الكبير

 

أمّا الجامع النوري الكبير فيقع في وسط المدينة، وفي قلب الأسواق التجارية في منطقة «باب السوق». وقد كان مشيداً على أكثر من سبعة آلاف متر مربع، ثمَّ تقلصت مساحته بعد تجديد بنائه إلى أكثر من خمسة آلاف متر مربع. فيه حرم مستطل كبير جداً يحاذيه من الجنوب سوق تجارية مسقوفة كسوق الحميدية في دمشق وكأنها بعض أوقافه، وفي داخله سبع عشرة غرفة للتدريس أو لسكن المشايخ والمعتكفين، وفي زاويته الشمالية الشرقية مكتبة للدارسين.

أمّا فسحته فكبيرة جداً تشغل نصفه الشمالي وهي مرصوفة بصفائح الحجارة السوداء، وتعلو زاوية حرمه الشمالية الغربية مئذنة مربعة الأضلاع، كانت حتى منتصف القرن العشرين ترفع راية كبيرة عندما يحين وقت الأذان، فإذا ما رآها مؤذنو المساجد الأخرى وأهل المدينة أذَّنوا وأقاموا الصلاة.

وتعود تسميته بهذا الاسم إلى نور الدين زنكي (ت: ٥٦٩هـ) الذي رمَّمه أو أعاد بناءه بعدما تصدّع أو تهدّم بزلزال كبير ضرب المدينة.

وأمَّا جامع الفضائل فيقع في حي «بستان الديوان»، وهو – كغيره من مساجد حمص – مبني بالحجارة البازلتية السوداء وله مئذنة مربعة الأضلاع، تحتوي درجاً لولبياً، يصعد عليه المؤذن ليصل إلى تاج المئذنة. وتاج المئذنة ذو شرفة تطل من الجهات الأربع على الأحياء المجاورة. وتعلو الشرفة قبة لها ثماني نوافذ.

 

 

 

  

(جامع الفضائل (جامع بيت طليمات

 

وممّا يميز هذا الجامع أنه يحمل هويته على صفحة كبيرة من الحجر تعلو سقف بابه، نقشت عليها ستة أبيات تسمى من بنائه، وتحدّد تاريخ بنائه بحساب الجمل، لا بالأرقام، وهي:

ألا إنَّ هذا مسجد قد أقامه

     على أسس التقوى أب للفضائل

علي شهاب الدين ذو العلم والتقى

     له نسب يسمو على كل فاضل

لآل طليمات الحسيني ينتمي

     فأكرم به أصلاً خلا عن مماثل

فلا زال معموراً يوم رحابه

     مصلون في وقت الضحى والأصائل

ولا زال غيت العفو ينهل دائماً

      على قبر بانيه بطل ووابل

ومذ تمَّ بنياناً نطقت مؤرخاً

      «ببنياه قد كان أبهى المنازل»

 

وفحوى هذه الأبيات أنَّ بانيه يسمّى «علي شهاب الدين» من آل طليمات الذين آلت إليهم نقابة الأشراف في حمص، وأنَّ تاريخ بنائه وفق حساب الجمل الذي يعطي كلَّ حرف من حروف الأبجدية قيمة فردية هو عام 472هـ، أي قبل ما يقرب من ألف سنة. وحساب الجمل قديم عند العرب، تعود بداياته إلى سنة 81 هـ في زمان عبدالملك، وشاع وذاع وأكثر من استعماله في مؤلفاته أبو الريحان البيروني (ت: 440هـ).