ابـن ظاهـر مـن شـعراء القـرن العاشـر الهجري

block-4 سعد الحافي مجلة مدارات ونقوش – العدد 26 – 27

الكاتب: سعد بن عبد الله الحافي 

 

محلك فوق هام السبع هامي

     وصيتك شايعٍ بين الأنامي

وباسك بعض بعضٍ منه يخشى

     كما تخشى النفوس من الحمامي

وجودك بعض بعضٍ منه يرجى

     كجود المرجحن من الغمامي

وحلمك والحلوم تطيش رهبه

     غدات الروع أثقل من سنامي

وقد سار الخميس على الخميس

     كما سار الصباح على الظلامي

وثار النقع من وقع السبايا

     كما صواعق المزن الركامي

ترا فيها جحاجحة وخيل

     جياد كالهشيم على الرخامي

معفرتٍ معثرتٍ فطوسٍ

     يدربيها المدربي بالحسامي

غدا صفاصف البالود فلت

     ويهشم ما ولاه من العظامي

ومثل الصل معتدلٍ طويلٍ

     وبه كالنجم في جنح الظلامي

ومنتوبين من بطنٍ وظهرٍ

     سوا فولاذها وسو القتامي

هل العادات جرار السبايا

     الى ما شالها والقيظ حامي

وهو حامي الظعاين يوم تقفي

     شديد الباس في يوم الصدامي

حما حمر الهوادج يوم تنخي

     سواكنها تفرفش كالحمامي

لعيني كل بهكلةٍ رداحٍ

     صموت الحجل قانية الوشامي

ترا من خدرها من عقب ستره

     كشمس الأفق بفتوق الغمامي

بيوم المال يبونه يوم عزله

     به الحشوان عن جل السوامي

تلقا الطعن مع فار البلنزا 

    مناعيرٍ تخاف من الملامي

صناديدٍ جحاجحةٍ وخيلٍ

     تفر عن الملام إلى الحمامي

 

 

 

اسم الشاعر وعصره:

أوردت هذه القصيدة كما جاءت في مخطوط الربيعي، ونجد أنه جاء في تقديم القصيدة «مما قال أبو ظاهر في أجود»، فإذا كان هذا الاسم صحيحاً فلم أجد للشاعر غير هذه القصيدة، وإلا فإنَّ الاسم مصحَّف عن ابن ظاهر كما اعتاد أن يكتب، واشتهر بذلك الماجدي ابن ظاهر. وهذا الشك يراودني من عدة جوانب؛ لعل أولها احتمال التصحيف إلى (أبو) بدلاً من (ابن)، لا سيما أنَّ الرسم متقارب. وثانيها أنه في مخطوط (ألبرت سوسين) أورد قصيدة معروفة للماجدي ابن ظاهر، وقدم لها هكذا (قال بن ظاهر)، مما يعني أنَّ الاسم اشتهر عند المدوّنين دون أن يضاف اسم القبيلة (الماجدي)، والذي تذكر الروايات أنَّ اسمه علي.

ألبــرت سوســين
ألبــرت سوســين

 

وخلافاً لما ذكر في التقديم أنها قيلت في «أجود»، لم أجد في أبيات القصيدة أي إشارة لاسم أجود سوى أنه فاق بني عقيل بالشجاعة والكرم:

تعلا بالشجاعه عقيل طبقا

     واصخاها واوفاها ذمامي

واحيا الله كل كريم نفسٍ

     ولا احيا البخيل ابن اللئامي

و«أجود» من أهل القرن التاسع ومطلع القرن العاشر الهجري، تولى الحكم في عام 875هـ، وتوفي في 913هـ. فإذا كان كذلك فيكون ابن ظاهر عاش أواخر القرن التاسع الهجري والقرن العاشر الهجري، ويؤكد هذا أنَّ ابن ظاهر يكنُّ المحبة والولاء لبني جبر؛ حيث مدح بني هلال من بني جبر في قصيدة أخرى يقول فيها:

إلى وافا سبوعين تمام

     ولف النبت جلباب الترابي

تجي ظعاين البيت الرفيع

     تـلوف الحضر ما شيٍ تهابـي

بنو فيها بحمـر وصيـد نمـر

     وسمرٍ ما بنوها بالتغابي

عتات الأمر ركبوا فوق ضمر

      مطاويعٍ مـن الخيـل العرابـي

شلاغيف الرجال بني هلال

     إذا من البلا شب التهابي

حيث تدل الأبيات على معاصرته لسلالة هلال من بني جبر، ويتمنَّى أن ينزل الغيث، وتكتسي الأرض بالنبات لتأتي ظعائن بني هلال، والذين كان لهم وجود في شمال عمان، وبشكل كبير في القرن العاشر، وتراجع في مطلع القرن الحادي عشر؛ ففي تاريخ عمان للسيابي: أنَّ آل عمير اشتروا «حصن بهلى» بثلاثمئة لك (لك: مئة ألف) من محمد بن جيفر بن علي بن هلال الجبري، وكان محمد بن جيفر قد أخذ الحصن بالغلبة من عامل بركات بن محمد بن إسماعيل الحاضري، وكانت إمامته في عمان بين عامي 942هـ-964هـ.

 

كتاب تاريــخ عمــان للســيابي
كتاب تاريــخ عمــان للســيابي

وفي مطلع القرن الحادي عشر نجد أنَّ ناصر بن ناصر بن ناصر بن قطن الهلالي يسيطر على بادية الشمال العماني وحصن ينقل، وأبناء عمومته: علي بن قطن في سمد الشأن، وإبراء فيها محمد بن جيفر، ولهم أيضاً حصن الغبى وحصن مقنيات وكذلك منح، ويبدو أنَّ قبائل شمال عمان كانت تميل إلى بني هلال الجبريين ضد إمام عمان ناصر بن مرشد؛ فقد دافعت بنو ياس عن إبل ناصر بن قطن الهلالي في الظفرة ففقدت من أجل ذلك زعيميها صقر بن عيسى ومحمد بن عيسى، فإذا كان ابن ظاهر بحسب بعض الروايات من بني ياس، فهذه دلالة قوية على حالة التحالف القديمة التي تجمع قبيلته مع بني هلال الجبريين (وربما يكون لرواية عامرية بني ياس الهوازنية علاقة بذلك) تأكيداً لما نصَّت عليه الأبيات السابقة وامتداحه «أجود»، وكذلك لانتفاء مقتضى الأبيات السابقة بعد العقد الثالث من القرن الحادي عشر، حيث لم يعد لبني هلال ذلك الحضور القوي عندما استطاع ناصر بن مرشد (مؤسس دولة اليعاربة) أن يقضي على النفوذ الهلالي، حيث يذكر السيابي أنهم غادروا نحو الأحساء. وهذا يحصر مقتضى الأبيات في القرن العاشر، وربطها بمعاصرة أجود في أواخر القرن التاسع الهجري، وخاصة أنَّ الروايات تؤكد أنَّ ابن ظاهر عمِّر طويلاً، وتنفي أن يكون ابن ظاهر عاصر سيف ابن سلطان قيد الأرض في مطلع القرن الثاني عشر.

كما يتطابق أسلوب الشاعر في النص الذي بين يدينا مع أسلوب ابن ظاهر ولغته وميله للنظم على بحر الوافر في عدد من قصائده الأخرى كقوله:

وطاب النوم من عقب الهموم

     وجابوا صاحبي من البعد داني

ومن قصيدة أخرى:

 إلــى جــال اللـثـام عــن الـوشـام

     وبـانــت لــــي ثـنـايــاه الـعـذابــي

وكذلك في قصيدة أخرى:

تنــاحــيه القــروف وهو زفوف

       فلــو ما الخوف منتسع الخزامي