الألحان الطّوال في الشعر العامي

مجلة مدارات ونقوش – العدد 14

 1,141 عدد المشاهدات

الكاتب: سعد بن عبد الله الحافي – رئيس تحرير مجلة الحرس الوطني السعودية

كان الشعر يقال دون فرز أو تصنيف موسيقي لبناء النص، وإنما كان التنعيم أو الملالاه (نعم لا نعم لالا) أو (ياللا يا لا للا) وهي كانت تستخدم ميزان الضبط التي يبني عليها الشاعر قصيدته، حتى سمعها الخليل بن أحمد الفراهيدي من بدوي في صحراء المدينة ثمَّ اعتمدها وحوَّلها إلى تفعيلة، وصنف الشعر بناء على تركيب هذه التفاعيل وخرج ببحور الشعر وسماها.

لذلك لا نستغرب أن نجد بعض البحور بدون مسمى في الشعبي، وهذا لا يعني أنها غير مستعملة في الشعبي؛ فالتسمية هي اجتهاد يعتمد على استخدام شائع مرتبط بقبيلة أو مكان أو أداء معين؛ فالسامري والمجرور والهجيني والمنكوس والعرضة مرتبطة بنوع الأداء، بينما الهلالي والشيباني الصخري والدوسري مرتبطة بشيوع الاستخدام؛ فهذا لا يعني أنهم من اخترعوا هذا اللحن أو البحر الشعري. وفي هذا المقال سنتناول الألحان الطويلة في الشعر العامي وسر الشعراء فيها.

نصوص وشعراء:

النص الأول:

يا هل الفاطر اللي فوقها من كل دشنٍ جديدٍ غالي

     سلموا لي عليه إن كان جيتوا صاحبي يا هل المامونه

عاش من ناشني من عشرته هملول صيفٍ حقوقٍ يالي

     ربعت منه وديان الظماير واستتمت وهي مصيونه

انشدوا نور عيني عن حواله واشرحوا له سراير حالي

     هو منونٍ علي بحاجتي ولا درا فاكتبوا مضمونه

كان هو مقبل لي لو نحيت بعيد ما نيب عنه سالي

     وان نساني وصد وسج مع غيري قويت العزا من دونه

والله اللي اعبد ما شيف دينٍ صدق ما يجرح الرجالي

     غير حسة صديقٍ داخليه والمخاليق ما يوحونه

كل من لا يصانع بالجميل لو كان أصيلٍ عالي

     مثل من لا يبر بوالديه ويخلف السنه المسنونه

يا وجودي على ما فاتني هيهات يوم الشراب ازلالي

     يوم عيني على طرد المها وملاقفه بالهوى مفتونه

خانت الوقت كدر ما صفا من لذته جمل الله حالي

     صابرٍ صبر مضهود الجمل والنفس في وليته مرهونه

هب يا حظي اللي بعد الغالي وحط البغيض قبالي

     والنصيب الردي ما يدرك لطنطانة الدانه المصيونه

كل ما جيت ابا انها القلب عن ما فات عيني قليلة والي

     تعترضها صواديف الزمان وتبتليها وهي مجنونه

عدل والله يحب العدل واللي ما يحبه ضميره خالي

     مثل من لا يعرف البا من الطا والعرب خطهم يقرونه

عين شيهانةٍ تطلب علفها وكرها في رفيع الجالي

     ما بذرت الجميل الا وانا يوم ابذره خابرٍ ماعونه

الشاعر:

هو سليمان بن ناصر بن شريم من بني زيد. شاعر مجيد أجاد فن المحاورة والنظم على البحور الطويلة. توفي، رحمه الله، عام 1363هـ.

دراسة النص:

يتميز هذا النص بأنه من الألحان المطولة التي تعتمد على تكرار تفعيلة البحر الذي بني عليه النص، ويسمونه لحن معوسر أو طرق معوسر، أي: لا يتمكن منه جيداً سوى من يتمتع بطول النفس وقوة الصوت التي تساعده على إكمال الشطر دون توقف، وهذا الأسلوب مشهور في قبائل منطقة مكة وغرب نجد، وخاصة في الملعبة الشعرية المعروفة بالمحاورة أو المراد، ويستخدمها الشعراء من باب استعراض المقدرة الشعرية وتعجيز الخصم عن المجاراة، ولجمال اللحن الذي ينتج عن مد الصوت به. وقد تأثر به بعض شعراء حاضرة نجد كابن دويرج وابن شريم، وكذلك لويحان، بعد مخالطتهم لشعراء منطقة مكة بعد منتصف القرن الرابع عشر الهجري؛ لذلك لا نجد في شعر أهل نجد لهذه الألحان «المعوسرة» أيَّ بُعْدٍ تاريخي يتجاوز القرن الرابع عشر الهجري، وفي هذا النص الذي بين أيدينا نجد أنَّ الشاعر نظم النص على:

فاعلن   فاعلاتن   فاعلاتن   فاعلن   فاعلاتن   فاعل

فالشاعر يخاطب ركباً من راكبَينِ ورديف، يمتطون ناقة فاطراً؛ أي: كبيرة السن، وهي دائماً ما تفضَّل في السفر الذي لا يحتاج إلى سرعة الجري كالغزو أو البريد، وإنما في السفر المعتاد؛ لأنها تتميَّز بالهدوء وقوة التحمُّل والدُّربة على المسافات الطويلة. ثمَّ يصف الشاعر بعض أدوات الزينة من المفارش التي توضع على ظهر الراحلة وأنها جديدة وثمينة؛ دلالةً على أهمية من يمتطيها، ليطلب منهم إبلاغ السلام للحبيبة (صاحبي) عندما تمكِّنهم الظُّروف من مقابلتها، ثمَّ يعود مستذكراً ما كان بينه وبين تلك الحبيبة في بعض لقاءاته معها، واصفاً أثره في نفسه بانسكاب المطر السريع من سحابة صيفية، وكيف أنه جلب السرور والسعادة لنفسه ومَنَحه الأمل في إدراك ما يصبو إليه. ثمَّ يطلب منهم سؤال الحبيبة مطمئناً عن أحوالها، وأن يوضّحوا لها معاناة الشاعر وما في نفسه من مشاعر تجاهَها، طالباً الإجابة وتوضيح موقفها بخصوص تحقيق رغبته فيها، وليتأكد من صدق ذلك يطلب منهم توثيق ذلك كتابة؛ فإن وجدَ القبول منها فلن ينساها، وإن بعدت به الديار؛ وإن كانت لا تريده ووجدت غيره فإنه سيتحلّى بالصبر ويرضى بما قُسم له، مُقسماً بأن ليس هناك أشدُّ ألماً وجرحاً للمشاعر من تجاوز صديق في حق صديقه ليكتم ذلك في صدره ولا يجعل الآخرين يشعرون به، وليؤكد أنَّ من لا يقابل الفعل الجميل بمثله، وإن كان ذا حسب ونسب، فإنه كالابن العاقِّ لوالديه المخالف للسنة.

الركب لحمل الأغراض عند الرحيل
الركب لحمل الأغراض عند الرحيل

 

 

ثمَّ يتوجَّدُ على ذلك الزمان الماضي حينما كانت الظروف مساعدة له في مغامراته العاطفية؛ فقد تبدل الصفاء بالكدر، وها هو اليوم يصبر كما يصبر الجمل على الحمل الثقيل؛ فقد خانه الحظ بفراق من أحب ومقابلة من لا يحب، ويلوم حظه السيئ الذي لا يميِّز بين الدانة الثمينة وغيرها، وكثيراً ما كان يحاول نسيان الماضي بذكرياته ولكن مع كل محاولة تنهمر عيناه بالدموع؛ فقد تكالبت عليه الظروف بما يشعره بالظلم ولا يريد سوى العدل الذي لا ينكره إلا جاهل لا يميّز بين الطاء والباء بينما الآخرون يستطيعون معرفة ذلك، ليختم قصيدته بأنه عندما اختار تلك الحبيبة، التي يشبِّه عيونها بعيون «الشيهانة» أنثى الصقر التي لا تستقر إلا في الأماكن المرتفعة، فإنه يدرك جيداً أنه قد فعل الجميل فيمن يقدِّر هذا الفعل وسيثمر فيه.

مخطوط قصيدة ابن شريم

النص الثاني:

يقول المورقي نهار في روس الطوال اواق

     امعدٍ بين حاذه والمحاني بالمجاديرا

واخيل المال يحدا والرحايل بالزهاب اتساق

     واقول بجيرة الله والك يا المقفي مسافيرا

عسى من حدهم ينحون ينحى من شفا المغراق

     ياخذ مقدار ساعه لا حبال ولا حداديرا

مطيحه في جبا المشويه اللي مارد البراق

     مواقفها اعسار وجالها كله شناظيرا (1)

بعد ما حول الغاطس فها وافهاه كسر الساق

     من الركبة الى حد القدم غادٍ شعاثيرا

ياخذ مقدار حوليه يحملونه خبيث اوفاق

     اعظامه لا بلينا ما تليمها الجبابيرا

ولا شدوا ودنوا له من الزمل ازرقٍ صعفاق

     حسوسٍ بالشجر يرثع على تالي المظاهيرا

الا يا وجد روحي وجد من تاه الركاب وتاق

     وهيله من ورا ركبه وخلنه ورا النيرا

رمنه في لهيب القيض بالمضماه بالاشفاق

     ولا يبخص مواريدٍ ولا يبخص محاديرا

الا ياطير يا عجل المسير وبالجناح احشاق

     معي رده اتوديها إلى زين المحاجيرا

ابيك اخف ولا فن ياما بي على الملحاق

     وسبت الرجل ما يجدي ولا جنحان ابا اطيرا

أنا إن عيرضت خطوا لي بحرزينٍ من الاوراق

     ابحرزينٍ تهبطني على ثلاب لا اطيرا (2)

جمع كل المعاني الطيبه بالخلق والاخلاق

     وزها صدره كما الرمان غضاتٍ مزابيرا

اخيل المال يحدا والرحايل بالزهاب اتساق

     واقول بجيرة الله والك يا المقفي مسافيرا

الشاعر:

هضيبان المورقي العتيبي: من شعراء مطلع القرن الرابع عشر الهجري، من شعراء منطقة مكة المكرمة وشرق الطائف.

دراسة النص:

أشرت كما تقدم إلى شيوع الألحان المطولة في شرق منطقة مكة المكرمة والطائف، ومنها امتد إلى منطقة نجد، ومن ذلك لحن النص الذي بين أيدينا، الذي يعتمد في بنائه على تكرار تفعيلة (مفاعيلن)، وهو نفس بناء بحر الهزج في الفصيح الذي يعتمد غالباً على تكرارها مرتين، ولكن هنا تميَّز بتكرار مفاعيلن أربع مرات في الصدر وفي العجز، وقد سماه شيخنا أبو عبد الرحمن بن عقيل -متعه الله بالصحة والعافية- باللحن الشيباني؛ بناء على ما يعتقد من أنه أقدم نص وصل له على هذا اللحن للشاعر شويمي الشيباني العتيبي ومنه:

رموني رميةٍ منها العطب وأنا ولد شيبان

     ونجاني ولي العرش ما جا في ماريه

رموني من ورا ضلع القرين ومن تحت نعمان

     وطرهم ذبحتي لاشك ربي ما رضا فيه

كما اني ما اقطع العاني واعينه واشبع الجيعان

     بحقي دون وجهي واجب تتميم عانيه

والشاعر شويمي الشيباني معاصر للشاعر هضيبان المورقي أيضاً، ولكن ابن عقيل شهر هذه التسمية حتى أصبحت ملتصقة باللحن، ولم نجد في الشعر الفصيح من نظم على هذا اللحن، وهناك ألحان كثيرة لم يذكرها العروضيون، وفي ذلك دلالة كبيرة على أنَّ البحور الشعرية التي حصرها الخليل هي استقراء لنصوص وصلت إليه وليس حصراً لجميع ما قيل، وأنَّ الشعر العامي هو الشعر الفصيح الذي كان الشعراء يقيمون وزنه على التنعيم كمعيار أو ما جعله الخليل التفعيلة أو ما يتوارثه شعراء العامية بالملالاه، وهي الأساس في بناء بحر النص، وأنَّ قصر الشطر على تفعيلة أو أكثر وتكرارها يعود للحن الذي يستطيعه نفس الشاعر ومقدرته على ضبطه.

وبالنظر للنص نجد أنَّ الشاعر أتقن سبك الأبيات فكان لحناً شجياً، وقد وضع وسمه في مطلع القصيدة كأسلوب شعري قديم (يقول المورقي) ويخطئ من يظن أنَّ اسم الشاعر نهار المورقي كقول الشعراء (يقول الخلاوي والخلاوي راشد) أو (يقول الجميلي والجميلي فيصل) فنهار هنا يعني بها وقت النهار الذي ارتقى فيه الشاعر المرتفعات الجبلية التي تقع بين قرية (حاذه) شمال شرق مكة المكرمة وبين قرية (المحاني) شمال شرق الطائف، حيث شاهد من تلك المرتفعات الجبلية تحرُّكَ ماشية الحي الذين معهم حبيبته،ودفْعَهم للركائب التي حمَّلوها ببيوت الشعر، دلالةً على الرحيل، ثمَّ يدعو الله أن يحفظ حبيبته، ليتحوّل بالدعاء على من كان سبباً في رحيلهم، متمنياً عليه السقوط في بئر عميق بحيث يمكث فيها ساعة من زمان لا يجدون حبلاً ولا شخصاً قادراً على إخراجه، ويسمي البئر (المشوية) التي تتميز بوعورة وضيق مكان الوقوف على فوهتها وبكثرة الصخور التي تعترض (جالها) مما يعني أنَّ الساقط فيها لا يسلم من هذه الصخور قبل أن يصل إلى القاع، فلذلك من ينزل لإخراجه سيذهل عندما يشاهد أنَّ ساق من سقط قد أصيبت بكسور متعددة من الركبة إلى القدم، وبالتالي ستمضي عليه سنة محمولاً لا يستطيع أن يجمع الأطباء عظامه لجبرها، وزيادة على ذلك فإنه يحمل على جمل أسود شديد الجفال ينفر من تحرُّك الأشجار فيجمح بمن عليه سريعاً في مؤخرة الركب، وكأنَّ الشاعر في هذه الأمنية السيئة ينتقم ممن أشار برحيل قوم حبيبته، ولا شكَّ أنَّ المعنى الآخر الذي يريد إيصاله الشاعر لنا أن معاناته من هذا الفراق هي أشد على نفسه من ذلك، ليصف حاله بحال من أضاع ركابه في صحراء قاحلة وراء جبال (النير) في نجد بينما (وهيله)، تصغير أهله، يقطنون في جبال (ركبه) جهة الطائف أي أنَّ هناك مسافة شاسعة بينه وبين أهله وإمعاناً في تصوير المعاناة يكون ذلك في شدة حرارة الصيف بعيداً عن موارد الماء التي يجهل مواقعها ويجهل كذلك المسالك التي توصله للناس. ثمَّ إنَّ الشاعر يخاطب طائراً سريع التحليق طالباً منه أن يحمل تحياته إلى حبيبته ذات العيون الجميلة، ويبيِّن أن سبب اختياره لهذا الطائر كونه أخف وأسرع من الشاعر، وإلا فإنه يتمنى أن يلحق بركب الحبيبة ولكن سبت قدميه لا يساعده على ذلك ولا يملك جناحاً يطير به، ثمَّ يصف مدى سعادته عندما يشاهد حبيبته؛ إذ يطلب منهم أن يكتبوا له حرزين حتى لا يطير من الفرح.

مخطوط قصيدة المورقي
مخطوط قصيدة المورقي

 

 

مخطوط قصيدة المورقي

النص الثالث:

يا هل العيرات باكر كان مريتوا طوارف خلي

     خبروه أني شكيت الهم والساموح عقب افراقه

ما نسيت الصاحب اللي بالموده والهوى صافٍ لي

     جا لي أصفى من غدير الوقر وأحلى من حليب الناقه

ما نسيته يوم انا انهل من كما ذوب العسل واعلي

     خابرٍ نفسي عيوف ولا تداني عقبة العشاقه

مع ثلاثٍ عارضٍ لي غب يوم العيد دق وجلي

     وصفهن ثنتين جل وثالثتهن بالوصوف ادقاقه

انهب الممشا لجلهن مير هن ما ودهن يدن لي

     كل ما قربت منهن خالفني واقطعن الساقه

يا لطيف الحال غضات الصبا هن كيف ما ياون لي

     حملني من كثيب الرمل ملحوضٍ عليه اوساقه

صابني منهن عنودٍ من ثمانه علتي ودواً لي

     ودي اصبر مير قلبي من فراقه بالهوى حراقه

صرت مثل اللي ايعبر من زمانه كل حل ابحلي

     الله أكبر كل عبدٍ مشتكى حاله على خلاقه

كن عينه عين شيهانٍ ربى بالنايف المتعلي

     أو كما عين الغزال اللي يلد ابها على دراقه

جادلٍ تل الظماير في كواليب الموده تلي

     تل ركبٍ في لهيب القيض ظميا والشراب اشفاقه

الشاعر:

هو عبد الله بن علي بن محمد بن دويرج ولد في أواخر القرن الثالث عشر الهجري ببلدة جفن بإقليم السرّ في نجد. انتقل إلى مدينة عنيزة وفيها عاش فقيراً كادحاً، وليس أدل على حالته من هذه الأبيات التي يخاطب فيها ابنه شعيل وهو صغير السن:

مضى العمر أنا والفقر يا شعيل حط وشيل

     أنا أقواه يوم وباقي الأيام يقواني

أدير الروابع لين يقبل سمار الليل

     إلى جيت لي مع درب ابا اغديه لاقاني

قلبني وله في ساقتي مثل رجد الخيل

     على وصلتي للباب وايلاه يتناني

وتنابزت أنا وياه ثمٍ نخيت شعيل

     بكى الورع ماله حيلةٍ منه ياقاني

وذي حالة الدنيا متى ما اجنفت بالميل

     لقيت الحصيني يفرس الذيب سرحاني

ولقد جاء في ديوان الشاعر المطبوع الذي جمعه بندر الدوخي أنَّ وفاته في عام 1365هـ بينما جاء في مخطوط عبد الرحمن الربيعي الذي من بلدة الشاعر عنيزة وله علاقة بالشاعر وبتحديد أكثر أنه توفي، رحمه الله، في25 ذي الحجة سنة 1354هـ.

دراسة النص:

نجد في النص الذي بين أيدينا، والذي يعدُّ من أجمل ما تغنَّى به عشّاق الشيلات، أنَّ الشاعر اعتمد فيه لكل شطر على تكرار (فاعلاتن)، وهي التفعيلة التي يقوم عليها بحر (الرَّمَل) في الفصيح، ويكثر عليها نظم الشعراء العاميين، خاصة في الشعر المروبع القائم على أربعة أشطر؛ ثلاثة متفقة القافية والرابع مختلف. والمروبع فن شعري لا يختص ببحر شعري دون آخر، ولكن يكتفى في الشعر العامي بنسبة النصوص على هذا الشكل إلى فن المروبع، ومنه المروبع الطويل والمروبع القصير الذي يعتمد شطره على تكرار التفعيلة مرتين، ولكن تكرار التفعيلة خمس أو ست مرات في الشطر الواحد للنص ثنائي الشطرين عائد لمقدرة الشاعر على البعد عن حشو الكلام وما يتمتّع به الشاعر من طول  نفس، كما في النص الذي بين أيدينا؛ فالشاعر يخاطب ركباً يمتطون (العيرات) وهي الجمال قوية البنية، ويوصيهم عندما يمر بهم الطريق بأطراف منازل حبيبته أن يخبروها بما يعانيه من الهم وتغير أحواله بعد أن ابتعد عنها، وأنه لم ينسَ ما بينه وبينها من حب ومودة صافية يُشبِّهها بصفاء ماء الغدير المتكون في تجويف حجري، وأنها ألذُّ حلاوة من طعم حليب الناقة، ثمَّ يؤكد أنَّ ذكريات وصالها لم تزل عالقة في مخيلته، وكيف أنه اختارها دون غيرها لما يعرفه فيها من الوفاء الذي يجعلها لا تختار غيره عليه؛ إذ ليست هي سلعة رخيصة يدركها كلُّ عاشق، متذكراً اللقاء الأول حين قابلها في اليوم الثاني من العيد في أحد ممرات بلدته فكانت ممشوقة القوام جميلة الملامح رقيقة التقاسيم وبرفقتها اثنتين من النساء البدينات، وقد حاول أن يسرع الخطى مقترباً منهن ولكنهن كنَّ على حذر منه فخالفن الاتجاه الذي يسير فيه مبتعداتٍ عنه.

ويستغرب الشاعر عليهن هذا النفور والقسوة بعد أن هلن عليه الرمل، ليؤكد أنه وقع في عشق تلك الفتاة التي يُشبِّهها بالغزالة التي دائماً ما تكون في مقدمة قطيع الغزلان كقائد له، كناية عن جمالها وتميزها عن الأخريات، وأنها هي الداء والدواء بالنسبة له، ويتمنى لو أنه يستطيع الصبر على هذا الحرمان والبعد، ولكنه يشعر باحتراق قلبه حسرة على فراقها؛ فحياته بدونها لا قيمة لها، شاكياً أمره إلى الله تعالى، ثمَّ يصف جمال عيونها التي يشبِّهها بعيون (الشيهانة) أنثى الصقر التي تمتاز بسواد العين واتساعها، وتتخذ من أعالي الجبال مستقراً لها، أو أنَّ عيونها تشبه عيون الغزالة الحذرة التي تتلفت إلى جهة مَنْ تشكُّ أنه صياد يختبئ ليتمكن من اصطيادها.

مخطوط قصيدة ابن دويرج

النص الرابع وهو أيضاً لابن دويرج:

ألا يا راكب اللي كنه الادمي إلى شاف القنوص وذار رعت عامين بالنوار

     خفيفه ما عليها إلا الزهاب وخرجها وشداد فولاني (3) من العيرات مقراني

تنحر ديرة العوام لا عنها يمين ولا تروح يسار وهي مسكن رفيع الكار

     إلى جيته فسلم لي عليه وقل تراني عنه مشتاني مهل يابو سليماني

وانا توي عليمي وانت رجلٍ تقتبس من رأيك الشعار من البصره الى سنجار

     جزمت انك ملكت من الحجاز إلى الكويت وسوق نجراني خفي العلم يقراني

ظما كبدي محرقها وانا دلوي يماح بجمة الابيار يصغ ما عاد لي مقدار

     اغثني كان لك رأي سديد وباللوازم تنقل العاني انا وارد وعطشاني

ابي لي قلتةٍ دونه بلشتيه فلت ومرتبٍ دندار سكارا تضرب المزمار

     سكارا بالمحاضر من عوايدها اتعش الذيب سرحاني بسلة شغل ابن باني

ولكن كان ما عندك لمثلي في طواريق الهوى مقدار افذا وقتٍ علينا بار

     تريح كان ما عندك لفرق المشتبه زودٍ ونقصاني اقول العلم فرواني

ركبت بجالبوت الغي لكن البحر غير البحر دوار توقع يوم سنه شار

     تراك بغبةٍ خضرا وحل صفقة هبوب ولطم زيراني اتخل البوم ليحاني

الى جنك شواحيفٍ عليها اللي يدلون البحر عبار ترى الاول يكون اخيار

     مع الاول ولا للغبة الخضرا تعود عقب ما كاني ولا تحتاج تبياني

الاوا قلبي اللي من عظيم الوجد يسعر به لهيب النار الى منه ذكر ما صار

     وعيني كل ما قلت ارجهنت سال منها الدمع طوفاني على مدعوج الاعياني

أنا بشكي عليك الحال ياللي بالشدايد تكرم الخطار تعرف الورد والمصدار

     تساعدني على اللي كل ما داويت جرحٍ جدد الثاني ومنه الهم يسناني

صلاة على سيد الملا طه عدد ما هلت الامطار كذلك والنسم يندار

     يعم الآل واصحابه عدد ما غرد القمري بالالحاني على مسلوب الاغصاني

جبال كشب شمال شرق الطائف
جبال كشب شمال شرق الطائف

 

 

دراسة النص:

جاء في تقديم النص «أيضاً له على البحر المعسر الطويل مسندها إلى صديق له بالزبي» ويبدو من أحد أبيات النص أنَّ الشاعر ابن دويرج قد تعمد تحدي ذلك الشاعر في مجاراته على هذا اللحن الشعري الطويل في قوله «وأنا توي عليمي وأنت رجلٍ تقتبس من رأيك الشعار من البصره إلى سنجار…» وقد نظم ابن دويرج قصيدته على بحر الهزج، أو ما يسمّى في الشعر العامي باللحن الشيباني القائم على تكرار تفعيلة (مفاعيلن).

فنجد أنَّ الشاعر إمعاناً في تعسير لحن البيت عمد إلى تقسيم كل شطر إلى قسمين:
طويل وقصير؛ ففي القسم الأول الطويل من الشطر الأول نجد تكرار (مفاعيلن) ست مرات، وكانت التفعيلة الأخيرة (مفاعيلان). وفي القسم الثاني القصير من الشطر الأول كرر (مفاعيلن) ثلاث مرات، وكانت الأخيرة (مفاعيلان)، وبالتالي يكون الشطر الواحد مكوناً من تسع تفعيلات (مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلان مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلان).

ويمكن أن نخلص في هذا الجزء الرابع والأخير مما تناولناه عن الألحان الطويلة أو «المعوسرة» أنَّ نؤكد أنها لم تخرج عن البحور الشعرية المتعارف عليها، ولكنَّ السرَّ يكمن في تكرار التفعيلة التي يقوم عليها البحر الشعري فقط، وهذا قابل للتطبيق في أغلبية البحور الشعرية كما فعل لويحان في البحر البسيط، بحيث كرَّر تفعيلة شطر مجزوء البحر البسيط في قوله من محاورة شعرية مع الملك فيصل بن عبد العزيز، رحمه الله:

لويحان:

الليله الليله الليله نبا الطاروق طرقٍ غريب

     مثل الدراهم ليا قاموا صيارفها يعدونها

والله ما أدري يطيب لسيدي والا بعد ما يطيب

     إن كان ما ناسبت لك يا سنادي جزت من دونها

الملك فيصل:

الليله الليله الليله شواريبٍ تحد الشريب

     والأجنبية الى وردت على المارد يحدونها

يا ذيب يا ذيب ياللي جر صوته فوق راس الجذيب

     ذكرت عيني وهلت واهملت من عقب مظنونها

ويخطئ
من يعتقد أنَّ حبيب العازمي مخترع هذا اللحن في قصيدته التي نالت شهرة لجمال شيلتها:

يا طير يا طير يا طير السعد ياللي ترف الجناح

     لا وا هنيك إليا ضاقت عليك الأرض خليتها

بل هو لحن قديم تناوله شعراء المحاورة. ومن ذلك أيضاً محاورة بين علي القري وعلي أبو ماجد:

القري:

الليله الملعبه تحتاج مني ومنك شرحٍ طويل

     اقضب طرفها لمن العلم ياصل بيننا منتهاه

وكذلك
نجد أنَّ تكرار تفعيلة (فاعلن) يمكن أن يشكَّل منه لحن طويل كما في قصيدة خلف العتيبي:

يا حبيبي ترى القلب بعدك سرح وانجرح جرح ما شفت مثله جريح

     المحبة تجر المواليف جر الشجر وأنت الأرواح جريتها

فنجد أنه كرَّر تفعيلة (فاعلن) ثماني مرات في الشطر الواحد. وقد اشتهر حميدان الشويعر من أهل القرن الثاني عشر الهجري بالبناء على هذا النوع من اللحن، لكنه اكتفى بأربع تفعيلات في الشطر الواحد، كما في قوله:

أيها المرتحل من بلاد الدعم

     فوق منجوبةٍ كنها الجوذره

روهجت بالعراقيب زبد الضحى

     شاف ركابها زايلٍ ذيره

حبيب العازمي
حبيب العازمي

 

 

وبالنظر إلى النص الذي بين أيدينا نجد أنَّ الشاعر ابن دويرج، رحمه الله، يصف راحلة النجاب ويشبهها بغزال الآدمي الهارب ذعراً بعد أن لمح صياداً، وأنَّ هذه الراحلة قد أكلت عشب الربيع حولين، مما يدل على تمتعها بالقوة، ورغم ذلك فليس عليها سوى عدة الراكب وأغراضه التي يضعها في الخرج و(الشداد الفولاني) الذي يجلس عليه الراكب، ويوصيه أن يقصد بلدة الزبير ليصل إلى ذلك الرجل الرفيع المنزلة ويبلِّغه السلام، ويمتدحه برجاحة العقل وصواب الرأي، ثمَّ يشتكي إليه معاناته طالباً مساعدته في حلها. وقد حملت أبيات النص رموزاً ذات دلالات معينة.

الهوامش:

1-المشوية:
بئر تقع في جبال كشب شمال شرق الطائف، وهنا يذكر أنها مورد للبراق من عتيبة.

2-ثلاب:
رمز لإخفاء اسم الحبيبة شاع استخدامه في نصوص شعراء الحجاز.

3- الشداد الفولاني: يذكر الجنيدل، رحمه الله، أن الشداد هو الرحل الذي يستعمل للركوب على الإبل، ويصنع عادة من خشب الأثل، والفولاني نوع من الأشدة يتميّز بأنه صغير الحجم لا يأتي على ظهر البعير كله.