البلاليط

block-2 مجلة مدارات ونقوش - العدد 1

 2,374 عدد المشاهدات

 

الكثير منَّا لا يعلم معنى كلمة “بلاليط“ وما هي مرجعيتها التاريخية، ما وَصَلَنَا عنها وما درج في الثقافة الشعبية، أنها طبق مُحلَّى يقدم كوجبة للإفطار عند أهل الخليج. لكن يدفعنا الفضول كثيراً لمعرفة هل هي ذات أصول عربية أم أعجمية؟ وما هي دلالاتها ومعانيها المختلفة في تراث العرب؟

البلاليط، هي مفردة عربية فصيحة وردت في المعاجم العربية القديمة وليست مفردة أعجمية، وفي المعاجم العربية تعني معنى بعيداً عن البلاليط التي يعرفها الكثير بأنها الأكلة الخليجية الشهيرة والمقصود بها أساساً الأراضي المستوية الشبيهة بالباط، والكلمة في حدِّ ذاتها ليس لها مفردة، ويوجد فقط المعنى الذي سبق ذكره أنها الأراضي المستوية.
وعند الرجوع إلى كتب الطب العربية القديمة، نجد كلمة بلاليط منتشرة بصورة كبيرة، وهي ترمز إلى أشياء مقطعة تعجن وتوضع على الجروح، وتستخدم لأمراض أخرى متنوعة، لم يصل لنا ذكرها، وبالتالي فالبلاليط معناها الدواء. ونجد ابن سينا في كتابه “القانون“؛ وهو كتاب قديم في الطب، يذكر فيه الماميثا فيقول: هي أمثال بلاليط صفر اللون إلى السواد سهلةالكسر، وأصلها حشيشة، والماميثا تشبه البلاليط الصفر اليابسة سهلة الكسر التي نقصد بها أكلتنا الشعبية المحلاة.
مفردة بلاليط وردت أيضاً بمعنى خنادق المياه والشقوق التي تتوسَّط الحقول لسقي الزرع، والتي نسميها بلهجتنا المحلية “الفلي“ أو “الفلج“ من الأفاج، وهي مشتقة من معنى الشيء المستطيل المجزَّء والمقسَّم كما تقسم الحقول والأفاج، كتلك الموجودة في سلطنة عمان ودولة الإمارات العربية المتحدة، والتي في وصفها تشبه خيوط وخطوط البلاليط.
والحديث عن أكلة البلاليط الشعبية يقودنا إلى التساؤل: متى تمَّ اكتشاف مفردة البلاليط؟ وإلى من تعود أصولها؟ وهل تمَّ تصنيعها بأشكال أخرى غير تلك التي تُعْرَف بها؟ وهل لها مسمَّيات أخرى في اللغة العربية وفي غيرها من اللغات؟
وللإجابة عن بعض هذه التساؤلات نشير إلى أنه توجد أنواع أخرى من المعكرونة التي تُعْرَفُ ب «الباستا » و «النودلز »، والتي تنتمي إلى الفصيلة ذاتها، وهي «المعجنات ،» وتتكون من ذات المكونات، التي هي الماء والطحين والملح، جلبها العرب إلى إيطاليا، فاستفادوا منها في صنع أكلات شهية وصلت إلى العالمية، وأصبحت من أشهر الأكلات في المجتمعات العربية والغربية.
وأكلة البلاليط المُحَّاة التي تُصْنَعُ من معجنات “الشعرية “كانت عند العرب تُلَفُّ وتُحْمَلُ في الأسفار، وفي دول الخليج العربي تُحَضَّر كوجبة فطور صباحية وفي المناسبات والأعياد، وكوجبة سحور في شهر رمضان؛ يقوم الطاهي بغليها في الماء المضاف إليه قليل من الملح والزيت، ثم تُصَفَّى من الماء بعد نضجها، وتوضع في القدر مرة ثانية، مع إضافة السكر والزعفران والهيل والقرفة والزبدة أو السمن، وتُقَلَّبُ في النار حتى يَحْمَرَّ لوُنها، ثمَّ توضع فوقها عجة البيض، وتقدم في أطباق بلونها الذهبي الذي يشعُّ كما تشعُّ الشمس في إشراقتها.