التفكير بلغة والكتابة بلغة أخرى

block-2 مجلة مدارات ونقوش – العدد 2

 151 عدد المشاهدات

 

بقلم: د. شهاب غانم

 
 

الببغاء تستطيع نطق كلمات وجمل من دون فهم ما تقول، فهي لا تستطيع أن تكوِّنَ كلماتٍ وجملاً من تلقاء نفسها لتعبِّر عن شيء. فاللغة تجريد لغوي للأشياء ولكلِّ قومٍ لغةٌ يعبِّرون بها عن حاجاتهم وأغراضهم.

 

ويكاد لا يوجد فكرٌ خارج اللغة، اللهمَّ إلا وسائل مثل التعبير بالإشارات والصور والرموز الرياضية والموسيقا. والتفكير يسبق اللغة والتعبير، وقد تنبثق الفكرة في ذهن الإنسان فيبحث عن الكلمات والجمل للتعبير عنها، وقد يخونه التعبير. والأديب والشاعر المتميز يستطيع التعبير عن الأفكار، وأيضاً المشاعر بصورة بارعة. ولكن اللغة ليست الوسيلة الوحيدة لنقل الأفكار والمشاعر، فهناك لغة الجسد وحركة العين ونبرة الصوت، وهي وسائل مهمة جدًّا خصوصاً في نقل الرسائل العاطفية. وتبقى اللغة كأهم أدوات التفكير.

 

وتنمية الثروة اللغوية تسهم أكبر إسهام في تطوير البناء المعرفي. والطفل يتعلَّم اللغة والفكر في آنٍ واحدٍ.

 

الطفل العربي الذي يحفظ القرآن مع فهمٍ أوَّليٍّ لما يتلو في طفولته يُكَوِّنُ حصيلة لغوية ضخمة تتكوَّن من عشرات الآلاف من الكلمات، وتشكِّل له قاعدة قويَّة للتفكير في مستقبل حياته. وبرامج تحفيظ القرآن والمسابقات العديدة في حفظ القرآن التي نراها في بلادنا خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، خاصة بعد أن اختفت أو قلَّت كتاتيبنا بعد انتشار التعليم الحديث.

 

والقرآن الكريم الذي لا تنقضي عجائبه قد نجد من يحفظه كاملاً من الأطفال من غير العرب، مع التجويد وجمال الصوت من دون فهم من خلال التلقين والتكرار والقرآن الكريم نفسه يقول: 
(وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) [القمر:17]

 

ولكن ينبغي الاهتمام بالفهم وتعلم اللغة ومعانيها، وربما على المسابقات المختلفة أن تولي المعنى أهمية في المستقبل؛ فتقوم بذلك نهضة لغوية وتنتشر اللغة العربية كما نرى انتشار الإنجليزية- في زمننا- في بلداننا.

 

فربما لا يكفي أن يصبح المرء بارعاً في التكرار كالببغاء من دون فهم. ولكن هذا لا يقلِّل من قيمة إنجاز هؤلاء الأطفال وما في هذا الحفظ في حدِّ ذاته من بركة، وما فيه من تأثير إيجابي في هؤلاء الأطفال والمستمعين.

 

هناك، خصوصاً في زمننا وفي أوطاننا العربية، كثير من الأشخاص ثنائي اللغة  bilingual  ممَّن يعرفون لغة أجنبية كالإنجليزية أو الفرنسية بجانب العربية. والحقيقة هي أنك إذا كنت تعرف لغة، ولكن من دون طلاقة، فأنت عموماً لا تفكِّر فيها وربما عندما تتحدَّث فيها تقوم بترجمة داخلية في رأسك أثناء الحديث أو أثناء الكتابة بها. الشاعرة الهندية المشهورة الراحلة “كمالا ثريا” التي اعتنقت الإسلام عام 1999 وكانت مرشحة لجائزة نوبل (وكان من حسن حظِّي أن كُرِّمْتُ معها في أحد التكريمات عام 1996 وترجمت ديوانها “رنين الثريا” الذي نشره مشروع كلمة عام 2011، ونال جائزة العويس للإبداع في مجال الترجمة) كَتَبَت قصيدةً مشهورة بعنوان (تقديم) تقول في مطلعها:

“إنني هندية شديدة السمرة مولودة في ملبار
أتحدث ثلاث لغات
وأكتب باثنتين
وأحلم بثالثة

 

قالوا لي: لا تكتبي بالإنجليزية

فالإنجليزية ليست لغة الأم.

 

لماذا لا تتركوني وشأني أيها النقاد والأصدقاء والزوَّار والأقارب

كلكم جميعاً؟
لماذا لا تدعوني أتكلَّم بأيِّ لغة أريد؟
اللغة التي أستخدمها تصبح لغتي
بكل تشوهاتها وغراباتها
كلها ملكي وحدي”

 

الملاحظ أنَّ “كمالا ثريا” كانت تكتب قصائدها بالإنجليزية ما عدا ديوانها الأخير “يا الله” الذي كتبته بلغة الماليالم. وثريا كاتبة مشهورة أيضاً للقصة القصيرة، وتكتب قصصها بلغة الأم المالايالم. وهي مفارقة في نظري؛ فأنا أكتب الشعر بلغة الأم.. العربية؛ فالشعر قريب إلى الوجدان، وبالتالي أقرب إلى لغة الأم. وأمَّا الكتب العلمية فبعضها كتبته بالإنجليزية.

 

أنا شخصيًّا تعلَّمت الإنجليزية منذ نهاية المرحلة الابتدائية، ودرست مرحلة الثانوية وكل مراحل الدراسات العليا حتى نهاية الدكتوراه بالإنجليزية، وأجد الحديث عن مواد الهندسة والاقتصاد أسهل بالنسبة إليَّ بالإنجليزية، خصوصاً بسبب المصطلحات العلمية. أمَّا الحديث عن المواد الأدبية والدينية فأجدها أسهل بالعربية. ولكن عندما كتبت بالاشتراك مع ابني الدكتور وضاح كتابنا الأخير عن سورة الفاتحة في 150 صفحة ونشرته باتردج (أحد فروع بنجوين) منذ نحو عامين كتبناه مباشرة بالإنجليزية. وقد ترجم بعد ذلك إلى الإيطالية ولغات أخرى. وقد لا حظت أن شقيقي الأكبر البروفيسور د. قيس غانم الذي هاجر منذ نصف قرن إلى كندا كتب رواياته الثلاث بالإنجليزية، أمَّا شعره فنصفه كتبه بالعربية ونصفه بالإنجليزية.

 

ونحن حين نلاحظ مجموعة من المثقفين العرب في زمننا هذا يتحاورون بالعربية في ندوة أو على التلفزيون نرى كلمات أو عبارات أجنبية تتسرَّب إلى حوارهم، ربما ليس على سبيل الاستعراض، ولكن لأنها تأتي على ألسنتهم أسرع من المقابل باللغة العربية. وأنا أدعوكم لتلاحظوا مثلاً كم مرة يستخدم المثقفون العرب المعاصرون كلمة already” ” في نقاشاتهم بدلاً من كلمة “قد”!