الشعر شاهد على تدمير العثمانيين للدرعية

الخليج العربي مجلة مدارات ونقوش – العدد 6

 669 عدد المشاهدات

الكاتب: سعد الحافي – رئيس تحرير مجلة الحرس الوطني السعودية

 

لقد عانى الوطن العربي ولمدة أربعة قرون من الاحتلال العثماني الذي استلب من العرب خلافة المسلمين ونهب خيرات البلاد واستبد تعذيباً وتقتيلاً في العباد، وقد وثقت كتب التاريخ الكثير من الجرائم التي ارتكبها الجيش العثماني ومرتزقته الذين جندهم من شذاذ الآفاق الذين ملئت قلوبهم غلاً وكراهية للعرب، وكان الشعر شاهداً على هذه الجرائم.

 

الحملة العثمانية عاثت فساداً في الدرعية
الحملة العثمانية عاثت فساداً في الدرعية
 
 
 

 
النص


اسهرت وكل العالمين هجيع

  تغريد ورق ٍ بالغصون سجيع

ينوح الى طال الغناء هز راسه
  من الشوق يطرب كل قلب وليع(1)

حرمني لذيذ النوم تغريد صوته
  أجبته بدمع ٍبالخد بديع(2)

سايلتها يالورق بسك من الغناء
  عساك تلعي ياحمام فجيع(3)

تبكي على ولف ٍ وتلقى سواته
  ما انته بسواتي يا حمام وجيع(4)

تبعد عن الاوطان في دار غربه
  امسي واصبح ما أشوف ربيع

تفكرت ما صاب ربعي وديرتي
  ولانيب بصرف  النيا بجزيع

فلا ادري ابكي هم نفسي وما جرى
  وابكي على وقت ٍلدي خديع

وابكي معازيب ٍ بمصر تشتتوا
  فهد وسعد والعيال جميع

وسعد بن عبدالله وحسن وخالد
  وباقي المقرن لو يكون رضيع

يا عين ابا ابكيهم ولو كان سيبو
  على شيوخ ٍ للضيوف ربيع

وابكي على العوجا ربينا بربعها
  صغار ٍ كبارٍ نشتري ونبيع

دار ٍ الى جاها الغريب يوالف
  وجنابها للممحلين ربيع

خلت ما سوا جن تطارد بسوقها
  وخراب جدران ٍ كذا ومضيع(5)

غدت عقب هاك الدل والطر والبنا
  غدت نجادي خاربات سفيع

تطب بها من  كل غوغة قبيله
  وتشيل من بيبانها وتبيع

ماكنها للحكم في يوم منصب
  ولا رز فيها للغنات وضيع

ولا سوقت باسواقها خرد المها
  ولا كل عذراً كالغزال تليع

ولا سامرت فيها قروم ٍ ضياغم
  ولا حاسبت فيها التجار بضيع

ولا حط فيها قبل ذا قيصرية
  ولا موسم ٍ فيه العقول تضيع

ولا سوسة للعلم فيها مدارس
  ولا مسجد ٍ لم الطريف رفيع

ولا مدت الركبان فيها لغيرها
  ولا ورد فيها الطروش قطيع

قعدت اساليها ودمعي ودمعها
  على الخد يجري والقلوب تميع

يا دارنا لو الجفا منك مره

  صبرنا لكن الشق فيك وسيع

وخوف ٍ على العيلان والمال والدما
  ومحرم ٍ عقب الدلال تضيع

فان طالت الساعات والوقت ساعف
  فصيور ما نلفي عليك رجيع

فما دام تركي ينقل السيف سالم
  فلابد ما نرجع اليك سريع

كم انجلا عن روسنا فيك غبره
لكن بها غيم السحاب يميع


اسم الشاعر وعصره


عرف عند الجماع والرواة بأبو نهيه، وجاء عند منديل الفهيد «قال الوزير ابو نهية» والشاعر من أهل القرن الثالث عشر الهجري لارتباط قصيدته بحدث الغزو العثماني الغاشم للدولة السعودية الأولى وهدم الدرعية على يد إبراهيم باشا في عام 1233هـ. وفي مخطوط لباب الأفكار في غرائب الأشعار لابن يحيى  ينسب للشاعر قصيدة أخرى وهي من الشعر الركيك المختل، ومن خلال ربط دلالة النص والإشارة إلى الأمام تركي بن عبد الله وان الشاعر يعلق عليه الآمال في استعادة الحكم وطرد الغزاة وما جاء عند ابن بشر في تاريخ نجد من سيطرة الإمام تركي على الدرعية في ربيع الاول عام 1235هـ، وجعل الرياض عاصمة ملكه ثم وصول قوات حسين بيك ومعه عساكر الترك في عام 1236هـ ومحاصرة الرياض وخروج الإمام تركي لوحده الى جنوب الرياض بعد أن تخلوا عنه أهل البلد ثم نجد أن محمد بن عبدالعزيز أبو نهيه ضمن أهل الدرعية الذين عادوا لها وساقهم حسين بيك الى ثرمدا بنسائهم وذراريهم في جمادى الأولى سنة 1236هـ وأمر بقتلهم جميعاً، وعند الجمع بين هذه الدلائل ودلائل النص التي تتضمن عودة الشاعر الى الدرعية ومشاهدة الخراب الذي حل بها وتمنياته للإمام تركي بالنصر يرجح لدي  أن الشاعر هو محمد بن عبد العزيز أبو نهية وأن النص قيل بين عام 1235-1236هـ.

 
هدم الدرعية تم على يد إبراهيم باشا في عام 1233هـ
هدم الدرعية تم على يد إبراهيم باشا في عام 1233هـ

 

مناسبة القصيدة


جاء في مخطوط  سوسين، «مما قال ابو انهيه في دقة الدرعية» وجاء عند منديل الفهيد «قال الوزير ابو نهية من أهل الدرعية يرثي بلدته لما استباحها الأتراك عام 1233هـ ويذكر معازيبه آل سعود وهو في البصرة نازح بعد الحرب» واقول إن دلالة النص تشير الى  انتفاضة الإمام تركي بن عبد الله الأولى عام 1235هـ قبل أن يستعيد الحكم في عام 1238هـ. كما تثبت أن الشاعر عاد للدرعية وشاهد بعينه الدمار الذي الحقه الجيش التركي بالدرعية وكيف أحالوها الى خرائب موحشة بعد أن نهبوها وشردوا أهلها، وبالتالي يعتبر النص شاهداً على جرائم الجيش التركي التي ارتكبها في حق الدولة السعودية الأولى ومواطنيها، وقد ذكر الكابتن جورج سادليير الذي زار الدرعية لتهنئة إبراهيم باشا بانتصاره ويذكر كيف دمرت القلاع والجدران بواسطة جيوش الباشا وخربت المزارع كلها ولم يجد إنسانا واحداً يقيم فيها بعد ان كانت مزارع الدرعية غنية بإنتاج التمور والتين والمشمش والعنب والحمضيات..لقد أصبح شعار الباشا سلب الأهالي وجمع الأموال وترك الدمار الشامل بصورة لا يوجد لها مثيل في تاريخ الجزيرة العربية، وقد أكد له إبراهيم باشا أن أوامر الباب العالي تلزمه بتدمير الدرعية، ومن الفظائع التي ارتكبتها القوات العثمانية بقيادة حسين بيك في سنة 1236هـ، ما ذكره ابن بشر حيث أمر حسين بيك على أهل الدرعية أن يرحلوا عنها وساقهم إلى بلد ثرمدا بنسائهم وذراريهم، وفي ثرمدا يومئذ خليل آغا ومعه عسكر من الترك، فأنزلهم في موضع جميعاً بأموالهم وذراريهم وبنى عليهم بنياناً وجعل لهم باباً لا يدخلوا ولا يخرجون إلا منه. ووعد أن ينزلهم في أي موضع شاؤوا من النواحي وأظهر لهم الحشمة والوقار وهو بخلافه، ثم بعد فترة أمر المنادي ينادي لأهل الدرعية من أراد بلداً ينزلها فليأتنا نكتب له كتاباً يرحل إليها، ثم قال لهم: اجتمعوا حتى نكتب لكم كتبكم، فحضر من كان منهم غائباً أو مختفياً أو محترفاً، فلما اجتمعوا عنده أمر الترك أن يقتلوهم أجمعين، فجالت عليهم خيول الروم  ورجالها وأشعلوا فيهم النار بالبنادق و«الطبنجات» والسيوف حتى قتلوهم عن آخرهم، وهم مائتين وثلاثين رجلاً، وأخذ الترك أموالهم وشيئاً من أطفالهم ومن مشاهير القتلى صالح بن إبراهيم بن دغيثر، وعلي بن محمد بن قضيب وأولاء موسى بن سليم محمد وابنه تمام تسعة من آل سليم، ومحمد بن عبدالعزيز أبو نهيه. وإمام مسجد حوطة الدرعية عبدالعزيز بن محمد بن عيسى وغيرهم، ثم إن حسيناً فرق العساكر في النواحي والبلدان، فجعل في القصيم عسكراً وفي بلدان الوشم عساكر، وفي بلدان سدير، وفي بلدان المحمل، فنزلت العساكر البلدان واستقروا في قصورها وثغورها وضربوا على أهلها ألوفاً من الريالات، كل بلد أربعة آلاف وعشرة آلاف وعشرين ألف ريال. فأخذوا أولاً من الناس ما عندهم من الدراهم، ثم أخذوا ما عندهم من الذهب والفضة، وما فوق النساء من الحلي، ثم أخذوا الطعام والسلاح والمواشي  والأواني، وحبسوا النساء والأطفال، وعذبوهم بألوان العذاب، وأخذوا على جميع ما بأيديهم. فمنهم من مات بالضرب، ومنهم من صار منهم عائباً فلما رأى الناس أنهم لا يغني عنهم ما أخذوه، هرب أكثرهم في البراري والجبال والقفار. ونهبت دورهم وقطعت أكثر نخيلهم.

 


دراسة النص


اعتمدت هنا على ما جاء عند سوسين ومقارنته مع ما جاء عند منديل الفهيد وتبلغ أبيات القصيدة لديهما ثمان وثلاثين بيتاً، ولكنها تختلف في الترتيب وكذلك في تركيب بعض الجمل وهناك أبيات توجد عند أحدهما ولا توجد عند الآخر وان كان النص عند سوسين يعتريه في بعض الأبيات خلل في الوزن أو فقد بعض الكلمات، ويحمل هذا النص قيمة تاريخية حيث يصف مدى الدمار الذي لحق بالدرعية على أيدي الغزاة ويعدد أسماء أفراد الأسرة السعودية الحاكمة الذين نقلوا الى مصر وكيف أن الدرعية أصبحت خراباً تسكنه الجن  وتنهبها الغوغاء، بعد ان كانت تمثل مركزا حضاريا تتكاثر فيه الأسواق والمدارس والمساجد ويقصدها التجار بالبضائع، ثم يخاطب الدار مبرراً تركه لها بسبب خوفه على عرضه وماله ونفسه، مؤكداً عودته في قابل الأيام طالما تركي بن عبد الله يحمل سيف الجهاد ضد الغزاة وبهذا البيت ينفرد المخطوط:
 فما دام تركي ينقل السيف سالم
  فلابد ما نرجع اليك سريع


وقد صدق حدس الشاعر في الأمام تركي بن عبد الله، رحمه الله، حيث تمكن من طرد الغزاة وتأسيس الدولة السعودية الثانية.

 


………………………………………………………………………………..
الهوامش:
1- عند الفهيد:
من الشوق الى قد الغنا هز راسه
  من الولع يطرب قلب كل وليع

2-عند الفهيد: «واجبته بدمع بالعيون هميع»
3-عند الفهيد:
ناديتهن يا الورق بالك من الغنا
  لعلك تبكي يا حمام وجيع

4-عند الفهيد:
تبكي وليف ٍ لك وتلقى سواته
  ما انت بسواتي يا حمام فجيع

5-عند الفهيد:
غدت مستوى جن تطارد بسوقها
  ما غير جدران كذا وسفيع