الشندغة..تاريخنا الحي

الإمارات المستجدات ١ مجلة مدارات ونقوش – العدد 8 هالات

 154 عدد المشاهدات

 الكاتب: جمال بن حويرب

عندما يزيد عدد السكان في مكان ما لكثرة الهجرات المتتابعة، كالتي شهدتها إمارة دبي عبر السنوات منذ عام 1833م، وتكوَّنت بسببها أسواقٌ تعجُّ بالحوانيت والباعة المتجولين، تلبيةً لحاجات الناس من كلِّ فئات المجتمع، عندها كان طبيعياً أن تقلَّ نسبة الأمن في هذه المناطق، وتزدحم وتضيق على الساكنين، خاصة في زمن لم يكن فيه البعد عن مركز المدينة من الأفكار الجيدة، بسبب انعدام الأمن في الصحراء، إلا إذا كنت تعيش بين قبيلة ذات شوكة ومنعة، ومهابة الجانب من أعدائها، ومع ذلك قد لا تسلم من هجمات القبائل الأخرى، كما هو معروف في تاريخ الخليج العربي القديم.

ارتسامات لبراجيل ومراكب الخور في لوحة بريشة معروف كيه كي

لهذه الأسباب وغيرها، بدأ الشيوخ وكبار قبيلة بني ياس في سنة 1860م تقريباً بالانتقال إلى شبه جزيرة قريبة من مركز المدينة، وفي نفس الوقت تحيط بها مياه البحر من ثلاث جهات، مشكّلةً مكاناً مناسباً وآمناً للسكن، وسمِّيت هذه المنطقة “الشندغة”، وكان ذلك في حكم الشيخ حشر بن مكتوم الذي حكم ما بين سنة 1859 و 1886م.

بدأ شكل منطقة الشندغة بالظهور تدريجياً، وأصبحت أعداد السكان تزداد ولكن أقل بكثير من الزيادة في ديرة وبر دبي؛ بسبب عدم وجود الماء فيها إلا ما يجلبه السقاؤون الذين نسميهم بلهجتنا «المزازير»، وكذلك لم يكن يسمح بفتح حوانيت تجارية فيها، لكي لا تتكرّر المشكلة القائمة في المناطق القديمة.
والمتتبّع لأسماء الأسر التي قطنت الشندغة، سيجد أنَّ معظمهم أقارب وأرحام؛ سواء من جهة العمومة أو الخؤولة من قريب أو بعيد، وبهذا استطاع الحاكم أن يحيط بيته بجدار أمني لم يكن مبنياً من الأحجار والطين، ولكن بني على رابطة النسب.
وليس لدينا معلومات كافية عن أعداد السكان، ولكن لو رجعنا إلى مائة سنة وقرأنا تقرير لوريمر الذي أعدّه للحكومة البريطانية بأمر من اللورد كيرزون، لوجدنا فيه هذه المعلومات:
«تتألف دبي من ثلاثة أحياء أهمُّها ديرة التي تقع على لسان أرضي ارتفاعه 20 قدماً على الطرف الشرقي للخور بينه وبين البحر، وفي ديرة 1600 منزل يقيم فيها العرب والإيرانيون وآخرون، ويضمُّ السوق 350 حانوتاً. وهنالك حي الشندغة وحي دبي الرئيس ويقعان على الجهة الجنوبية الغربية من الخور، ولكن الشندغة أقرب إلى البحر وبها مقر إقامة شيخ إمارة دبي، وفيها 250 منزلاً جميع قاطنيها من العرب ولا يسمح للهنود بالإقامة فيها»، وهذه السياسة التي استخدمها حكّام دبي الأوائل كانت كفيلة بزيادة نسبة الأمن وترتيب المدينة وتقسيمها إلى مناطق سكنية ومناطق للأعمال والتجارة؛ فلم يكن يُسْمَحُ بفتح حوانيت في هذه المنطقة ما عدا عدداً قليلاً لبيع المواد الأساسية لصيانة السفن والبيوت.

ومنطقة الشندغة اكتسبت سمعة كبيرة في المنطقة، لكونها مكان سكن الحاكم، وكان الناس يقصدونها من كلِّ مكان لمقابلته، ولكن لم يكن يستقر فيها إلا الذي يُسْمَحُ له. وبيت الشيخ سعيد هو أكبر بيت في المنطقة كلها؛ فمعظم البيوت المبنية فيها تتكوّن من طابق واحد، ويعود ذلك إلى القدرة المادية لباني البيت، وتنتشر فيها البيوت المبنية من أجزاء النخل التي تسمّى الواحدة منها «عريش» وتجمع على عرش في كلِّ مناطق دبي، ويجدر بنا ونحن نتكلم عن البيوت القديمة أن نتكلّم عن أنواعها.

مجتمع الشندغة
يعدُّ مجتمع الشندغة نسيجاً واحداً كما ذكرت، فهم أقارب وعاشوا عقوداً طويلة متجاورين وحياتهم سهلة توصف باللطافة والرفق، وكانت الزيارات لا تنقطع فيما بينهم من الصباح إلى المساء، وتجدهم متعاونين على هموم الحياة، وليس بينهم الفروق التي قد تحدثها المجتمعات المتحضرة، فهناك من يعيش في البيوت الحجرية، وهناك من يعيش في العريش أو الخيم، ولكنهم يبقون أسرة واحدة متضامنة. وهذا ما سجّله الرحالة رونالد كودري الذي عاش فترة في منطقة الشندغة منذ عام 1948م، وقام بتصوير كلّ فعاليات المنطقة يقول:
«.. كانت الشندغة هي أصغر قطاع في المدينة، وهي عنقٌ بريٌّ ضيق يحدّه البحر من جانب والخور من جانب آخر، ويفصلها عن بر دبي مسافة عريضة من الرمال المسطحة تسمّى “الغبيبة”، وكانت مياه الخور تغمرها مع ارتفاع المد العالي. ولما لم يكن للشندغة سوقها الخاص بها، فقد كانت الجزء الأكثر هدوءاً، تتسم بالطابع السكني أساساً، وخلال النهار كان دفق لا ينقطع من الناس الذاهبين إلى السوق في بر دبي والعائدين منه، وخلال المد العالي كانوا يحملون نعالهم ويرفعون أطراف ثيابهم. لقد كانت الشندغة المقرَّ الرئيس والتقليدي للشيوخ الذين حكموا دبي، كما كانت مقرَّ المجلس الشتوي للحاكم، الأمر الذي يعني تردُّد الزوَّار بصورة لا تنقطع.
وكان التجار يصلون سيراً على الأقدام من بر دبي أو بالعبرة من ديرة، بينما يأتي البدو على رواحلهم التي كانوا يعقلونها حيثما توافر مكان لذلك.
في 10 مايو عام 1951م غمرت الغبيبة مياه المد، وحفل امتداد الماء الضحل بأناس ذاهبين للتسوّق وكان عدد من صبية الشندغة يلهون في الماء وطلبوا مني بعض أوعية الصفيح الفارغة، ليصنعوا منها قوارب لهم، ثمَّ بتوجيهات من الفتية حوّل الحداد الصفائح إلى هياكل سفن مشكلة بصورة خشنة للغاية، وثبّتوا بها أشرعة مثلثة الشكل مصنوعة من قطع قماش قديم. إنَّ المهارة التي صنعوا بها قواربهم وجعلوها تبحر في الماء، توحي بأنهم قد ورثوا ملكة ركوب البحر.. إنهم حقاً أحفاد السندباد..».

هكذا قصَّ لنا كودري بعضاً من جوانب الأيام التي عاشها في الشندغة، وهناك الكثير من الذكريات، عند كلِّ من عاش فيها أو قدم إليها، لا تزال محفورة في الذاكرة أردت أن أقدّم بعضها لكم وللأجيال القادمة.

افتتاحية العدد 8 من مجلة مدارات ونقوش