«الشندغة»..سرُّ الاسم الغامض

الكتاب مجلة مدارات ونقوش – العدد 8

 1,554 عدد المشاهدات

الكاتب: جمال بن حويرب

الشندغة مفردة لم ترد في المعاجم العربية بهذا اللفظ، مما يدلُّ على أنّ المفردة حُرّفت أو أُبدلت حروفها، وكذلك لم تُذكر في المعاجم الجغرافية، مما يجعلها مفردةً وحيدةً ليس لها شبيه في أسماء المواضع، ولهذا يحثنا العلم على البحث عن المفردة ومحاولة الوصول إلى معناها واشتقاقها عن طريق الأخبار أو اللغة أو ما يناسب الاشتقاق.

 

وأسماء المواضع في البلدان العربية من المعضلات التي يواجهها الجغرافيون العرب في الحاضر والماضي، ومن تتبع أقوال الأوائل فيها وجدها عجيبة، فمنها ما عُرف معناه وأصل اشتقاقه وسبب تسميته، ومنها ما تم تفسيره حسب المعاني التي تخطر على ذهن الشارح الجغرافي، ومنها ما تعذّر عليهم فسكتوا عنه، وقد تجد بعض هذه الاشتقاقات غريبة كما قال علامة الجزيرة حمد الجاسر، رحمه الله (1910-2000م)، في إحدى مقالاته في مجلته «العرب» في معرض كلامه عن معجم البلدان لياقوت الحموي:
«حتى انتهتْ بي سياحتي إلى قناعةٍ بأنّ هذا الجانب من جوانب الدراسات الجغرافية المتعلق بتعليل أسماء المواضع القديمة لا يصحُّ الوقوف فيه عند ما خلفه لنا سلفنا الصالح من متقدمي العلماء، بل لا يزال في حاجة إلى دراساتٍ أكثر عمقاً، وأوسع أفقاً، فمجالات المعرفة قد اتسعت، وآفاق العلوم أصبحت غير محدودة بزمان أو مكان، فهي تزداد وتتجدد في كل لحظة».

قلتُ: إذا كان حمد الجاسر يعترف بأنّ علم اشتقاق أسماء المواضع القديمة يحتاج إلى إعادة نظر وإلى دراسات حديثة تبيّن لنا وجه الحقيقة الغائب عنا، وهو من هو علماً ودرايةً في هذا العلم النادر الذي لم يسبر أغواره إلا القليل من العلماء على مر التاريخ، فماذا نقول في المواضع التي لم تذكر في مرجع قديم ولا لهج بأسمائها علماء اللغة الأولون مثل اسم منطقة الشندغة التي نحن بصدد الحديث عنها اليوم.

الشندغة مفردة لم ترد في المعاجم العربية بهذا اللفظ
الشندغة مفردة لم ترد في المعاجم العربية بهذا اللفظ

فالشندغة مفردة لم ترد في المعاجم العربية بهذا اللفظ، ولهذا يحثنا العلم على البحث عن المفردة ومحاولة الوصول إلى معناها واشتقاقها عن طريق الأخبار أو اللغة أو ما يناسب الاشتقاق من شكلٍ أو نبات أو حيوان أو غير ذلك مما جعل الناس يطلقون هذا الاسم عليها، ومن باب الطرائف أني كنت يوماً في منطقةٍ في لشبونة فقلت لمضيّفي ما اسم هذا المنطقة فقال: «كشكاش»، وقال لي إنه اسم عربي، فأثار هذا الاسم رغبتي لمعرفة أصله فوجدت بعد دراسةٍ أنّ هذه المنطقة سُمّيت على حيّةٍ تكثر فيها يسميها العرب الخشخاش، وقد استفدت فائدتين من هذه المعلومة وهي: أني عرفت شكل الخشخاش وعلمت سبب تسمية هذا الموضع.
ومن بحثي منذ سنوات طويلة في اشتقاق الأسماء وجدت هذه النتائج حول الشندغة، ولا أقول إنها صحيحة صحة يقين، ولكنها الأقرب إلى التعليل الصحيح فأقول:
أولاً: الشندغة أصلها بالقاف وليس بالغين، لأنه لا يوجد في العربية شدغ أبداً، وعلى هذا يكون النطق القديم لهذه المفردة شندقة، وقد تم إبدال القاف غيناً كما هي عادة أهالي هذه البلاد.
ثانياً: الشندغة تقع في إمارة دبي وهذه المنطقة عربية الأصل بلا شك، فلا يصح أن تكون المسميات فيها إلا عربية، ولا يعقل أن يسمي العرب مواضعهم بأسماء أعجمية، إلا إذا كانت المنطقة تقع في بلاد الأعاجم، فهذا لا غرابة فيه كما هو معروف وقد قام العرب الفاتحون بتعريب كثير من هذه الأسماء الأعجمية، وأطلقوا كذلك أسماء عربية على بعض المواضع الحديثة التي تجدون أمثلة عليها في معاجم البلدان ولا يسعنا ذكرها هنا.
و«الشندغة» هي المنطقة المشهورة في دبي، وقد كان فيها مسكن حكام دبي الأوائل وكذلك الأسر العربية العريقة، وذكرت أيضاً أنّ الاسم عربيٌّ وقد أبدلت القاف فيه غيناً، كما يفعل أهالي هذه المنطقة وفي مناطق أخرى من الخليج، إذ ليس في العربية مادة «شدغ»، وقد يسأل سائل إذا كانت الشندقة عربيةً، فما معناها والجواب: نحتاج إلى المتابعة والبحث في المعاجم وأسماء القرى العربية وأسماء الأعلام ودراسة عميقة في اللهجات العربية القديمة لكي نصل إلى أقرب هذه الاشتقاقات صحةً وقبولاً لأهل المعرفة، فأقول:
التعليل الأول: جاء في معجم لسان العرب: «الشِّدْقُ: جانب الفم، وشدقا الوادي: ناحيتاه».
قلتُ: إذا نظرت إلى صورةٍ علويةٍ للشندغة فسوف تجد شكلها مثل شدق الإنسان، وإذا أردت أيضاً تحديد مكانها فسوف تجدها على ناحية من المدينة، ما يجعل هذا التعليل والاشتقاق قريباً إلى التصديق.
وقد يعترض معترضٌ، فيقول كيف أضيفت النون بين الشين والدال فيها؟ والجواب: بتتبع أساليب العربية القديمة، نجد أنّ العرب يضيفون النون في بعض المفردات كأنها غنة وبكثرة استعمالها تصبح كالحرف الأصيل في الكلمة، قال ابن منظور في لسانه:
«ومن العرب من يقول: حَنْظٌ وليس ذلك بمقصود إِنما هو غُنَّة تلحقهم في المشدَّد، بدليل أَن هؤلاء إِذا جمعوا قالوا حظوظ. قال الأزهري: وناس من أَهل حِمْص يقولون حَنظ، فإِذا جمعوا رجعوا إِلى الحُظوظ، وتلك النون عندهم غُنَّة ولكنهم يجعلونها أَصلية، وإِنما يجري هذا اللفظ على أَلسنتهم في المشدَّد نحو الرُّزّ يقولون رُنز، ونحو أُتْرُجَّة يقولون أُتْرُنجة».
قلتُ: إذا كان فصحاء العرب وقع في كلامهم زيادة النون، فأحرى أن يزيدها من جاء من بعدهم من أهل اللهجات العامية كمثل عاميتنا هذه.
التعليل الثاني:
وهو أضعف لدي من الأول، ولكن كما ذكرت، إنما هي محاولة للوصول إلى الاشتقاق الأقرب للمعقول، وعلى هذا فلنفرض أنّ النون أصلية أو أنها أضيفت فأصبحت كالأصلية في «شندق»، وبتتبع هذه المفردة في اللهجات العربية وما توافر لدينا من مصادر سوف نجد أنّ:
هناك أسماء أسر عربية كثيرة باسم شندق.
وهناك محلة تتبع محافظة تعز اليمنية تحمل اسم «شندق».

وجاء في شعر سيدي عبدالقادر بوخريص يصف حجّة الأمير المغربي إبراهيم بن سلطان عام 1226هـ فقال:

وَالْفَرْسَانْ امْحَرّْبِينْ وُمِيرْ الْحَجّْ الْغَازَرْ
يَتْقَدَّمْ يَا صَاحْ اللَّكْحَارْ مَا هَزُّ كُدَّارْ
وَشْنَادَقْ فَاْلحَرْبْ رَبْيَة فَكْتَافُو تَتْسَاخَـرْ

وقد فسر الأستاذ محمد الفاسي في كتابه «معجم الملحون» كلمة شنادق في هذا البيت بقوله: «شندق: هو الصقر، ومعناه هنا الفارس المتمرس».

وجاء في لسان العرب: «الشندق اسم أعجمي معرّب».
ومن هذا كله نصل إلى أنّ شندق مفردة عربية منتشرة بين العرب في شرق البلاد العربية وغربها، وقد قام الفاسي بتقريب معناها وإن لم نجد لها أصلاً في كتب اللغة القديمة، فقول أصحاب المعاجم إنها معربة وقد عُلم أنّ المعرّب يأخذ حكم العربي في لغتنا الحبيبة.
وقد ذكر لي أحد أبناء العمومة، أمس، أن الشندغة قد تكون تحريفاً للشفدغة، وهي الضفدع في لهجتنا وفي الفصحى أيضاً، فقلبت الفاء نوناً وسميت بذلك فقلت: قد يكون ذلك ولكنه بعيد.
أما من تكلّف وقال إنّ الشندغة مفردة أعجمية مركبة، فإنه قد أبعد النجعة جداً وأخطأ سواء الرمية.. والله أعلم.