العايذية.. أقدم شاعرات نجد

الخليج العربي المستجدات ١ مجلة مدارات ونقوش – العدد 15

 222 عدد المشاهدات

الكاتب: سعد بن عبدالله الحافي – رئيس تحرير مجلة الحرس الوطني السعودية

 

الشعر العامي خزانة الثقافة الأهم التي حفظت تاريخ وعادات وثقافة ولهجات أهل القرون السابقة في الجزيرة العربية، وما كنّا لنعرف الكثير عنهم لو لم نجد هذه النصوص الشعرية، خاصة في غياب التدوين والدراسات المتخصصة عن تلك الفترة الزمنية الممتدة لما يقارب ألف سنة تعدُّ غامضة في تاريخ الجزيرة العربية وخاصة حياة المجتمع النجدي ولم يصلنا منها سوى أقل القليل، وبين يدينا نصٌّ شعريٌّ يعود إلى ما قبل أربعمائة عام على الأغلب، يتميّز بكمٍّ وفيرٍ من مفردات لهجوية حفظها لنا النص، وهو نصٌّ بكائيٌّ مشبّعٌ بالألم والحزن لامرأة ترثي زوجها (حسين) الذي تركها وحيدة، بعد أن كانت تعيش في كنفه عزيزة غنية، وهو شيخ في قبيلته وفارس كريم معطاء وكيف تبدّلت حالتها بعد وفاته.

النص:

يقول الذي ما تاه في بدعه البنا

فهيمٍ لصعبات الأمور فطين

مولفه بالصدر ما كنت كاميه

وكل خفيٍ للعباد يبين

يا مل عينٍ من ليالٍ مساقمه

وجسمٍ من اسباب الزمان اذهين

يبات خلي البال بالنوم راغد

وعيني عن لذ المنام اعدين

فقلت لها يا العين لا تشمتين بنا

يفرح علينا مبغضٍ ولعين

وقالت لي النفس مانيب صابره

فقلت اصبري فن الصبر حسين

اراعي نجوم الليل عند افتراقه

وكثير نومي بالفراش ونين

على صاحبٍ هو عندي أغلا من الملا

عشيري بأيام الشباب حسين

غدا به ملك الموت واغتاله البلا

وله الله عن صعب الأمور عوين

لا واسفا بالشيخ قيدوم عيله

إذا الخيل بالجوخ الجديد أكسين

فياما صخا من صخية جاهليه

من مهرةٍ قبا وكل حسين

له الحل مني كل مانا ذكرته

ولا له عندي بالعباد وزين

ياليته مربوطٍ ورا شط فارس

وكلٍ ما تملك ايديه يعين

ولا فيم الشام عني مغرب

كان الرجا به متة وسنين

فيا راعي القبر الذي حيل دونك

عليك اعيون الرامقين اعمين

يا قبر ياما فيك من البر منسف

ومن مردمٍ للهاشلين سمين

تباشر به الهشال في ليلة الدجى

الى جت مواعين الزهاب اخلين

فله قروةٍ تندا على اللين والقسا

ودايات بيته بالمعاش اشقين

ذا صادرٍ منها وهذاك وارد

وجهه على كثر الورود يزين

تعيش اليتاما في ذرا ظل بيته

لو ركبت عسر السنين بشين

وبابه على طول الليالي مشرع

عليه السواف الذاريات اسنين

فلا وا حسينٍ زبن عقب السريه

لعاد هو من طردهن اغدين

وثارا المثارا والعوادي تناطحوا

فهو لتال الجاذيات ظمين

الا وا وجدي على حسين وجد من

غاله البلا وخلف شيابه يوم صار رهين(2)

او وجد اللي دهاها زمانها

وزاد ابكاها من فراق جنين

أو وجد مديٍ قليلٍ قماشه

وحيدٍ والله بالعباد عوين

ينام من الوجلا مخيفٍ وناعس

من خوف مسلوب الحدود سنين

او وجد راعي ابلين وبيتين حاشهن

جرسانهن عند النشير دنين

اكبار الجواشن يزرع القلب شوفه

قدحانهن(3) عند النشير ملين

جاه العوادي في شريقٍ نهابه

فلما ان راح المال قيل اغدين

فلا هذا ولا ذاك بكبر ليعتي

من اللي غدا عنه الشجاع حسين

والله لولا خوفتي تشمت العدى

اخاف من حالٍ علي تبين

لا اجاوب الورقا بعالي انجوعه

ولو عيوني من بكاه اعمين

 

الشاعرة:

جاء في تقديم النص «مقالت العايدية بزوجها حسين يوم يتوفا»، فلم يذكر من اسمها سوى أنها (العايدية) وأنَّ اسم زوجها (حسين) وربما كانت (العايذية)،

 

ويظهر على مطلع القصيدة أسلوب شعراء القرن العاشر وما قبله ولو رجعنا إلى قبيلة (عايد) من جذام لوجدناها في القرن السابع الهجري في الجزء الشمالي الغربي من الجزيرة العربية ومكلفة من مماليك مصر بحماية قوافل الحجيج إلى أطراف المدينة وهي قبيلة بدوية متنقلة وشيخها مهمل (محمد) ابن مهدي العايدي صاحب النص الشعري الشهير والذي منه:  

يقول ابن مهدي وابن مهدي مهمل

وبه زفرة جمل الملا ما درابها

إن افضيتها بانت لرماقة العدا

وإن اخفيتها ضاق الحشا بالتهابها

الى انحلت نفس لنفس موده

فلم تجزها فالرأي عنها اجتنابها

أنوف الى نالت من أمر موده

وأنوف الى الخل المجازي نيابها

لنا ديرة تغذا على الما منازل

عندي زلال الما قراح شرابها

سقاها الحيا في ليلة عقربية

سرت تنفض الما في مثاني سحابها

الى أرعدت ذي وأبرقت ذي وساق ذي

سنا ذي لهذي غارق به ربابها

يجر الغثا فياض ماها وربما

غدا يصبح الما ناقع في هضابها

فهي دارنا ما هيب دار لغيرنا

والاجناب لو حنا بعيد تهابها

مخافة من دهيا دهوم نجرها

نفاجي بها غرات من لا درى بها

عليها ذوي المهدي مناعير لابه

الى طعنوا ما ثمنوا في عقابها

 

بينما نجد أنَّ قبيلة (عائذ) في القرن الثامن الهجري يذكرها (ابن فضل الله العمري) في كتابه (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار) أنها قبيلة مستقرة في وادي القرى في نجد وأنَّ بلادهم بلاد خير وزرع.

 

وبالرجوع إلى دلالات النص نجد ما يلي:

1 –  نجد قول الشاعرة “ولا فيم الشام عني مغرب” فيه دلالة على بعد أرض الشام عن موطنها، وبالتالي ينفي أن تكون من قبيلة (بني عايد) الذين هم على أطراف الشام ويثبت أنها من قبيلة (عائذ) الذين هم في نجد.

2 –  نجد قول الشاعرة “وبابه على طول الليالي مشرع” يدل على أنه مستقر في قرية وهذا ينفي قبيلة (عايد) البدوية المتنقلة ويثبت قبيلة (عائذ) الذين لهم بلاد عامرة وأهل زرع في نجد وفق ما ذكره ابن فضل الله العمري في مسالك الأبصار .

إذاً، شاعرتنا هي الشاعرة العايذية زوجة الشيخ حسين.

 

دراسة النص:

بتفحص صورة المخطوط وجدت أنَّ هناك أبياتاً طمست فهي غير واضحة، وهناك أبيات لم أوردها لسوء الخط، ويتميز هذا النص بأنه يوثِّق لهجة الشاعرة، ويعكس حياة المجتمع النجدي في ذلك الزمن والقيم التي يتمسَّك بها؛ ومن ذلك وفاء الزوجة لزوجها،

 

مخطوط لقصيدة العايذية
مخطوط لقصيدة العايذية

وقد بدأت الشاعرة قصيدتها بامتداح قدرتها الشعرية في نظم قصيدة محكمة وتعاملها بذكاء مع الأمور المعقدة، فقد حاولت بداية كبت مشاعرها ولكنها لم تفلح، فلا بدَّ للخفي أن يظهر للناس، حيث أسقم السهر عينيها وبدا تأثيره واضحاً في جسدها، فحينما ينام خلي البال فهناك من يحرمها النوم، وقد خاطبت عينيها بألا تجعلها عرضة لشماتة حاسد أو عدو من كثرة البكاء، ولم تستطع أن تلزم نفسها بالصبر ولذلك هي تسامر النجوم إلى أن يذهبن ولا تتوقف عن الأنين في فراشها، وكل ذلك حزناً على أغلى الناس لديها وهو العشير الوفي من أيام الشباب وزوجها الحبيب (حسين) الذي توفي وفي قلبها حسرة عليه، فقد كان شيخ القبيلة والمقدم في معاركها، وهو السخي الذي يكثر البذل والعطاء من الخيل الأصيلة والأشياء النفيسة، ثمَّ إنها (تُحلله) أي تسامحه عندما تتذكره وتؤكد أن لا أحد من الناس يعادل منزلته في قلبها، وتتمنّى لو أنه كان أسيراً في بلاد الفرس فيقومون بافتدائه بكل ما يملكون، أو أنه قد ذهب مغترباً إلى الشام لتنتظر عودته وإن مكث سنوات طويلة، ثمَّ تخاطبه بصاحب القبر الذي لا تستطيع أن تصل إليه، وأنَّ الدمع قد أعماها من كثرة البكاء، وتخاطب القبر بأنه يضمُّ من كان يقدِّم موائد الطعام للضيوف القادمين من الصحراء ويذبح لهم الإبل السمان،

 

 بل إنَّ هؤلاء الضيوف يبشر كلٌّ منهم الآخر أنه ينزل ضيفاً على حسين ويقصدونه في الليالي المظلمة عندما يشحُّ فيها الزاد، وأنَّ له (قروة) وهي الإناء الخشبي الكبير الذي يقدم فيه الطعام للضيوف، وهي دائماً ما تقطر بالدهون في أيام العسر أو اليسر دلالة على استمراره في استقبال الضيوف وإعداد الولائم التي أرهقت خادمات منزله بإعدادها وأنَّ أفواج الناس تتزاحم بين قادم ومغادر على بيته، بل إنَّ حسين عندما يشاهد كثرتهم يظهر السرور على وجهه، وهو ملجأ للأيتام، يعيشون في كنفه عندما تشتد عليهم السنون، وأنَّ بابه لا يغلق بل إنَّ التراب الناعم الذي تجلبه الريح قد تراكم عليه من سنوات نتيجة فتح الباب المستمر، ثمَّ تنعيه متحسرة وتصفه بالشجاع الذي يلوذ به الفرسان عندما تنهك خيلهم من الطراد فيخافون أن يدركهم العدو وهو ضامن لحمايتهم من فرط شجاعته، ثمَّ تتوجّد عليه مشبِّهة حالتها بحالة الشاب الذي أخذ أسيراً وترك والديه كباراً لا أحد عندهم، أو بحالة المرأة التي مات صغيرها، أو بحالة تاجر القماش الذي يدور ببضاعته وحيداً لا يستطيع النوم من شدة الوجل والخوف من أن يهجم عليه من يغتاله، أو بحالة من يملك قطيعين من الإبل الضخام التي تسرُّ الناظر إليها وهي مدرارة بالحليب، وقد نهبها الغزاة المعتدون مع الصباح الباكر فلم يعد لديه شيء منها، لتؤكد أنَّ جميع مصائب هؤلاء لا تقارن بمصيبتها في زوجها حسين، وتقسم بأنَّ الخوفَ من شماتة الناس هو الذي يمنعها من رفع الصوت بالبكاء مجارية بذلك صوت الحمام الحزين.

 

الهوامش:

1 – وقد حققت ذلك في مقال منشور في جريدة الرياض، السبت 14 ربيع الأول 1429هـ -22 مارس 2008م – العدد 14516

2- البيت مختل الوزن نتيجة خلط من الراوي وأوردته دون تعديل.

3 – قدحانهن: جمع قدح