بابا الفاتيكان ودروس الزمان

جمال بن حويرب مقالات

 297 عدد المشاهدات

الكاتب: جمال بن حويرب
الاستقالة أشنع كلمة يمكن أن تسمعها في الإدارة العربية أو يقولها مدير إدارة صغيرة كانت أم كبيرة فهي تعني فسخ العقد والحب والثقة مرّة واحدة، والمصيبة الكبرى وهي أنّك عندما تستقيل وأنت مقّدم مصلحة العمل على نفسك ولم يُطلب منك ذلك فكأنّك أهنت من تطلبها منه، والحقيقة التي لو فكّر فيها قليلاً المستقال منه، لعلم أنّ هذا المستقيل الأمين (طالب الإقالة) لا يعدو أنّه:
– اكتشف عدم صلاحيته للعمل، فبقاؤه لا يفيد إدارته.
– وصل حدّه من العطاء ولا يستطيع أن يزيد وعليه أن يعطي الفرصة لغيره.
– أنّه تعب من العمل وحقّه أن يرتاح بعد كل سنوات العطاء.
قد تكون لهذا الأمين المستقيل أسباب أخرى ولكنّ يجب علينا أن نقبلها بكلّ أريحية ولا نعقّد عليه حياته أو نجعله خصماً لنا بل نشكره على ما قدّم ونمدحه على أمانته وسمو أخلاقه، ونفسح الطريق لغيره من المبدعين ليكملوا مسيرته، وقد نجد هذا الأمر كثيراً عند الغربيين الذين بلغوا في الحضارة العملية الغاية وهي كثيرةٌ جداً خاصةّ عند الدول الغربية التي عُرفت بالعمل الجادّ وتقديس الوقت ووضع الأمور في نصابها كالألمان الذين قلتُ فيهم وبلادهم:

بلاد رجالٍ لم تفتهــمْ حضــارةٌ
صقورٍ تغذّى بالمعالي فراخــُها
لكمْ ملأوا الدنيا بكلِّ عجــــيبةٍ
ولي أمّةٌ لم يبقَ إلا صراخُــــها

وأحمد الله العليّ القدير أنّي ولدت في الإمارات ورأيت الازدهار والتطور فيها ومحاولة اللحاق بالركب العالمي، ولو كنت في بلدٍ آخر من هذه الأمة العربية لم أدر ماذا سأقول؟ أو كيف سأعيش ولي مهجةٌ لا ترضى إلا بالعلم ورؤية الحضارة وهي تُبنى وتتقّدم.

البابا بنديكت السادس عشر* وهو البابا 265 للكنيسة الكاثوليكية من هؤلاء الألمان الذين أعرف طبيعتهم العملية وحدّة ذكائهم الفكري، وقد وصلت إليه البابوية بعد موت البابا يوحنا بولس الثاني عام 2005م وبقي يمارس عمله في هذا المنصب القديم جداً حتى فاجأ العالم بقرار الاستقالة وقد علّل استقالته: بأنّ صحته وسنّه لا تسمحان له بمتابعة عمله، وقد رأى العالم الغربي والكاثوليكي هذه الخطوة خطوة جريئة واستثنائية إذ لم يتقدم أحد من البابوات بالاستقالة منذ 600 سنة.

يذكر المؤرخون أنّ أول استقالة من منصب البابا كانت في سنة 98 ميلادية عندما استقال «كلمنت الأول» وله رسالة تاريخية مهمة يذم فيها الكبر لبعض المسيحيين، ثم في سنة 235م استقال البابا “بونتيان”، وفي 1045م استقال “بندكت التاسع” ولكنه عاد بعد ذلك، ثم في سنة 1294م قدم البابا “تشليستيوا الخامس” استقالته، وفي 1415م قام البابا «غريغريوس الثاني عشر» بالأمر نفسه، ثم جاء الألماني «بنديكت السادس عشر» ليكمل مسيرة الاستقالات.
ومن تتبع استقالات هؤلاء الباباوات التاريخية تجدها غالباً ما تكون قسرية وليست من عند أنفسهم ولهذا لا تجد في تاريخ الكنيسة الطويل إلا هؤلاء مما يدّلك على أن ترك هذا المنصب لا يمكن أن يصدقه عقل عاقل لأنّه السلطة العليا على أكثر من مليار كاثوليكي حول العالم، ويبقى السؤال الذي طرحته بعض الصحف العالمية: هل صحة بندكت السادس عشر هي السبب أم هناك أسباب أخرى مخفيّة؟ قلتُ: لا أظنّ الجواب الصحيح إلا بسبب صحته، لأنّ الألمان -كما يعرفهم الجميع- أهل اجتهاد في العمل، والله أعلم.

 
نشر في البيان بتاريخ 13 فبراير 2013