بواكير التعليم في دبي

الإمارات الكتاب مجلة مدارات ونقوش – العدد 2

 176 عدد المشاهدات

 

إعداد:  حسين درويش

 

ارتبط النظام التعليمي في إمارات الساحل المتصالحة منذ مطلع القرن العشرين وحتى العام 1953، بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية السائدة آنذاك، بسبب الافتقار إلى قطاع الخدمات، وعدم وجود أيِّ سياسة تنموية حقيقية؛ فقد فرض هذا الوضع عدم القدرة على مواكبة التطور العالمي في الحقل التعليمي المؤسسي، فمنذ بداية القرن العشرين، اقتصر التعليم على فئات محدودة من أبناء الإمارات، التي لم تكن تدخل حتى هذه الفترة مرحلة تؤهلها إلى أن تكون كبقية دول الجوار، التي بدأ التعليم فيها يأخذ منحى أكثر تنظيماً ومنهجية (نظامي أو شبه نظامي)، كما أن البدايات الأولى للتعليم بها اعتمد- بصورة كبيرة- على التجارة والتُّجار الذين أسهموا في تمويله، وجاء الاهتمام بتعليم الذكور أكثر أهمية من تعليم الإناث، بشكل يعكس واقع المتطلبات الأساسية والظروف المجتمعية والاقتصادية التي كانت تمر بها إمارات الساحل آنذاك.

 

لقد ساعدت عوامل عدة على بلورة بدايات التعليم في دبي؛ إذ أسهم موقعها على الخليج العربي في توجُّه معظم سكانها إلى البحر بحثاً عن لقمة العيش، ما دفعهم إلى الاتصال بالشعوب والأمم المجاورة، والاطلاع على ثقافاتها.

 

كما أنَّ الظروف والتحولات التي مرَّ بها العالم العربي والإسلامي، كثيراً ما كانت تلقي بظلالها وانعكاساتها على هذا المجتمع الصغير، فيتأثر ويتفاعل معها، وخصوصاً أنَّ أبناء دبي لم يكونوا بعيدين عن تلك التحولات العالمية، وكانوا على تواصل دائم مع أخبار الأمم المجاورة لها.

 

وقد يكون تأخُّر اكتشاف البترول في إمارات الساحل المتصالحة حتى بداية ستينيات القرن الماضي، أحد أهمِّ الأسباب التي أدت الى تأخُّر تحديث النظم التعليمية الممنهجة، ولهذا لم تشهد النهضة التعليمية التي شهدتها كلٌّ من الكويت والسعودية على سبيل المثال، كما أن الموازنة التي كانت تقدمها بريطانيا لإمارات الساحل لم تكن كافية لتسمح بقيام أيِّ دورٍ أو نشاطٍ تعليميٍّ بديلٍ للتعليم التقليدي السائد. 

 

وأسهمت التحولات الكثيرة التي كانت تمرُّ بها المنطقة في هذا الوقت عن تغيُّر جذري في العلاقات الاجتماعية بين السكان بمختلف أعراقهم، وإن كان هناك تحوُّل اقتصادي طفيف إلى الأفضل، متوائم مع ثقافة استهلاكية حديثة، ونموٍّ ملحوظ في زيادة عدد السكان.

 

التحولات الاجتماعية

 أسهمت التحولات بشكلٍ مؤثِّرٍ في استنهاض الهمم المحلية بتجلياتها المختلفة، فحرضت على الاهتمام بالتعليم. ومع مطلع القرن العشرين بدأ الحال يتغيَّر نوعاً ما؛ إذ بدأت إمارات الساحل تشهد حركات بسيطة للثقافات المختلفة التي كانت تأتي إليها عبر التجارة والتُّجار، خاصة مع انفتاح بعض موانئ الخليج العربي، كذلك أخذ الاهتمام بالمدارس شبه النظامية يبزغ مع تأسيس وإنشاء المدرسة الأحمدية على نفقة تاجر اللؤلؤ الشيخ أحمد بن دلموك، والتي تأسَّست في العام 1912م لكن وافته المنية، فقام ابنه محمد باستكمال بنائها، وتوفير الأثاث والكتب والمستلزمات الدراسية، وبذلك فتحت دبي ذراعيها لاستقبال جيل الرواد من المعلمين الذين وفدوا إليها، وكان لهؤلاء الروَّاد بصماتهم الواضحة على المجتمع المحلي وشرائحه المختلفة.

 

وقبل تأسيس المدرسة الأحمدية ظهر في دبي نوعان من الكتاتيب؛ الأول لتعليم حروف الهجاء من الألف إلى الياء، والثاني اشتهر بتعليم الكتابة، إضافة إلى قراءة وحفظ القرآن الكريم.

 

حياة الكتاتيب
كان التعليم في إمارات الساحل منذ بداياته الأولى يعتمد على الكتاتيب، ولا يمكن تحديد الفترة الزمنية للبدايات الأولى للكتاتيب التي تعدُّ امتداداً للتعليم في المساجد، وقد كان الناس في الغالب يتجهون إلى التعلم فيها بسبب حاجتهم إلى تعلُّم القراءة والكتابة، وفهم أمور الدين والقرآن في وقت لم تفرض فيه الحياة البسيطة لسكان إمارات الساحل، أن يستمد متطلباته التعليمية من خلال نظم أرقى من الكتاتيب، التي اعتمد التعليم فيها بشكل رئيسي على المطوع أو المطوعة لتعليم الإناث، وهو في الغالب يعرف بالتدين والتحلي بالأخلاق الحميدة، وكان يعتمد على قدراته وسعة اطلاعه، فضلاً عن قوة شخصيته وأسلوبه في توصيل المعلومة، وفي بعض الإمارات من الساحل المتصالح لم يكن تعليم المطوع يتعدَّى في أحوال كثيرة قراءة القرآن وتحفيظه للتلاميذ، ونادراً ما كان بعض المطوعين يعملون على إيصال علوم أخرى كالحساب أو تعليم بعض اللغات، أو المسائل الفقهية والأحاديث.

 

التعليم في المساجد

هذا النوع مارسه عدد قليل من الفقهاء والمطلعين، الذين توافرت لديهم معرفة واسعة في أصول العقيدة والفقه والتفسير والنحو والإملاء والتاريخ والدروس الدينية المختلفة؛ اذ تُعْقَد حلقات علمية في زاوية أو ركن في أحد المساجد، أو يُخَصَّصُ لها مكان أو موضع معروف في بيت شيخ العلم نفسه، وظلَّت الحلقات العلمية ودروس الذكر مصدراً للعلم والفقه، وقد تخرَّج فيها الرعيل الأول من روَّاد الإمارات، ثمَّ تراجعت مع ظهور المدارس التطورية وبداية تطوُّر التعليم ودخول المقررات والدروس الحديثة في المدارس التطورية.

 

 

فقد كان المسجد هو الركن الأساسي في المدينة في العصور الإسلامية المختلفة، حيث كان المسجد يُبْنَى أوَّلاً، وسرعان ما تلتفُّ المساكن حوله مُشَكِّلَةً المدينة، ودبي كأيِّ مدينة إسلامية بنيت فيها المساجد وانتشرت مع الأيام، ومنذ ظهور المساجد بدأت معها حلقات العلم التي كانت تُعْقَدُ في المساجد بعد صلاة العصر أو المغرب لتعليم الناس، وكان المعلم يجلس ويلتفُّ حوله طلبة العلم، حيث يقرأ عليهم بعض آيات القرآن الكريم، ويشرحها لهم، كما كان يقرأ عليهم بعض الأحاديث النبوية مع شرحها، وأحكام العبادات في الإسلام، وسيرة الرسول عليه أفضل الصلاة والتسليم، إضافة إلى سيرة بعض أصحابه، وغالباً ما تقتصر على سيرة الخلفاء الراشدين، وقصص البطولات لشخصيات عربية وإسلامية.

 

كان الدارس في المسجد لا يتعلم الكتابة بمعنى رسم الحروف؛ فالتعليم آنذاك كان شفهياً، ولا ينقل دارس العلوم ما كان يتلقاه عن أستاذه، ويكتبه في كراسته أو أوراقه الخاصة، ومع ذلك ظهر مَن يستطيع الكتابة، من خلال السفر إلى المناطق المجاورة، أو عـن طريق من نزل ضيفاً عندهم.

 

أمَّا الحساب فقد كانوا يجهلونه تماماً، على الرغم من حاجتهم الماسة إليه في معاملاتهم التجارية التي تقتضي توزيع الموارد بينهم، أو إدارة أعمالهــم، أو تحويل عملة إلى عملة أخرى، وإنما كان لهم في ذلك طرقهم الخاصة.

 

كما ظهر بعض المعلمين الذين كانوا يكتفون بقراءة القرآن فقط، حيث يعلمون الطالب حروف الهجاء من ألفها إلى يائها، ومَنْ حَفِظَها أَقْرَؤُوه القرآنَ من آخره إلى أوَّله، وكان ذلك بداية ظهور الكتاتيب التي أخذت تتطوَّر مع الأيام، ويصبح لها منهج خاص.  

 

المعلمون القدامى

انتشرت الكتاتيب في جميع البلدان العربية، وكانت الوسيلة الأكثر شيوعاً كوسيلة من وسائل التعلُّم، هذا النوع من التعليم كان سائداً منذ زمن طويل، وقد مارسه عدد كبير من المطاوعة والمطوعات؛ وهم المعلمون القدامى، فقد اعتمد تعليم المطاوعة على حفظ القرآن الكريم، والأحاديث النبوية، إلى جانب التدريب على الكتابة والخط، والإلمام بأركان الإسلام والوضوء.

 

وقد تنوَّعت كذلك تخصُّصات المطوع؛ فمنهم من تخصَّصَ في العلوم الدينية وهم الشيوخ أو الفقهاء، ومنهم من تخصَّصَ في تحفيظ القرآن وتعليم تجويده، كذلك لم يقتصر عمل المطوع على التعليم فقط، بل امتد إلى التربية والتأديب، وذلك بملاحظة سلوك التلاميذ وتعديله، وفي كثير من الأحيان امتدَّ نشاطه إلى أسر طلبة الكتاتيب، والمشاركة في بعض المناسبات الخاصة داخل الأسرة، والتواصل مع الأهل.

 

 ويوجد نوع متطور من التعليم عند المطاوعة ظهر نتيجة لاختلاف الدروس التي يؤديها بعضهم، وتنوعها في بعض الأحيان نتيجة لتنوُّع ثقافاتهم، وسعة معرفتهم ودرايتهم، وهذا بطبيعة الحال أدَّى إلى ظهور تمايز واضح في الدروس التي يتلقاها الأبناء على يد بعض المعلمين القدامى، وقد استمرَّ التعليم عند المطاوعة إلى بدايات اتحاد الإمارات، حيث تراجع دوره شيئاً فشيئاً، واختفى من المجتمع بعد ذلك. والكتاتيب مفردها (كتّـَاب) وهو في العادة مكان متواضع يتسع لاستقبال عدد من الصبيان أو التلاميذ، ويشرف عليهم معلم واحد، أو قد يعاونه مساعد، وغالباً ما يكون من الطلبة المتفوقين الذين يتوسَّم المطوع الخير فيهم مستقبلاً، وتنحصر مهمة المعلم الذي أطلق عليه لقب المطوع في تعليمهم وتحفيظهم القرآن الكريم، ومبادئ القراءة والكتابة، وقد كانت عملية التحفيظ تعتمد على التلقين دون فهمٍ لمعاني الكلمات أو الآيات، وهو مجرد ترديد لفظي حتى يحفظ الطالب ما يتمُّ ترديده.

 

وأقبل الطلاب على هذه الكتاتيب، وشهدت إقبالاً كبيراً، مما يدلَّ على رغبة الأهالي الصادقة في تعلُّم الأبناء مبادئ القراءة والكتابة.

 

دخول الكُتَّاب
 لم يكن للكتَّاب منهج خاص أو كتب معينة، بل كان المطوع هو الذي يضع المنهج حسب كفاءته وقدرته العلمية، وكان لأصحاب الكتاتيب طريقة خاصة في تعليم الحروف الهجائية؛ فيبدؤون بتحفيظهم الحروف بشكل غير متصل، هاتفين بصوتٍ عالٍ، والطلاب يرددون خلفهم، ” ألف لا شيء له، الباء تحته نقطة، التاء فوقه نقطتان، الحاء لا شيء.. وهكذا” ثم حروف اليمين، وحروف الوسط، وحروف اليسار؛ أي التي تكون متصلة بحرف آخر، ومثال ذلك: لكتابة كلمة “كتب” يقال: كاف خالي ، تاء وسط، باء يسار.. وهكذا.

 

 

 وبعدها تحفظ حروف الهجاء مشكلة بالفتحة والضمة والكسرة والسكون، فإذا عرفها كتبت له هذه الجملة (رَبِّ يَسِّرْ ولا تُعَسِّرْ.. ربِّ تَمِّمْ عَلَيْنَا بِالْخَيْرِ) مشكَّلة بالحركات، ليقرأها كل تلميذٍ ويكتبها.

 

وبعد هذه المرحلة التي يكون التلميذ قد تمكَّن من قراءة الحروف وكتابتها، تبدأ مرحلة تحفيظ القرآن الكريم، حيث يتمُّ حفظ قصار السور؛ جزء عمَّ (الجزء الثلاثون من القرآن)، فيبدأ التلميذ قراءة الفاتحة بالتشكيل، فإذا حفظها تهجياً قرأها سرداً وهكذا حتى يختم القرآن الكريم.

 

وتختلف المدة من تلميذ لآخر، فإذا كان نبيهاً يختم المدة في سنة، وأحياناً تطول إلى سنين عدَّة عند بعضهم الآخر، فإذا ختم القرآن أعاد تلاوته كما بدأه من آخره إلى أوَّله، وبهذا يصبح التلميذ قادراً على تلاوة القرآن، ويطلق عليه هنا صفة “الخاتم” وختم القرآن يعني قراءة وليس حفظاً عن ظهر قلب.