بيت الشيخ سعيد.. متحف آل مكتوم..حيث وُلِدَ حلم دبي الحديثة

الإمارات المستجدات ١ مجلة مدارات ونقوش – العدد 8

 744 عدد المشاهدات

الكاتب: خليل البري

 

في إطار توجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله. بتحويل منطقة الشندغة التراثية إلى أكبر مجمع للمتاحف في الإمارات والخليج العربي بشكل عام، ضمن خطة تهدف إلى جعلها منطقة جذب سياحي فريدة من نوعها، تعكف بلدية دبي حالياً على تنفيذ التوجيهات السامية، الرامية إلى تحويل بيت الشيخ سعيد إلى متحف آل مكتوم.

 

بيت الشيخ سعيد آل مكتوم الذي ينتصب شامخاً أمام خور دبي، يعدُّ تحفة معمارية فريدة تتحدى الزمن، حيث يحمل نكهة أصيلة في المنظر العمراني الممتد لمدينة دبي القديمة والحديثة، فهذا البيت الواسع يسحر العيون والعقول بجدرانه وأبوابه وشبابيكه وأقواسه وأبراجه كنموذج معماري غني بتفاصيله ومفرداته المدهشة، ويمثّل بيت الشيخ سعيد، معماراً تقليدياً شكّل ذروة الحداثة المعمارية في منطقة الخليج العربي في زمنه الذي وُجِد فيه (نحو عام 1896) في منطقة الشندغة. وكان بمثابة المقر الرسمي للشيخ سعيد، حاكم دبي (1912-1958) وجدّ صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم. في هذا المكان وُلِد حلم دبي الحديثة لأول مرة، وعلى ضفاف الخور بدأت الحياة في دبي.

 

محمد بن راشد خلال جولته في بيت جده الشيخ سعيد
محمد بن راشد خلال جولته في بيت جده الشيخ سعيد
 
 
 

تمت إقامة هذا المنزل لأول مرة العام 1896، وتمَّ تحويله إلى متحف يضمُّ مجموعة رائعة من الصور والعملات والطوابع والوثائق التاريخية التي تسجِّل تاريخ دبي. وتوفّر أبراج الرياح، المُستخدَمة كوسائل تبريد طبيعية، لمحة عن الطراز المعماري التقليدي لإمارة دبي ونافذة على تاريخها. وعندما تنظر إلى أفق المدينة من فوق أحد المباني العالية سوف تشعر بأنك تسافر عبر الزمن إلى الماضي حقيقة لا مجازاً.

 

تاريخ ساحر

صحيح أنَّ دبي تعدُّ مدينة حديثة نسبياً، إلا أن لديها تاريخاً ساحراً وتراثاً نابضاً بالحياة، يقدّم للزوّار لمحات تثير الاهتمام بالثقافة العربية الممتدة، فكما أنها مدينة الإنجازات الكبيرة والمشروعات التنموية الرائدة، التي جعلت منها واحدة من أكثر مدن العالم شهرة وعالمية بمنظومة فكرها وعملها التي تأسر وتبهر الأنظار، فهي تحتضن تراثاً غزيراً يلخّص حياة الأجداد، ويحفظ للأجيال عادات أصيلة وجميلة، لطالما ظلّت عصب الثقة والتميز لدى أبناء الوطن كافة.

 
 
الشيخ محمد بن راشد يقدم شرحاً عن الشندغة للملك سلمان بن عبد العزيز خلال زيارة للحي التاريخي
الشيخ محمد بن راشد يقدم شرحاً عن الشندغة للملك سلمان بن عبد العزيز خلال زيارة للحي التاريخي
 
 

 

حين تقرر القيام برحلة في رحاب تاريخ دبي الذي لا يزال واقعاً ملموساً، بجسد الماضي العريق وروح التراث الأصيل، لن يكتمل المشهد إلا بزيارة ذلك المعلم الكبير الذي يحفل بالكثير.. إنه بيت الشيخ سعيد آل مكتوم، بأجنحته الثمانية الممتدة، التي تعرض تاريخ تطوّر الإمارة الحضاري منذ عام 1896، حيث تمّ إنشاؤه في عهد المغفور له الشيخ مكتوم بن حشر آل مكتوم، حاكم دبي في ذلك الوقت.
في تلك الفترة، استخدم بيت الشيخ سعيد مسكناً ومقراً للحكم، ثمَّ أصبح مقراً لإقامة الشيخ سعيد آل مكتوم، والد المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم باني نهضة دبي الحديثة، وجدّ صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم. وأقام المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم دبي، خلال الفترة من عام 1958 إلى عام 1990م، في الجناح الذي كان يقيم فيه والده.
اتسمت خصائص ذلك البيت بالفن المعماري العربي التقليدي، فهو مربع الشكل تبلغ مساحته 3600 متر مربع، وذو طابقين بمدخلين كبيرين؛ أحدهما يفضي إلى المجلس، بينما يطل الآخر على فناء البيت الداخلي الواسع، الذي تلتفُّ حوله أقسام البيت المتعددة، التي تشمل المجلس العام، وغرف المعيشة الداخلية، والمخازن والمطابخ.
وتتميّز غرف البيت بهيئتها المستطيلة، وجدرانها ذات الحنايا المحفورة برفوف متناسقة، والتي خُصِّصَت لأغراض متعددة. أمّا الطابق العلوي الذي كان يستخدم ملاذاً صيفياً بسبب إطلالته المباشرة على الخور فيحتضن غرفاً أخرى، وشرفات واسعة، فيما تعلو البيت أربعة «براجيل» موزّعة بشكل مدروس يحقّق الغاية من وجودها، حيث إنها تعدُّ إحدى وسائل التهوية قديماً في منطقة الخليج العربي، وهي عبارة عن فتحات مستطيلة مفتوحة الجوانب، تسهم في تلطيف حرارة الصيف.

 

 

بيت الشيخ سعيد آل مكتوم في حي الشندغة
بيت الشيخ سعيد آل مكتوم في حي الشندغة
 

 

ينبوع الوعي
في هذا البيت الذي يعدُّ ينبوع الوعي القومي، يتسلل الهدوء والسكينة بين أزقته الدافئة المضيئة بقناديل التواصل والترابط بين قاطنيه، وينظر البيت بشموخ وعزة وتحدٍ إلى الضفة الأخرى، حيث ملامح دبي الحديثة التي تسير على وتيرة الحياة السريعة، وهو يبقى نافذة نطلُّ منها على ماضي دبي، ومراحل تطوُّر المنطقة، إضافة إلى الأحداث المهمة التي وقعت فيها، فيقف الماضي هنا عند عتبة بيت الحكم، وهو يحمل بين جدرانه وغرفه المتعددة، لمحات تاريخية اختزنت بين ثنايا الغرف، فاكتست بها جدرانه العتيقة.
ويضمُّ البيت العديد من الأجنحة، منها جناح آل مكتوم الذي يشتمل على تاريخ تطوُّر مظاهر الحياة الأساسية والاجتماعية والعلاقات الخارجية عبر التسلسل الزمني لفترات حكم آل مكتوم، وذلك من خلال عرض مجموعة من الصور التي تروي أشكال المناسبات القومية والتاريخية.

 

دبي القديمة
أما جناح دبي القديمة فيضمُّ حزمة من اللوحات التي تؤكّد عراقة الإمارة في صور توضّح الأحياء السكنية القديمة وحصن الفهيدي ومدرسة الأحمدية ومستشفى آل مكتوم. وينقلنا جناح الحياة البرية إلى تفاصيل الحياة المهنية لسكان شاطئ الخليج العربي الممتد على مسافة 70 كيلومتراً، حيث كان البحر المورد الرئيس لسكانه، ما دفعهم لامتهان الصيد البحري والغوص بحثاً عن اللؤلؤ، إضافة إلى صناعة السفن والتجارة.

الحياة الاجتماعية
وإذا أردنا التعرُّف إلى طبيعة الحياة وظروف المعيشة قديماً، فلا بدَّ من زيارة ذلك الجناح المهم الذي يعكس صور وأنماط الحياة الاجتماعية والثقافية والترفيهية والتعليمية والدينية، إضافة إلى المعالم المعمارية ووسائل الدفاع القديمة، وأشكال الفنون الشعبية. ويمكن التعرُّف إلى سمات الحياة البدوية البسيطة في جناح آخر، أمّا جناح المسكوكات فينقسم إلى قسمين؛ أحدهما للمسكوكات الأثرية المتداولة منذ عام 1971م، والآخر يختص بعرض الطوابع البريدية لإمارة دبي، ويعود تاريخ هذه الطوابع إلى العام 1961م، في عهد المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم.

 

نقلة نوعية كبيرة
وأخيراً، يبرز في بيت الشيخ سعيد آل مكتوم، جناح خاص بالوثائق، يعرض أشكالاً للمخطوطات التي تضمُّ الرسائل والمعاهدات والاتفاقيات والمراسيم الخاصة، وخرائط للإمارة وشبه الجزيرة العربية، إلى جانب صور لمدينة دبي، تعود إلى العام 1822م، وخريطة تحدّد أماكن الغوص عن اللؤلؤ في الخليج العربي.
ويقول عبد الله المطيري الذي كان مشرفاً على البيت: قبل النقلة الكبيرة التي تنفذها بلدية دبي حالياً، شهد بيت الشيخ سعيد نقلتين كبيرتين في تاريخه، الأولى، عندما تمَّ تعديله وتحويله من شكله الأصلي المبني على طراز القلاع والحصون إلى شكله الحالي في الفترة من (1910 – 1912)، حيث أدخلت عليه البراجيل، والنقلة الثانية حدثت عندما بدأت أعمال صيانته وترميمه عام 1986، فحصد بذلك جائزة منظمة المدن العربية للحفاظ على المباني التراثية، ومنذ اكتمال أعمال صيانة هذا البيت الفريد، أصبح قبلة للمصورين والرسّامين الراغبين في العثور على الأنماط التقليدية المميزة في الإمارات.
وقد استقطب البيت شخصيات مهمة وعشرات آلاف الزوّار، ومن أبرز الشخصيات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، حفظه الله، والرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر وزوجته، وفريدريك دي كليرك رئيس جنوب أفريقيا الأسبق، والدكتور أسامة الباز، وغيرهم كثير.

وأوضح أنَّ هذا البيت يعدُّ واحداً من أبرز الإنجازات المتحفية في الإمارات بأجنحته المتعددة التي تضمُّ صور دبي القديمة والحياة البحرية ومعروضات القطع النقدية والطوابع والمستندات التاريخية وأنماط الحياة الاجتماعية في دبي عبر قرنين من الزمان، فجناح آل مكتوم يضمُّ مجموعة نادرة من الصور القديمة التي تمَّ التقاطها ما بين (1948 / 1953م) قبل اكتشاف النفط، حيث تقود هذه الصور زوّار البيت في رحلة تاريخية تبين مراحل تطوّر دبي بقيادة الراحل الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، فيجد الزائر تصاوير لقلعة (الفهيدي) التي أُنْشِئَت العام 1787 لحماية المدينة ضد الغزو، إضافة إلى صور لمدرسة الأحمدية التي كانت أول مدرسة نظامية في دبي، وصور أخرى لمستشفى آل مكتوم، أول مستشفى حديث للعلاج، إضافة إلى مجموعة من صور سفن الصيد في الخور وصور البراجيل.

 

 

بوابة البيت إطلالة على الزمن
بوابة البيت إطلالة على الزمن

 

 

علاقة وثيقة

ويقول المطيري: «كانت علاقة دبي بالبحر علاقة وثيقة، ولهذا يضمُّ البيت أيضاً مجموعة نادرة من الصور والمجسمات والأدوات التي كانت مستخدمة في الصيد والغوص بحثاً عن اللؤلؤ، من بينها موازين من أنواع مختلفة، إضافة إلى مجموعة من السفن التي كانت تُسْتَخْدَمُ في الغوص وصيد الأسماك كالسنبوك والجالبوت والصمعا، وغيرها من القوارب الصغيرة الخاصة بالمصائد قرب الشواطئ مثل البقارة والهواري، وموازين تُسْتَعْمَلُ لوزن اللآلئ، حيث كانت دبي تعدُّ مركزاً من المراكز العالمية لهذه التجارة».
ويضيف أنَّ الزائر يستطيع أن يلقي نظرة عن كثب على الفنون التقليدية والرقصات التي تعبّر عن نمط الحياة الاجتماعية في الخمسينيات، كما يتلمس حياة الترحال من خلال مجموعة صور تتجلّى فيها الممارسة اليومية لحياة البدو، ما بين حفر الآبار في الصحراء ونقل التمور على ظهور الجمال، ونقل الأخشاب إلى السوق، إضافة إلى مشاهد لسباقات الهجن والصيد بالصقور، كما تتوافر فيه مجموعة من القطع النقدية والطوابع النادرة، ويعود تاريخ بعض النقود النادرة إلى عام 1791، إضافة إلى أول طابع بريدي تمَّ استخدامه في دبي، كما تتوافر مجموعة من العملات الورقية التي صدرت في عهد المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، مع مجموعة من الرسائل والاتفاقيات والمراسيم والخرائط ومسودات تبيّن تاريخ دبي الحديث.