تغريبة بني هلال بين الحقيقة والخيال

مجلة مدارات ونقوش – العدد 5

 574 عدد المشاهدات

 استضاف مركز جمال بن حويرب للدراسات في دبي، محاضرة عن «تغريبة بني هلال بين الحقيقة والخيال»، تحدَّث خلالها الكاتب والباحث والشاعر والأديب السعودي سعد عبد الله الحافي عن التغريبة التي أصبحت مصدر إلهام لكثير من الرواة في معظم البلدان العربية، وذلك بحضور كوكبة من المثقفين والباحثين والأدباء والإعلاميين
وقال جمال بن حويرب المدير التنفيذي لمؤسَّسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة، رئيس المركز، خلال تقديمه الندوة: «نتحدث اليوم عن قبيلة كانت في الجزيرة العربية، وانتقلت إلى بلاد المغرب في ظروف غامضة، وتحدَّث عنها الرواة بقصص مختلفة، في مصر وبلاد الشام والعراق واليمن وشمال إفريقيا، وإن اختلفت هذه القصص في شكلها وتفاصيلها، فإنها تُجمع كلها على أنَّ هذه القبيلة تركت أثراً كبيراً في التاريخ والثقافة والأدب العربي»
فيما تساءل المحاضر سعد الحافي، عن بني هلال الذين قال إنَّ نسبهم يعود إلى نزار بن معد بن عدنان، وهم قبائل بدوية لها تاريخ معروف، ومن الشائع لدى سكان الجزيرة العربية ارتباط كل ما هو قديم بقبيلة بني هلال، حتى إنه ما زال هناك الكثير ممن يرون أنَّ تاريخهم يرجع إلى ما قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا ما ضخَّم الجانب الأسطوري في الحديث عن بني هلال، وكأنهم أمة لم تترك شبراً في أرض الجزيرة العربية إلا وطأته أقدامهم، وكانت لهم فيه قصة! وهذا لا شك يخالف الواقع.  وفي هذا المجال، يقول الشيخ العلامة حمد الجاسر، رحمه الله،َّ إن العامة ينسبون كلَّ أثر قديم إلى بني هلال، كما كان العرب القدماء ينسبون كلَّ قديم إلى عاد. والواقع أنَّ بني هلال لم يمتازوا على غيرهم من حيث القوة والعمران، بحيث تكون لهم آثار عمرانية باقية. كما تحدَّث المحاضر عن منازل بني هلال قبل التغريبة، مستشهداً بقول لابن خلدون: «كان بنو عامر بن صعصعة كلهم بنجد، وبنو هلال بن عامر في بسائط الطائف ما بينه وبين جبل غزوان»، ثمَّ إنَّ الأصمعي ذكر في القرن الثاني الهجري أن جُلَّ بني هلال في الحجاز، كما جاء في تاريخ الطبري. واستطرد الحافي: «في الجاهلية نجد أنَّ بني هلال اشتركوا مع قبيلتهم هوازن في حروب ومعارك في نجد والحجاز آخرها حنين». كما ذكر بداية وصولهم إلى إفريقيا، حيث كان عددهم قليلاً، لا يتجاوز ثلاثة آلاف فارس، واستمر تزايدهم حتى بلغ في السنة التالية سبعة آلاف وخمسمئة فارس، وفي أول رمضان من عام 449 هجرية دخل بنو هلال القيروان ووصل العرب إلى نواحي القيروان وجعل كل من سبق إلى قرية يسمي نفسه لهم ويؤمنهم ويعطيهم قلنسوته أو رقعة يكتبها لهم علامة، ليعلم غيره أنه سبقه. وبات الناس ليلتين بالقيروان تحت ما لا يعلمه إلا الله تعالى من الخوف، لا يدرون ما ينزل بساحتهم، أقام الناس يومين لا يدخل إليهم داخل ولا يخرج منهم خارج


وخيل العرب تسرح حول القيروان في كل جهة ومكان والناس يرونهم عياناً بياناً. وخرج السلطان سابع عيد الأضحى بجنوده وخرج عامة القيروان معه، فلم يتعد بهم المصلى، ورجع العرب في أمانهم الذي أعطوا أهل البوادي، وانتهبوا جميعها، وانتقل أهلها إلى القيروان وأمر السلطان كافة الناس بانتهاب الزروع المحيطة بالقيروان وصبرة وهي المنصورية فسُرَّ المسلمون بذلك، وحسبوها من أرزاقهم وكان مصيرها إلى ما قدر الله من فسادها وأكل البهائم لها. وفي السابع عشر لذي الحجة ظهرت خيل العرب على ثلاثة أميال من القيروان، فنزل السلطان يمشي فيها ويوصي أهلها بالاحتفاظ والبناء، وأخذ الناس في بناء دورهم، وأمر السلطان المعز أن ينتقل عامة أهل صبرة وسوقتها إلى القيروان، ويخلوا الحوانيت كلها بصبرة، وأمر جميع من بالقيروان من الصنهاجيين وغيرهم من العسكر، أن ينتقلوا إلى صبرة، وينزلوا في حوانيتها وأسواقها، فارتج البلد لذلك، وعظم الخطب واشتد الكرب ومد العبيد ورجال صنهاجة أيديهم إلى خشب الحوانيت وسقائفها، واقتلعوها وخربت العمارة العظيمة في ساعة واحدة، وبات الناس على خوف عظيم، ثم أصبحوا، فعاينوا خيول العرب، فأمر السلطان ألا يخرج العسكر على سور صبرة. قال ابن شرف أخبرني من أثق به قال: خرجت من القيروان وسرت ليلاً فكنت أكمن النهار، فلم أمر بقرية إلا وقد سُحقت وأُكلت، أهلها عراة أمام حيطانها، من رجل وامرأة وطفل، يبكي جميعهم جوعاً وبرداً وانقطع المير عن القيروان؛ فعطلت الأسواق وأمسك العرب جميع من أسروه، فلم يطلقوا أحداً إلا بالفداء مثل أسرى الروم، وأما الضعفاء والمساكين فأمسكوهم لخدمتهم

ولعلَّ من أهم مآثر بني هلال أنهم ربطوا المغرب العربي ببقية العالم العربي لغة وشعباً، ذلك أن العرب هناك كان عددهم قليلاً، قبل وصول الهلاليين

معارك وأعلامواستطرد الحافي: في الجاهلية نجد أنَّ بني هلال اشتركوا مع قبيلتهم هوازن في حروب ومعارك في نجد والحجاز، مثل يوم النباع والرقم ويوم حاجر والخنان والرحرحان وشعب جبلة وحروب الفجار وغيرها، وآخرها في يوم حنين. ومن بني هلال أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث، ولبابة الكبرى أم عبدالله بن عباس، ولبابة الصغرى أم خالد بن الوليد، وكذلك منهم الشاعر والفارس حميد بن ثور الهلالي

حقيقة هجرتهم
قال المحاضر: تحفظ لنا كتب التاريخ مسيرتهم إلى شمال إفريقيا، بدءاً من أحداثهم مع الشريف شكر أبو الفتوح، زوج الجازية أخت حسن بن سرحان، الذي تولى إمارة مكة في 430 هجرية. يقول ابن خلدون «وهم متفقون على الخبر عن حال هذه الجازية والشريف خلفاً عن سلف، وجيلاً عن جيل». ثمَّ يذكر ابن فهد في «إتحاف الورى» سنة 440 هجرية «وفيها كان بمكة غلاء وبلاء»، ويستمر ذكر الغلاء والجوع حتى سنة 450 هجرية، وخلال هذه السنوات كانت هجرة بني هلال إلى شمال إفريقيا. ويقول شاعرهم:

هذي ثمان سنين ما لاح بارق              ولا مزنة غرا ولا بذار 

وفي بداية وصولهم إلى إفريقيا كان عددهم قليلاً، لا يتجاوز ثلاثة آلاف فارس، واستمر تزايدهم حتى بلغ في السنة التالية سبعة آلاف وخمسمئة فارس. الآثار الحضارية للتغريبة الهلاليةلعلَّ من أهم مآثر بني هلال أنهم ربطوا المغرب العربي ببقية العالم العربي لغة وشعباً، ذلك أن العرب هناك، كان عددهم قليلاً، قبل وصول الهلاليين، وكانوا مستقرين في الحواضر الكبرى كتونس والقيروان، وكانت اللغة الغالبة على السكان هي الأمازيغية، وجاء الهلاليون بأعدادهم الهائلة وانتشروا في جميع أصقاع المغرب العربي، وعربوا البلاد فأصبح المغرب العربي عربياً خالصاً من حيث اللغة ومن حيث كثرة السكان العرب والأمازيغ المستعربين بحيث ينتشر العرب في غالبية مناطق برقة وطرابلس وفزان ليبيا كما يشكلون جزءاً من سكان الجزائر اليوم. تحقيق أشعارهم الموثقة في مقدمة ابن خلدونقال الحافي: أعمل منذ عشرين عاماً على سلسلة تأصيل الأدب الشعبي في الجزيرة العربية، والذي نسعى من خلالها إلى إيجاد منطلق رئيس لا يستغني عنه الدارس والباحث في أدبنا الشعبي. ففي الإصدار الأول والمسمى (الديوان الأول للشعر الشعبي: الشعر البدوي منذ ألف سنة) حققت وصححت فيه القصائد الأولى لما عُرف بالشعر البدوي، والتي دونها ابن خلدون في مقدمته مقتصرين بذلك على ما دُوِّن فقط عند ابن خلدون. وأضاف: نكتفي باستعراض أحد النصوص التي أوردها ابن خلدون وقمت بتحقيقها، وهو للشاعر سلطان بن مظفر بن يحيى، ويرد نسبه في داود بن مرداس بن رياح بن أبي ربيعة بن نهيك بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان. وذكر أنه من أهل الرياسة فيهم

يا من لقلبٍ حالف الوجد والأسى 
     وروح هيامٍ طال ما بي سقامها
حجازية ابدوية اعربية 
                   فداوية ولها بعيد مرامها
امولعه بالبدو ما تألف القرى 
               سوى هامل الدهنا تداني خيامها
غياث ومشتاها بها كل شتوه 
               منجوبة فيها وفيها غرامها
ومرباعها عشب الأراضي من الحيا 
          توافي من الخور الخلايا جسامها
يشوق شوف العين مما تدارجت عليها 
          من السحب السواري غمامها
وهذي بكت بالما وهذي تناطحت  
      عيون غزار المزن عذب جمامها
كأن العروس البكر لاحت ثيابها عليها 
            ومن نور الأقاحي خزامها
فلاة ودهنا واتساع ودمنه 
            ومرعى شوامه في مراعي نعامها
ومشروبها من محض ألبان شولها غنيم 
       ومن لحم الجوازي طعامها
تغابت عن الأبواب والموقف الذي 
    يشيب الفتى مما يقاسي زحامها
سقى الله وادي المسيجيد بالحيا 
    ويالا ويحيى ما بلا من رمامها
مكافاتها با الود منى وليتني 
       ظفرت بأيام مضت في ركامها
وكم من رداح أسهرتني ولم أرَ
       من الخلق أبهى من نظام ابتسامها
وكم غيرها من كاعب مرجهنه 
           أمطرزة الأجفان باهي وشامها
أيا من وعدني الوعد هذا لى متى
      فنى العمر في دار عماني ظلامها
ولكن رأيت الشمس تكسف ساعة
      ويغما عليها ثم يبدد غيامها
بنودٍ وراياتٍ من الشرق أقبلت إلينا
       بعون الله تهفو أعلامها
الا وا على بالعين اظعان عزوتي
      ورمحي على كتفي وسيري أمامها
بنجد عتلت الفرق فوق شامس
     أحب بلاد الله عندي حثامها
إلى منزلٍ بالجعفرية إلى اللوى
    مقيم بها ما لذ عندي مقامها
وتلقى سراة من هلال بن عامر
   يزيل الصدى والغل عني سلامها
بهم تضرب الأمثال غرب ومشرق
       إلى قاتلوا قوم سريع انهزامها
عليهم ومن هو في حماهم تحية
  مدى الدهر ما غنى بغينا حمامها

مناسبة القصيدة:

ذكر ابن خلدون أنَّ الشاعر قال القصيدة وهو بالمهدية في سجن الأمير أبي زكريا بن أبي حفص أول ملوك إفريقيا وعصر الأمير أبو زكريا كان في مطلع القرن السابع الهجري، حيث استقل بأمر إفريقيا سنة 625هـ وتوفي سنة 647هـ. وبالتالي القصيدة قيلت في تلك الفترة، كما أنَّ هناك دلالات قوية في النص تشير إلى: – أنَّ الشاعر بدوي قادم من الحجاز متغرب عن أهله وهم بعيدون عن هذه البلاد (المهدية) التي سجن فيها. – أنَّ الشاعر يصف الحجاز ونجد والدهناء والصمان وهي في قلب الجزيرة العربية.  – أن الشاعر يتوجد على مرابع الصبا في الحجاز ويذكر (المسيجيد) بالقرب من المدينة المنورة. – أنَّ الشاعر يريد أن يرجع أو ينتظر قدوم بني هلال بن عامر من جهة الشرق.   – أنَّ الشاعر قد بلغ به الكبر حتى بكى الشباب، وبالتالي يفترض أنه من مواليد أواخر القرن السادس الهجري.  – أنَّ القبائل المهاجرة من الجزيرة لم تهاجر عن بكرة أبيها دفعة واحدة وإنما منهم من بقي، وبالتالي فإنَّ الشاعر إما أن يكون من دفعات متأخرة في الهجرة الإفريقية، أو أتت به ظروف أخرى؛ فالاتصال بين القبائل في إفريقيا والحجاز لم ينقطع إمَّا بداعي القربى أو عن طريق الحج أو عن طريق تجنيد الجيوش وغيره. قصة تشبعت أحداثها بالأساطيرواختتم المحاضر قائلًا: أكاد أجزم بأنَّ كل بيت في الوطن العربي عنده طرف من قصة رحيل بني هلال من الجزيرة العربية، والتي تشبعت أحداثها بالأساطير، ولكن سعياً لحفظ ما تمَّ نقله من قصص وأشعار اقترنت بالبدايات الأولى لتحرر الشعر من حركات الإعراب، سعيت للاقتراب من الحقيقة قدر الإمكان، ووجدت في لغة الرواة البدو ما يلامس الحياة المعيشية للبدو، ونجد ألفاظهم وأدوات حياتهم ومسميات الأشياء على ما هي عليه سواء في ليبيا أو في الجزيرة العربية، على الرغم من أنَّ مصر والشام أقرب للجزيرة العربية جغرافيًّا، ولغة التخاطب لم تختلف بينهم كثيراً كما بين الجزيرة العربية وليبيا، ومع ذلك لم تتفق فيهم الروايات على لغة الأشعار، بينما اتفقت رواية الجزيرة العربية مع ليبيا في الأشعار وظهرت فيها روح الشعر البدوي المملوء بالألفاظ البدوية الأصيلة والصور الحياتية المعتادة بالرغم من اختلاف لغة التخاطب، وهذا إن دلَّ فإنما يدلُّ على حقيقة الأصل الواحد للشعر على الرغم من البعد الجغرافي والاختلاف اللهجوي. وهذا هو الهدف الذي نسعى إليه في تأصيل الأدب الشعبي في الجزيرة العربية، كما أننا أمام نتاج أدبي قصصي عظيم ومتميز، جمع بين النثر والشعر وكلاهما مكمِّل للآخر، ولا يستغنى بأحدهما عن الآخر في السرد القصصي.  واختتمت الأمسية بحوار مطول بين المحاضر والحضور.  إضاءةسعد عبدالله الحافي  *رئيس تحرير مجلة الحرس الوطني.*رئيس لجنة الأدب الشعبي بمهرجان الجنادرية. *شاعر وباحث في التاريخ والأدب الشعبي. *كاتب مقال أسبوعي في جريدة الرياض. 1- المؤهل: *ماجستير علوم إدارية. 2- التجربة الأدبية: *فائز بجائزة ومنحة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز عن بحث «تاريخ الدولة السعودية الأولى والثانية من خلال الشعر الشعبي». *عضو المجلس العلمي لموسوعة الملك عبدالعزيز في الشعر العربي *المشرف على مشروع موسوعة الملك عبد العزيز في الشعر العامي. 3- النتاج الأدبي: *أكثر من خمسمئة مقال ودراسة منشورة تختص بالأدب الشعبي. * (صقر الجزيرة) مسرحية شعرية نفذتها جمعية الثقافة والفنون بالرياض عام 1420هـ. *كتاب الديوان الأول للشعر الشعبي: الشعر البدوي منذ ألف سنة. *كتاب «بنو هلال القصة والأشعار: دراسة مقارنة». *كتاب راشد الخلاوي شاعر القرن الثامن الهجري. *كتاب اللغز الشعري من امرئ القيس إلى محمد بن راشد آل مكتوم: بحث تأصيلي. *دراسة نقدية محكمة عن كتاب «عتيبة» منشورة في مجلة العرب. *دراسة نقدية محكمة عن كتاب «ثلاث قصائد للشاعر الخالد بطي بن سهيل الفل«.