جاسبارو بالبي.. التاجر الذي أصبح رحالة

Business الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مجلة مدارات ونقوش – العدد 14

 963 عدد المشاهدات

الكاتب: محمد التداوي

يُعدُّ جاسبارو ترانكويللو بالبي من أهم الرحالة الذين زاروا الشرق مبكراً، وترك كتاباً يحكي رحلته إلى الهند والشرق، في القرن السادس عشر، وما خصّنا منها كعرب، هي رحلته من حلب وحتى الخليج العربي، تحديداً ميناء هرمز، والعودة إلى حلب. بين سطور كتابه الذي بلغ 159 صفحة، والذي نشره بعد عودته من رحلته الأولى الشهيرة، هناك الكثير والكثير ممّا نستطيع أن نستخلصه عن حال أرض الشام والعراق وأهلها وحكامهم وعاداتهم، مروراً بسكان شاطئ الخليج العربي وبعض من عاداتهم وحرفهم.

 ومن الطبيعي كتاجر أن ينصب اهتمام بالبي أكثر بذكر تفاصيل العملة السائدة في البلدان التي مرَّ بها وقيمتها في مقابل عملات أخرى معروفة في ذلك الوقت في مدينته البندقية، فنحن الآن نعرف الدرهم والدينار والدولار واليورو والجنيه والين… إلخ، وكلها عملات حديثة، في حين يحدثنا هو عن عملات وقيم نقدية ووزنية كانت سائدة في تلك الفترة، التي تعدُّ بدايات فترة التغييب التركي للعالم الإسلامي عامة والعربي خاصةً. في فترة التغييب تلك، جاء مثل بالبي ليصبح شهيراً لا لشخصه ولكن لتعلق ذكراه بتاريخ أرضنا في تلك العصور، وما حكاه عنها، وعن سكن العرب لهذه الأرض على امتداد التاريخ، وإن غاب هو عن تدوين حكايات الشعوب التي صبرت على الظروف الحياتية الصعبة قبل اكتشاف استخدامات النفط، حيث إنه موجود في أرض العرب منذ القدم وهو ما أكده بالبي في كتابه.

منارات حضارية

لم تكن أوروبا نائمة كلياً في تلك العصور، بل كانت هناك منارات حضارية تحاول أن تحافظ على قديم مجد الرومان، وتستقي من الحضارات السابقة خيط العلوم لتبدأ به نهضتها بعد ذلك، وليس هناك أيُّ شك في أنَّ الرحالة كانوا الوسطاء الأوائل لنقل بعض من الصورة الناقصة عن حياة بعض الشعوب وعاداتهم ولغاتهم، وربما للتجارة، ومن حاضرة تجارية قوية مثل فينسيا خرج رحالة ومغامرون كثر، من أشهرهم ماركو بولو مثلاً. لم تكن رحلة جاسبارو بالبي إلى الشرق جولة خالصة لرحالة، إنما كانت في الأساس مقامرة تجارية بطلها ذلك الشاب الفينيسي (نسبة إلى مدينة فينسيا، البندقية في الروايات العربية)، والمولود في عام 1550 ميلادية، والذي أقنع تاجرين كبيرين من المدينة باستثمار مالي معه في تجارة إلى بلاد الشرق والهند يحمل معه منتجات أوروبية مطلوبة في الشرق، ليعود من الشرق بالجواهر والأحجار الكريمة والتوابل، وهي أيضاً نواقص يطلبها السوق الأوروبي. الربح الكبير الذي سيعود عليهما من تمويل رحلة كتلك جعلاهما يضعان ثقة سريعة بعد أن وقَّع لهما جاسبارو على تعهدات مالية تتبع قانون المدينة في ذلك الوقت، وتُدين جاسبارو إن لم يعد بأرباح.

طموح الشباب

شاب صغير السن وطموح ومغامر لا شكَّ في ذلك، لكننا لا نعرف شيئاً عن طفولته ونشأته، وربما لم نكن لنسمع عنه لولا رحلته تلك التي غادر فيها مدينة فينيسيا عام 1576م، ووصل إلى مدينة حلب خلال فترة غير معلومة لدينا، وهي بداية القصة التي تهمُّنا من رحلته التي أخرتها ربما مشكلات وصعوبات لا نعرف عنها الكثير إلى أن غادر حلب في عام 1579م، كما كتب هو على غلاف كتابه الذي نشره بعد عودته من رحلته في عام 1588م.

غلاف النسخة الإيطالية الأصلية
غلاف النسخة الإيطالية الأصلية

عاد بالبي من رحلته ليواجه مصيراً سيِّئاً في البداية، حيث سُجِن حينما قدَّم ورثة التاجرين الأوراق للمحكمة التي حكمت بسجنه قبل أن تفرج عنه بكفالة بعد ذلك. لم يعد التاجر الرحالة بالكنوز من رحلته الأولى، لكنه عاد بكراسة دوَّن فيها أسماء بلدان، وقيماً نقدية وأوزاناً وقصصاً وحكايات ومخاطر، وصداقات بنى عليها بعد ذلك كتابه الذي وضع اسمه بين الرحّالة الأوروبيين الذين زاروا الشرق ودوَّنوا ما سمعوه وشاهدوه. ولا مفرَّ لشاب غريب اللسان من أن يواجه مشكلات في نقل ما سمعه لأسباب ليس أقلها اللغة واختلاف مخارج الحروف، فجاسبارو مثلاً كان ينقل أسماء البلدان كما سمعها، والأذن اللاتينية تنقصها مسامع سبع حروف عن العربية، فلو سمع «جعفر» لكتب «جفر»، هذا مع العين، ناهيك عن الصاد والضاد والغين والقاف والخاء والحاء، ثمَّ زِدْ على ذلك أنَّ هذه المسمَّيات أيضاً مَرَّ عليها خمسة قرون وبالتأكيد طالتها يد الزمن وبدَّلت وغيَّرت لا في المسمّى فقط بل امتدت إلى شكل البلدان، بل هناك بلدان اندثرت وبلدان خرجت من لا شيء، وبغداد نفسها التي كرّر تسميتها «بابل» وهو مخطئ في ذلك، حيث إنَّ بغداد بناها العباسيون من العدم وأصبحت أهم حواضر الدنيا في عصور ازدهارها، ليأتي أيضاً نفس اللغط حول المسمّى المنقول من الرحّالة الأجانب، حيث كتبها كل واحد فيهم بطريقته التي سمعتها أذنه بها، وحسب من نقلها له، فمنطوق التركي غير العربي، غير الأوروبي.

حكاية مغامر

بالطبع لا يعد جاسبارو بالبي كاتباً محترفاً، إنما قام بمغامرة أخرى وهي وضع ما دوَّنه في رحلته إلى الشرق في صورة كتاب، واستعان في سدِّ بعض نواقص الرحلة مثل الحديث عن الوضع السياسي والمدن الكبرى مثل بغداد التي أخذ وصفها نصاً من كتاب رحالة شهير ومعاصر له من المدينة نفسها، ويرجح بعض دارسي رحلته وكتابه بأن نصَّ وصف مدينتي بغداد والبصرة أُخذ من كتاب فيدريجي الفينيسي “رحله إلى الشرق”، وهذا شيء يفهم بوضوح حينما تجد دقته في نقل القيم النقدية والمصرفية مقابل الحديث السريع حول وصف مكان أو أشخاص وأحداث إن لم تكن غريبة بالنسبة إليه. لم تخلُ روايته من ذكر غريب الحكايات مثل تلك التي حدَّثوه فيها عن أنَّ بعض السهول كانت تسكنها في الأزمنة الغابرة خيول ذات شعر أخضر وعيون صُفر، ولكنها لم تخرج عن تخيُّلات جاءت من رحم الروايات الشعبية عن الحيوانات الأسطورية التي تشكِّلُ جزءاً مهماً من ثقافة العراق القديم. إن كانت قصة الخيول أسطورية فقصة الأسود التي تعيش في العراق على أطراف النهر ودلتاه حقيقية، بداية من الرسوم والتماثيل التي تصوّر الملوك في رحلات الصيد أو تمثِّل الأسود المروضة في احتفالات النصر، إلى وجودها الحقيقي وهو ما ذكره في صفحة 75، حيث كانت تهدد الفلاحين وقراهم وهو ما يضطرهم لقتلها قبل أن يحدث العكس، فهناك استحالة للتعايش بين الحيوانات المفترسة والحياة الحضرية.

بحيرات الزيت

من أهم الصور التي نقلها أيضاً ثراء أرض العرب بالنفط، فلم يكن يتخيل أيُّ إنسان أن يكون لتلك البحيرات المملوءة بالزيت الأسود قيّمة حتى بدايات استخدامات مستخرجات ومشتقات هذا «القير» كما سماه بلفظه العربي، وتحدَّث عن أنَّ الاستخدامات المحدودة لهذه المادة تتمثَّل في تبطين المراكب، والمنازل كعازل للخشب عن الماء في الحالة الأولى وللمنازل من أشياء كثيرة.

يحكي بالبي عن مغادرته البصرة إلى البحر المفتوح وهو الخليج العربي ويبدو واضحاً من سرده أنَّ مناخ وشكل المنطقة تغيَّر كثيراً عمّا كان عليه وقت الرحلة، كما ذكر جزراً وشواطئ وودياناً ممتلئة ربما ظنها أنهاراً، وجزراً وارفة وملاحين مهرة وغطاسين بارعين. وربما يعدُّ أهمَّ المشاهد التي نقلها بالبي، مشهد الغطاس العربي في مياه الخليج، وذكره لشكل الغطاس وقدراته ونفسه الطويل وتأكيده أنَّ ما يحكيه لم يُحكَ له، بل شاهده وعاينه بنفسه ونصِّه في الترجمة العربية:

«صباح اليوم التالي وهو يوم ٢٨ من الشهر، وصلنا إلى موضع يقع إلى اليسار، هي جزيرة يقال لها الجبل، هناك غطس رباننا في البحر؛ لأنه لاحظ وجود ثقب في المركب كان الماء يتسرّب منه، فأدخل في الثقب قطعة خشب مصنوعة خصيصاً لسد مثل هذه الثقوب يبلغ طولها نصف ذراع، ويلف في رأسها شعر ذيل حصان فالرجل الذي يغطس في الماء يذهب إلى موضع الثقب في السفينة وما إن يمد الخشبة المذكورة حتى يجذب الثقب الشعيرات فيدفع الخشبة حالاً. إنه أمرٌ عجيبٌ حقاً، بهذه الطريقة يعرف صاحب السفينة أين هي العيوب في سفينته فيعالجها حالاً كما حدث في سفينتنا. وأضيف بهذا الصدد شيئاً آخر عن هؤلاء الملاحين، فهم عند الغطس يضعون على الأنف قطعة من قرن الجدي، تطبق على المنخرين بقوة. والأمر الذي لا يصدق أنَّ أمثال هؤلاء الغطاسيين يبقون مدة طويلة تحت الماء، وهذه حقيقة رأيتها بأمِّ عيني».

 يكمل بالبي الحديث حول رحلته إلى هرمز..

«وأخيراً وصلنا إلى ميناء هرمز، واستغرق السفر من البصرة إلى هنا 31 يوماً؛ لأننا غادرنا البصرة في 9 نيسان (إبريل) 1580م، وفي العاشر من آيار (مايو) وصلنا إلى هرمز».

الحمام الزاجل

مشهد آخر نقله بالبي خاصة في الجزء الأخير من كتابه، تحديداً من ملاحظات رحلة العودة من هرمز إلى البصرة ثمَّ إلى بغداد، وهي قصة الحيلة التي يستخدم فيها التجار العرب الحمام الزاجل لنقل الأخبار والرسائل، فيقول:

«لا أظن أنَّ الكلام الآتي سيعدُّ خارج موضوع الرحلة؛ إذ يطيب لي قبل أن أضع خاتمة الفصل الخاص بأهم أخبار البصرة، أن أروي أمراً لعلَّ بعض الناس لا يصدقونه، ولكنه حقيقي، ومفاده أنَّ بعض التجار الذين يتعاملون بين البصرة وبغداد يحضرون معهم من بغداد بعض أنواع الحمام؛ لأنها كثيرة في تلك المدينة، وعندما ينقلون الحمام داخل أقفاص، لا يدعون الضوء يتسرَّب إليها بكثرة، وعندما يصلون إلى البصرة يحبسون الحمام في غرفة إلى أن تحين الفرصة ليتصلوا بجماعتهم من أجل إطلاعهم على هبوط أسعار التوابل أو صعودها في سوق البصرة، فيكتبون رسالة ويربطونها تحت جناح الحمامة، ولكي لا تضيع المعالم على الحمام فلا ترجع إلى البيت الذي تربَّت فيه، يخرج التجار إلى خارج المدينة مسافة ميل تقريباً، ويطلقون الحمام من هناك، فيصل إلى بغداد في اليوم نفسه، وعندما يلاحظ صاحب البيت وصول الحمام يخرج الرسالة ويطلع على فحواها، وهكذا يتعرَّف تجار بغداد إلى حال السوق بطريقة سهلة لا تكلفهم شيئاً مع المحافظة على السرية في الوقت نفسه، وهو أمر جزيل الفائدة لهولاء التجار.

من النسخة المترجة للغة اللاتينية

وهذا المشهد تحديداً خرج إلى النور بجانب النص في رسم في نسختيه المترجمتين لللاتينية والهولندية، وهو يمثِّل ثلاثة من التجار العرب كما وصفهم يطلقون الحمام الزاجل خارج المدينة.

الحديث عن الترجمة العربية أصبح مهماً جداً، في حالة كتلك، فكتاب رحلة نادرة ووحيدة في ذلك الوقت كان يحتاج إلى تدقيق وتحقيق أكثر، وإن كنَّا نشكر للمترجم الأب د. بطرس حداد نقله إلى العربية، وفي انتظار أن يقوم آخرون بعمل تدقيق أكثر وعمل على الأقل خريطة لخط السير مع توضيح أو إدخال تفسيرات لما لم يستطعه المترجم. النقطة الثانية هي أنَّ اللغة التي كتب بها جاسبارو بالبي كتابه لم تكن لغة أدبية جيدة بقدر ما كانت مباشرة في الوصف والحديث دون الالتفات للجمل اللحنية والجمالية، والتي يفضلها القارئ في العموم. ورافقت تلك الصفة الترجمة فجاءت بالضعف الوصفي نفسه مع تفسيرات متعددة أدخلها المترجم من أجل تفسير الغريب على القارئ غير المطلع على روايات الرحالة الأوائل حول الشرق، تحديداً الخليج العربي منه.

رحلة هرمز

يقول بالبي في كتابه: «لنعد الآن إلى الحديث عن رحلتنا إلى هرمز، فأقول إننا واصلنا الإبحار، ففي الثاني والعشرين من نيسان (إبريل) نحو منتصف الليل، وصلنا إلى جزيرة كبيرة جداً وجميلة للغاية وعامرة بأشجار النخيل، وكانت كل الأراضي إزاء الجزيرة؛ أي على ضفتي النهر خصبة ومزروعة. كان مجرى النهر في ذلك الموضع واسعاً جداً شبيهاً بمجرى نهر النيل، وهناك يتفرَّع من النهر جدول يجري في أرض بيرين (يقصد البحرين في الغالب) وأسجونفان (يبدو أنه اختلط عليه الاسم) ثمَّ يصب في البحر الذي يصطاد منه الناس اللؤلؤ. ولكون ذلك الفرع قليل العمق فهو لا ينفع لسفينتنا، لذلك لم نتوغل فيه بل بقينا في النهر الكبير، وعند حلول المساء توقفنا عند رأس جزيرة تقع بالقرب من البحر الذي هو الخليج (يقصد في الغالب جزيرة بني ياس). وفي الساعة الواحدة من صباح اليوم التالي توغلنا في البحر وكان هادئاً جداً. لذا لم نستطع قطع مسافة طويلة لانعدام الريح. وفي منتصف النهار هبَّت ريح سموم شرقية قوية للغاية، وكانت معاكسة لنا، حتى اقتضت الحالة أن ننزل المراسي من الجهات الأربع في موضع إزاء بلاد العرب الواقعة إلى اليمين، فعن يسارنا بلاد فارس.

في صباح اليو التالي وهو 25 من الشهر المذكور، سرنا سيراً حسناً منذ بزوغ الشمس تدفعنا ريح الجريباء الطيبة. وكانت مقدمة السفينة تمخر البحر قليلاً (في الترجمة بخيلاً) وبعد شروق الشمس بساعة كنّا قد وصلنا إلى المنطقة التي تنتهي فيها السيطرة التركية.

اسم صحيح

وبمناسبة التصحيح، فالتصحيح أيضاً يبدأ من اسم بالبي نفسه وهو جاسبارو، وليس كاسبارو، مع توضيح نطق الجيم في جاسبارو من الإيطالية حيث تنطق الجيم الخفيفة بلسان اليمن القديم أو بلسان سكان مدينة مثل القاهرة، إذاً فهو جاسبارو بن ترانكويللو الذي عمل والده مساعد قبطان في حامية جزيرة كريت، ومن أسرة جاسبارو التي صارت شهيرة بفضل مغامرته التي أعطت لحياته طابعاً مختلفاً، فصار كما عرف بنفسه وكما عرف في سجلات المدينة بالجواهرجي الفينيسي، ولا شكَّ من خلال ما فهمناه من سجلات المحكمة أنه جهَّز لرحلة تالية ربما استفاد فيها ممّا تعلمه في مغامرته الأولى الطويلة والخطرة، والتي حكاها في كتابه الذي رأى النور إلى ترجمات ثلاث في حياته، تبعها أول إصدار بالإنجليزية في لندن بعد عام تقريباً من وفاته، إن كان فعلاً غادر الدنيا في العام 1624م، وليس بعد ذلك، حيث يختفي اسمه من سجلات تجار المدينة في العام التالي، وهو ما يُفَسّر باحتمالية الوفاة، وخاصة أنه كان قد تجاوز الرابعة والسبعين من العمر حينذاك. رحل بالبي وبقي كتابه الذي أبقى له ذكراً ارتبط برحلته إلى بلاد الهند عابراً جزءاً مهماً من أرض العرب.