جمال بن حويرب لـ”بوابة الأهرام”: الشعر الحقيقي عندي ليس بالكثرة فإذا لم يهزك وأنت تقرؤه فهو ليس بشعر

أخبار

 375 عدد المشاهدات

الكاتب: عطا عبدالعال

وهو صغير حفظ شعر العصر الأموي، ولم يشأ أن يحفظ شعرًا غيره، وكما فتنه الشعر الأموي كانت اللغة العربية عنده أكثر فتونًا فدرس “الأجرومية” وهو صغير حتى كتاب “التسهيل”، ومن رحم اهتمامه باللغة وُلد لديه الاهتمام بالتاريخ، فأنشأ له مركزًا للدراسات في دبي واستمرت مشاريعه الثقافية حتى كلفه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بإدارة مشاريع معرفية وتقنية؛ فتقلَّد منصب المدير التنفيذي لمؤسسة محمد بن راشد للمعرفة، إنه الشاعر والمؤرخ الإمارات ي جمال بن حويرب ، الذي التقيناه بمكتبه في مدينة دبي.. فكان هذا الحوار لـ”بوابة الأهرام”

بدأت شاعرًا منذ الصغر، حدثنا عن تجربتك الشعر ية؟ 
الشعر بدأ معي صغيرًا في بداية حياتي، وصقلته بتعلُّم العربية وحفظ أشعار العرب، وانتهى بي الحفظ  بالعهد الأموي ولم أشأ أن أحفظ شعرًا بعده، ولكن في المدارس كانوا يدرسوا لنا بعض الأشعار التي هي ليست من الشعر الأموي، وأصطبغ شعري بالمفردة المعجمية و الشعر الجاهلي؛ لأنني تعمَّقت في أشعارهم وفهمت التراكيب الشعر ية التي بنيت عليها أشعارهم، وسبب ذلك أن أتاني هَواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلبًا خاليًا فتمكَّن مني؛ لأنني من البداية حفظت أقوى شعر وُجِدَ حتى الآن وفهمت التراكيب والمعاني، وكانوا يسمونني بالقاموس لحفظي معاجم اللغة، وبدأت أكتب وأنسج الشعر على هذا المنوال. 

لكن هذا النوع من الشعر الآن برغم جمالياته لا يجد جمهورًا كبيرًا.. كيف ترى ذلك؟
صحيح هذا النوع من الشعر أصبح لا يروق للناس اليوم؛ لأنهم انتقلوا لشعر التفعيلة و الشعر الحر، فلم يعد الناس يحبون قصائد الأطلال التي يصعب فهمها نوعًا ما، وأصبح معظمهم لا يميلون إلى  الشعر المغلق أو الشعر الصعب، وإنما يبحثون عن المفردة والصورة الجميلة والبحورالهادئة، وسبب ذلك سرعة إيقاع الحياة العصرية، إنما قديمًا كان الوقت متاحًا للإنسان فكان بإمكانه أن يستعين بالمعاجم والقواميس اللغوية في البحث عن معنى الكلمة أو المفردة، ولكن الآن ليس لدى الناس هذا الوقت؛ فأصبحوا يفضلون القصيدة البسيطة السهلة التي تلامس قلوبهم.
 
هل ما زلت تكتب القصيدة اليوم بنفس الأسلوب الذي كنت تكتبه في البدايات؟
وجدت نفسي أمام موقف اُضطررت فيه أن أكتب قصيدة، ولكي أقنع الطرف الآخر أُضطررت أيضًا أن أغيّر أسلوب هذه الأبيات وكتبتها في بحر جميل وقافية هادئة، ونجحت فيما أردته لها فتغيَّرأسلوب شعري من ذلك اليوم وصار أخف، والمفردة صارت أبسط وأسهل ثمَّ بعد ذلك كتبت قصيدة أسمها “حديث النفس” فيها الكثير من التمعُّن وقافيتها لم يكتب فيها إلا القليل من الشعر اء، وفيها كثير من الفلسفة والحمة والتمعن، وتوقفت عند قولي:

والناس صنفان صنف لا ترى ضرراً … منهم وفضلك معروف وإن جنفوا وآخرون لئام ووعدهم كذب … وفعلهم دنس والقول مختلفُ
ما في صداقتهم إلا الأذى أبداً … وإن دعوتهم للخير ما عرفوا
الناس منهم كرام بالندي سعدوا … وظالمون لئام كالقذى خلقوا
 وذي الحياة كبحر كله صدف …

 وبقيت شهراً كاملا متوقفاً عن إكمال هذه القصيدة، ومضى هذا الشهر وأنا أحاول إكمال القصيدة ولم أستطع قول كلمة واحدة حتى مررت مرة بأحد أخوالي وجلست معه فقال لي: يا بني الناس مثل المحار أو الصدفات في كل مائة محارة صدفة حصباء واحدة والحصباء نوع نفيس من اللؤلؤ، ولحظتها خرجت من عنده وأنا أكمل القصيدة، وكانت قصيدة طويلة فيها كثير من الحكمة وأعدُّ هذه القصيدة بمثابة النقلة الثالثة في شعري. 

متى بدأ التحول الحقيقي لديك في كتابتك للقصيدة؟
من المعروف أنَّ الشاعر يرفض أن يعود للمستوى الأقل، أما المرحلة التأسيسية بالنسبة لشعري فكانت مرحلة قصيدة “لبنى” والتي كتبتها في ستة أشهرعلى الرغم من أنها لا تتجاوز أربعين بيتاً، هذه القصيدة كانت نقطة التحوُّل التي لا عودة بعدها، وكل القصائد التي بعدها بنيت على هندسة قصيدة لبنى.

لماذا لا تكتب الشعر إلا قليلًا ؟
عندما أكتب الشعر إمّا أكتب قصيدة أراها ذات قيمة ويمكن أن تبقى وتخلّد وأرضى عنها، وإمّا لا أكتب، ولهذا لا أكتب الشعر كما يكتب الآخرون، ولذلك فإنني أكتب كل ستة أشهر أو كل سنة قصيدة، مع أن الشعر يمتزج بروحي وفكري ولكنني لا أكتبه إلا إذا كان يستحق أن يقال والآن عندي ثلاثة دواوين شعرية أولها «لبنى» والثاني «الفاتنة» والثالث بعنوان «المجد»، وأجهز لدواوين أخرى و الشعر عندي ليس بالكثرة؛ فإذا لم يهزك الشعر وأنت تسمعه وتستفيد منه، وإذا لم يحثك على المجد فهو ليس بشعر.

هل بدأ فتونك بعلم اللغة مبكرًا كفتنتك ب الشعر الأموي؟
أنا فتنت باللغة العربية منذ صغري بسبب جدي الشيخ مبارك – رحمة الله عليه – ومرة كنت أزوره وأنا صغير فقال لي: أعرب (أكلت السمكة حتي رأسها وبدأ يسألني: ما النحو في اللغة؟ وما النحو في الاصطلاح؟ وهكذا فكنت أجيبه: لا أعرف فقال لي: اذهب أنت لا تعرف شيئاً، ومن حينها عدت إلي البيت وبدأت أدرس علم اللغة، ولم أعد لزيارته إلا بعدما تعلمت النحو ودرست علوم اللغة العربية، وعندما رجعت إليه سألني نفس الأسئلة فأجبته ففرح بي وضمني إليه وحينذاك شعرت أنني حصلت على كنز ثمين، وهكذا بدأ اتجاهي لدراسة العربية مبكراً وهو ما جعل عقلي يفوق عقول أقراني بكثير، فقد كنت طوال الوقت مشغولاً بالقراءة والبحث والسفر من أجل التعلُّم؛ فدرست العربية من الأجرومية حتي كتاب التسهيل، وركزت على الدراسات اللغوية أكثر من النحوية، وأغلب دراساتي وقراءاتي كانت تدور حول المفردة وما يدور حولها؛ لأنَّ المفردة هي التي ترتقي بالتأليف والبحث و الشعر والمخزون اللغوي، وأنا مخزوني اللغوي كبير جداً، فاللغة هي التي صنعت شخصيتي. 

وما العلاقة بين اهتمامك بالتاريخ بعد ذلك ودراستك اللغة حتى إنك أنشأت مركزًا للتاريخ؟
بسبب اهتمامي بمعجم القاموس المحيط الذي وجدته يهتم بأسماء الرجال وضبطها وأسماء المدن، بدأ اهتمامي بتاريخ الأعلام فبدأت أبحث في التاريخ وأنا صغير عن الأنساب والوثائق والمخطوطات، وكل ذلك وفَّر لي حصيلة كبيرة جداً من علم تاريخ المنطقة، وكنت إذا دخلت غرفتي أجد الكتب تدور من حولي حتى تصل إلى أكوام، وبمرور الأيام بدأ الناس يهتمون بالتاريخ، فبدأت أكتب من التاريخ في جريدة البيان الإمارات ية كلَّ يوم صفحة، وأتذكرأنني في شهر رمضان في إحدى السنوات نشرت 30 حلقة كل منها في صفحة كاملة عن تاريخ شاعر واحد أسمه «مبارك العقيلي» وبعد انتهاء شهر رمضان بدأت أكتب كل أسبوع صفحة من التاريخ تحت عنوان «باب المعارف» وهكذا ارتبط أسمي بالتاريخ واللغة و الشعر .

وأنا لا أحب إقامة أمسيات شعرية؛ لأنني لا أحب أن أقف وأقرأ شعري على أحد، وربما أستحييت من بعض المعارف في مصر أو في تونس وشاركت في أمسية أوأمسيتين، وبعد تأسيس «باب المعارف» شاركت في إنشاء مجلة الصدى الإمارات ية لفترة، ثم بعد ذلك كلفني صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بإدارة مشاريع معرفية كالتعليم التقني في الدولة حتي هذه اللحظة، لكنني لم أنقطع عن عالم الشعر و الأدب والتاريخ وبدأت كتبي تتوالي، وفي عام 2009 نظمت مهرجان دبي الدولي للشعر، وكان أكبر مهرجان للشعر في العالم، ونحتاج أن نعيد إطلاقه الآن وعندما شرفني وكلفني صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بإدارة مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة بدأت أعمل بحماس كبير اعتماداً على المخزون المعرفي الذي تكوَّن لدي.

وفي عام 2010 بدأت التفكير في إنشاء مركز للتاريخ والدراسات وجمعت فيه كتب التاريخ والتراث واللغة، وكان يجتمع فيه عدد من المؤرخين، وأنشأنا للمركز موقعاً إلكترونياً وأصدرنا له بعد سنوات مجلة «مدارات ونقوش» وهي مجلة شهرية تعنى بالتراث والتاريخ ودراسة الخيول العربية، وتتم ترجمة أهم موضوعاتها إلى اللغة الإنجليزية، وهذه روافد للمعرفة والعلم لإفادة الناس.

المصدر : بوابة الأهرام

9-4-2019