حكام دبي لا يتغيَّرون

الإمارات المستجدات ١ مجلة مدارات ونقوش – العدد 13

 131 عدد المشاهدات

الكاتب: علي عبيد الهاملي – كاتب إماراتي

 

 «كلُّ شيء تغيَّر في دبي.. إلا الحاكم» كان هذا هو عنوان المقالة التي كتبها الصحفي اللبناني الراحل سليم اللوزي، مؤسِّس ورئيس تحرير مجلة «الحوادث» اللبنانية قبل 50 عاماً، مصدّراً بمقالته تلك العدد الخاص الذي أصدرته المجلة عام 1969 تحت عنوان «دولة التجار تدخل عصر البترول».

الدولة التي قصدتها المجلة هي إمارة دبي، والحاكم الذي قصده سليم اللوزي هو الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، عليه رحمة الله، والمناسبة التي صدر فيها العدد هي تصدير النفط من إمارة دبي. فلماذا أطلقت المجلة على دبي، التي كانت في ذلك الوقت إمارة، مسمّى «دولة».. وماذا قصد الكاتب بقوله: «كلُّ شيء تغيَّر في دبي.. إلا الحاكم»؟ هذه الأسئلة تجيب عن بعضها المقالة نفسها، وتترك بعضها الآخر لذكاء القارئ وفطنته.

يقول سليم اللوزي في بداية مقالته، التي ضمّنها حديثاً للشيخ راشد، عليه رحمة الله، ربما يكون هو الحديث الصحفي الوحيد الذي أدلى به في حياته، حيث لم أجد له أحاديث صحفية في أرشيف الصحافة، ولا إذاعية أو تلفزيونية في أرشيف الإذاعة والتلفزيون:

عند منعطف تاريخي حاسم.. تقف اليوم إمارة دبي لتلقي نظرة على الماضي.. إنَّ قصة دبي تختلف عن قصة أيَّة إمارة من إمارات الخليج العربي.. إنها قصة صراع مع المستحيل، ومع كلِّ شيء صعب وشاق.. فمِن لا شيء استطاعت إرادة الرجال أن تصنعَ كلَّ شيء.. ومن دون روبية أو ريال من عائدات النفط استطاع حاكمها البدوي الذكي أن يخلق في قلب الصحراء واحة غنّاء، أطلق عليها العرب اسم «لؤلؤة الساحل» وأطلق عليها الغربيون اسم «بندقية الخليج».

ثمَّ يمضي اللوزي في سرد حكاية دبي، وكيف تكوَّنت الإمارة، والصعوبات التي واجهها حكّامها عبر مسيرتها، وصولاً إلى حاكمها آنذاك، الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، الذي يورد الكاتب على لسانه في نهاية المقالة هذه الكلمة:

«إنَّ مهمة الحكم في السنوات القادمة سوف تكون أكثر صعوبة، لقد نجحنا في بناء بلد نموذجي من دون أن يكون عندنا نفط، لذلك ينتظر الناس الآن أن نصنع لهم المعجزات بالنفط الذي تدفَّق علينا مرة واحدة، ولكن زمن المعجزات قد انتهى.. اليوم هو زمن العلم والتخطيط والخبرة، وعلينا أن نستفيد من تجارب الذين سبقونا؛ فنعتمد على الدراسات المسبقة والتخطيط استعداداً لاستقبال الخير القادم، بحيث ينساب في أقنية المشاريع المعدة سلفاً». ويختم الشيخ راشد كلامه وعيناه زائغتان وراء الأفق البعيد: «سوف تصادفنا مشكلات ومتاعب، ولكنها سوف تكون مشكلات التنظيم ومتاعب التقدم».

يعلِّق سليم اللوزي قائلاً:

وبعد..

هذه هي دبي..

وهذا هو حاكمها..

ومن أجل هذا يقولون في لؤلؤة الساحل: «كلُّ شيء تغيَّر في دبي.. إلا الحاكم».

 

غلاف مجلة الحوادث
غلاف مجلة الحوادث

 

مقال سليم اللوزي
مقال سليم اللوزي

 حديث الشيخ راشد، عليه رحمة الله، عن العلم والتخطيط والخبرة، وحديثه عن الدراسات المسبقة والتخطيط لاستقبال الخير القادم، يذكّرنا بأحاديث صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، الدائمة عن فلسفة الحكم لديه، وعن أهمية التخطيط للمستقبل، ولعلَّ آخرها المبادئ الثمانية التي أعلنها بمناسبة إتمام سموه 50 عاماً في خدمة الوطن، منذ توليه أوّل مسؤولية، قائداً لشرطة دبي، والدعوة التي وجهها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، إلى أبناء وبنات الإمارات لتوجيه الشكر لسموه.

لم تكن العلوم قبل نصف قرن كما هي الآن، ولم يكن في المنطقة حكّام يعرفون التخطيط واستشراف المستقبل، لكن راشد، عليه رحمة الله، كان سابقاً لعصره.. أدرك أنَّ الذهاب نحو المستقبل دون تخطيط مسبق أشبه ما يكون بدخول معركة دون سلاح، وتوقَّع أن تصادفه مشكلات ومتاعب، لكنها سوف تكون مشكلات التنظيم ومتاعب التقدُّم، كما قال عليه رحمة الله لسليم اللوزي، لذلك أعدَّ نفسه لتحديات المرحلة المقبلة. ومثلما كان هناك مشجعون ومؤيدون لكلِّ مشروع جديد طرحه الشيخ راشد، عليه رحمة الله، أو خطوة مستقبلية فكَّر فيها، كان هناك مثبطون ومعارضون ومشككون.

يورد المؤرخ البريطاني «غريم ويلسون» في كتابه «راشد الأسطورة.. جذور آل مكتوم وتاريخ دبي» مقولة للسياسي البريطاني الشهير إدوارد هيث، الذي كان عضواً في البرلمان البريطاني في ذلك الحين وأصبح رئيساً للوزراء بعد ذلك، حيث يقول عن الشيخ راشد، رحمه الله، في معرض حديثه عن فترة الخمسينيات من القرن الماضي:

«مرات عدة أثناء هذه الفترة، من جهات متنوعة، مررت بإشارات عابرة إلى دبي، وأحياناً أيضاً بهذا الرجل الاستثنائي ذي الرؤية الاستثنائية، الذي خاض تحدي إخراج هذه القرية من العصور المظلمة. وتكوَّن لديَّ انطباعٌ بأنه يحظى بالاحترام لأسلوب تفكيره وجهوده. ولكن بين بعض المسؤولين البريطانيين، كان هناك من يتصوَّر أنه قد يفشل في النهاية، ذلك أنه لن يستطيع تحقيق شيء من دون النفط». ولقد ثبت خطأ هؤلاء المسؤولين البريطانيين. وفي وقت لاحق، أدرك هيث، عندما فكَّر في مدى خطأ هؤلاء المسؤولين، أنهم لم يستوعبوا قدر الرجل الاستثنائي.

«كلُّ شيء تغيَّر في دبي.. إلا الحاكم» كان عنواناً ذكياً، وضعه صحفيٌّ ذكيٌّ، لا يدرك معناه إلا الأذكياء فقط. هذا ما أثبتته الأيام عبر مسيرة دبي وحكّامها الكرام، فعدم التغيُّر هنا لا يعني الجمود، وإنما يعني الثبات على المبدأ، ومبدأ حكّام دبي دائماً هو أنَّ ما حقَّقناه ليس هو نهاية المطاف، وإنما هو حافز ودافع لتحقيق المزيد. وهذا هو ما فعله صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، عندما أعلن وثيقة الخمسين، التي تضمَّنت تسعة بنود تضمُّ جوانب من رؤية سموه لمدينة دبي المستقبل، والحياة التي يتمناها لكلِّ من يعيش في مجتمعها.