حكيم من بلاد تسيجها المفاخر ويحيطها الكرم

أعلام الراوي مجلة مدارات ونقوش – العدد 12

الكاتب : جمال بن حويرب

في كلِّ يوم تظهر للمؤرخين في الخليج العربي وثيقة من الوثائق التاريخية المحفوظة هنا وهناك، وربما عند أقوام لا يعرفون ما هي؟ وما قيمتها؟ وقد تكون هذه الوثيقة مهمة جداً، حيث يمكن أن تظهر حقيقةً كان الناس بعيدين عنها، أما الروايات الشفهية والمقالات القديمة وقصاصات الأخبار التي عفَّى عليها الزمن، ولم تعد في ذاكرة أحدٍ بعد مرور كثير من السنين على نشرها؛ فإنّني أشاهد زيادةً مطردة في أعدادها، خاصة بعد اهتمام الأعيان بها لمعرفة ماضيهم، وصار بالإمكان أن يعرفوا جزءاً من تاريخهم، وقد يشترون هذه المعلومات بالأموال الطائلة، مما شجّع الباحثين عن الصور والقصاصات الصحفية والمجلات في البحث عنها وجمعها من مصادرها، وكل هذا يعجبني جداً وأشعر بأننا في صحوة بعد الغفوة الطويلة التي كنّا فيها، ولكنْ هناك أمرٌ ينبغي أن لا نغفل عنه؛ ألا وهو تحرّي الصدق والتثبُّت من الأخبار وربطها بشكل صحيح، والبعد عن المزوّرين والكذّابين الذين يقلبون الحقائق ويزوِّرون الوثائق.كلمات معبرةوأنا أكتب هذه الحلقة عن الشيخ عبدالله، تذكّرت هذه الكلمات الجميلة المعبّرة لزوجته الشاعرة الكبيرة الشيخة سعاد الصباح، حفظها الله، والتي نشرتها منذ أشهر قليلة، وقالت في مقدمتها: إلى روح زوجي وصديق الزمن الجميل عبدالله مبارك الصباح.. في ذكراه:خُذْني إلى حقيقتيخذني لما وراء الوقت والأيَّامْ      خذني لما وراء البوح والكلامْفإنني أريدُ أن أنامْ. .      ما أجملَ السُّكنى معكْعلى حدود الضَّوءِ والسَّحَابْ      أو تحتَ جَفْنَيْ كلْمةٍأو دَفَّتَيْ كتَابْ     ما أجملَ الهُروُبَ في الفجر معكْمن غير تفكيرٍ.. ولا خوفٍ.. ولا نَدَامَةلا تختلف حالة دولة الكويت في بداية القرن العشرين إبّان حكم الشيخ مبارك الكبير عن حال باقي دول ساحل الخليج العربي؛ فكلُّ دولةٍ أو لنقل إمارة، كانت تعيش الأوضاع المعيشية نفسها، والحالة الاقتصادية والتعليمية والسياسية متقاربة إلى حد كبير؛ فتجارتهم بيع اللؤلؤ، ومعيشة عامة الناس من الغوص أو صيد الأسماك، أما قبائل الداخل فهي متناحرة فيما بينها، لا تهدأ غارة حتى تُشنَّ غارة، والأمراض والأوبئة متفشية في كلِّ مكان ولا تكاد ترى طبيباً، وإن وجدت فلن يعدو عن كونه أقل رتبةً من ممرض أو يكون دجّالاً من الدجّالين الذين لا يعرفون من الطبّ إلا اسمه، أما التعليم فليس هناك إلا ما يُسّمى الكتاتيب ولا يعرفون معنى للتعليم الحديث، في حين كانت أوروبا وأمريكا وغيرها من الدول المتقدمة تنعم بالتقدّم والصحة والرفاهية؛ فقد أخذوا بزمام الحضارة منذ قرون.

الشيخ عبد الله بن مبارك الصباح (1991-1914)

موقع الكويت المهم جذب إليه أنظار الدول الكبرى من أمثال الدولة العثمانية وبريطانيا، وفي عام 1793م نقلت شركة الهند الشرقية التابعة للعرش البريطاني عمل وكالتها التجارية من البصرة إلى الكويت، إثر خلاف حصل بينها وبين العثمانيين الذين يحكمون العراق آنذاك، ما يدلُّ على استقلالها عن الإنجليز، ويدلُّ أيضاً على أنَّ نفوذ الأتراك كان ضعيفاً، وإلا لما تكرَّر نقل الوكالة البريطانية من وإلى الكويت مرات عدة. تطور كبيرتطوَّرت الكويت بشكل تدريجي منذ حكم آل صباح الأول، ولكن كما ذكرت لم يكن هناك فرق كبير بين دول ساحل الخليج؛ إذ لم يظهر النفط بعد، ولم تكن ثَمّة تجارة غير تجارة اللؤلؤ الذي كان الطوّاش، وهو بائع اللؤلؤ، المستفيد الأكبر منه.عندما حكم الشيخ مبارك الكبير في سنة 1892م، وهو جد العائلة الحاكمة اليوم في الكويت، قام بمهمات كبيرة وأعمال عظيمة أرست دعائم الحكم، وأظهرت الكويت على الخارطة السياسية في الجزيرة العربية، وكان من أهمها استقباله للإمام عبدالرحمن بن فيصل آل سعود رحمه الله وأسرته وأعوانه لسنوات، ثمَّ مشاركته معه لاسترداد ملك أجداده، والذي نجح فيها ابنه الشاب عبدالعزيز في أحداثٍ تاريخيَّةٍ يطول ذكرها هنا.كان عمر الشيخ مبارك الكبير يوم توليه حكم الكويت يزيد على الخمسين، وبقي حاكماً حتى سنة 1915م، رحمه الله، وقد رُزق قبل عام من وفاته في الثالث والعشرين من شهر أغسطس عام 1914، بمولود سمّاه “عبدالله” تيمُّناً باسم جده، ويكون على ذلك الفرق بين الوالد والابن في العمر أربعاً وسبعين سنة يوم ولادته، وأربعاً وخمسين سنة بينه وبين أخيه الشيخ جابر بن مبارك الذي ولد سنة 1860م، وتولى حكم البلاد بعد وفاة والده حتى سنة 1917م.العلم في الباديةبعد وفاة الشيخ مبارك الكبير تولت الشيخة شفيقة تربية ابنها الشيخ عبدالله تحت إشراف إخوته الكبار، وعندما شبَّ قليلاً أخذه مطلق أبو حديدة الرشيدي إلى البادية ليتعلّم قساوة الحياة، وليشتدَّ عوده، وهي عادة الملوك والأمراء في الجزيرة العربية منذ قديم الزمان، وقد بقيت هذه التربية الأولى معينة له طيلة حياته.التحق الشيخ عبدالله أولاً بالكتّاب، ليتعلم القراءة والكتابة وقراءة القرآن، ثمَّ التحق بالمدرسة المباركية التي افتتحها والده سنة 1911م، وتعدُّ أوَّلَ مدرسة نظامية في تاريخ الكويت، وتعلَّم فيها لفترة قصيرة؛ لأنَّ التعليم في تلك الأيام لم يكن كما ترونه اليوم، فإنه يكفي الطالب أن يبقى سنة أو سنتين من التعليم ليتلحق بعمل والده أو عمل أهله؛ لأنَّ الحياة القاسية لا تسمح لهم بأكثر من هذا القدر في التعليم.في سنة 1926م طُلِبَ من الشيخ عبدالله، وهو في الثانية عشرة من عمره، أن يشارك في مهمة حراسة سور الكويت؛ تقول الدكتورة سعاد الصباح: «كان الشيخ عبدالله مسؤولاً عن حراسة إحدى بوابات السور وهي دروازة الشامية ويرجع تكليفه بهذه المهمة وهو في هذه السن الصغيرة إلى ما تمتّع به من شخصية محبوبة وقوية».قلتُ: اختيار الشيخ في هذه السن المبكرة للقيام بهذه المهمة يدلُّ على ثقة الحاكم، وهو ابن عمه الشيخ أحمد الجابر الصباح، وأظنُّ أنهم يريدون منه أن يتعلَّم تحمُّلَ المسؤوليات، ولم يخطر على بال الشيخ عبد الله، وهو فتى صغير، أنه سيبقى في المجال العسكري طيلة حياته.لا تسعفنا المصادر الموجودة عن حياة الشيخ عبدالله بن مبارك الصباح كثيراً من أخباره، ولا تشير إليه الوثائق إلا بعد أن تجاوز الثلاثين من عمره؛ أي في أوائل الأربعينيات، وأظن ذلك يعود لعدم تكليفه بمناصب قيادية في تلك الفترة، ولكن يشير المؤرخ محمد النبهاني في تحفته إلى أنَّ الشيخ عبدالله هدم قصر “مشرف”، وجدَّد بناءه على الطراز الحديث عام 1938م، وجهزه بالكهرباء ووضع فيه مذياعاً بعد أن فرشه بأحسن الأثاث الفاخرة الحديثة، وقصر “مشرف” بناه والده الشيخ مبارك على هضبة مشرفة على البلدة القديمة والساحل، ولهذا سمّاه مشرفاً، ولا تزال أطلاله شاهدة على ذلك التاريخ القديم من حياة الكويت والشيخ عبدالله بن مبارك الكبير.الماضي والحاضركنت أفكّر في روعة المتاحف العالمية، وخاصة الغربية منها ومن سار في دربهم من الأمم الأخرى، وهالني أعداد التحف والوثائق والممتلكات المعروضة فيها، أمّا التي توجد في المخازن فحدثوا ولا حرج؛ فإنها أكثر بآلاف المرات عن التي توجد في صالات عروضهم. ولتقريب الأمر إليكم، فقد اطلعت بنفسي على قوائم متحف واحد في لندن؛ فوجدت لديهم ما يزيد على خمسين مليون قطعة تتفاوت ما بين الصغيرة إلى الكبيرة، ذلك أنّهم أمّة تعرف كيف تحافظ على ماضيها وتجتهد في تحديث حاضرها وتعمل من أجل مستقبلها. وإنّي إن قلت هذا وأكبرت من شأن الغربيين، فهذا لا يعني أن أغفل عن ذكر جهود العرب في هذا المجال، وخاصة دول الخليج العربي التي تنفقُ مبالغ كبيرةً من أجل البحث والتنقيب والحفظ، ولكنّنا ما زلنا في البدايات ونحتاج إلى قفزات سريعة وكبيرة لكي نصلَ إلى مستوى الدول المتقدمة.أقول هذا، لأنَّني أعاني كثيراً قلَّة المعلومات التاريخية، وندرة الممتلكات الشخصية للأعلام الذين أتحدَّث عنهم في برنامجكم “الراوي”، ولهذا أقترح على حكومات دول مجلس التعاون الخليجي أن يخصِّصوا متاحفَ تجمع مقتنيات هذه الشخصيات المهمة، وتحافظ عليها وتخلدها للناس عامة وللباحثين خاصة، وإذا تمَّ هذا الأمر فسيكون خدمة عظيمة للتاريخ، ومنّة كبيرة من أهالي هذه الشخصيات المجتمعية العامة.فارس الفرسانلا أشكُّ في أنَّ الشيخ عبدالله بن مبارك الصباح شارك مع أسرته آل الصباح الكرام والشعب الكويتي المخلص في التصدي للأعداء، وخاض غمار المعارك دفاعاً عن وطنه، وقد كان مساعداً للشيخ علي الخليفة العبدالله الصباح، وهو من قادة معركة الجهراء في سنة 1919م، وموقعة الرقعي في عام 1928م، وقد أصيب فيها. وكان الشيخ علي الخليفة محافظاً لمدينة الكويت، ومديراً لدائرة الأمن فيها، وبهذا يكون الشيخ عبدالله قد تعلَّم على يد فارس من فرسان آل الصباح وأحد القادة المشهود لهم بالشجاعة والقوة، وله مواقف مشهودة، وكان يكبر الشيخ عبدالله بخمس وثلاثين سنة.في الثلاثينيات من القرن الماضي أصبح الشيخ عبدالله مسؤولاً عن مكافحة التهريب، ولو تخيّلنا صعوبة الأمر في هذه الأيام مع وجود كلِّ هذه الأجهزة الحديثة والمعدات والمدرعات وغير ذلك مما يستخدمها رجال الداخلية الأبطال في دول مجلس التعاون، فسنعرف أنَّ عملية مكافحة التهريب في حدود مترامية الأطراف وفي صحراء خالية، أمرٌ أشبه ما يكون بالمستحيل، ولكن الشيخ عبدالله كان يؤدّي مهمته بما يستطيع، وقد أدت عمليات مكافحة التهريب إلى غضب بعض القبائل وسبَّبت حرجاً فيما بينها، ما جعل الحكومة العراقية تتخذ إجراءات مشددة أضرت بنقل مياه الشرب إلى الكويت؛ فتدخَّل الوكيل السياسي البريطاني ديكسون لحلها.في هذه العمليات الخطيرة واجه الشيخ عبدالله الموت مرّات عدة؛ فقد حدثت مواجهات بالسلاح الأبيض وبعضها كان بإطلاق النار، وكان يستخدم سيارات بالأجرة لهذا العمل؛ لأنّه لم تكن هناك سيارات حكومية للقيام بهذا العمل. والحمد لله على هذه النعم والأمن الذي ننعم به اليوم.بسبب نشأة الشيخ عبد الله في البادية ومعرفته بأهلها وأسرارها، عُهِدَ إليه بأن يكون مسؤولًا عن أهل البادية؛ فكان يحلُّ خلافاتهم، وينجد القبائل إذا تعرّضت إلى هجوم من قبائل خارج الكويت؛ لأنَّ الصحراء العربية متواصلة ولا حدود تحدُّ أيَّ قبيلة من مهاجمة أخرى في تلك الأيام، وكانت أغلب الغارات من أجل أخذ الإبل؛ فكان الشيخ يتعقَّب الغزاة ويرد ما يستطيعه إلى القبائل المغار عليها.كل هذا أكسبه مهارة عسكرية كبيرة وترابطاً مع أهل البادية من القبائل؛ كالعجمان ومطير وشمر والرشايدة والعوازم وغيرهم. وكان الشيخ عبد الله ورجاله يفترشون الرمال ويشربون من مياه يستخدمون غترهم لتصفيتها من الشوائب، كان من نتائج هذا الترابط أن كوَّن ولاءً سياسياً يثبّت أركان حكم آل الصباح.في سنة 1940م، حصل خلاف بين اثنين من عمال الأميرة نورة أخت الملك عبدالعزيز وبعض الكويتيين، انتهى بالاعتداء فلما اشتكى المعتدى عليهم عند الشيخ عبدالله قام بمعاقبة العاملين؛ فأثار هذا الأمر غضب الملك عبدالعزيز وطلب بتسليم الذي عاقبهما، تقول الشيخة سعاد الصباح: «طلبت الأسرة الحاكمة من الشيخ عبدالله السفر لمقابلة الملك عبدالعزيز ورافقه رئيسه الشيخ علي الخليفة، فلما دخلا عليه جلس الشيخ عبدالله في مكان أبعد بحكم صغر سنه، وجلس الشيخ علي قريباً من الملك؛ فطلب الملك من الشيخ عبدالله أن يشرح هذا الموضوع، فلما شرحه له .

الشاعرة سعاد الصباح

قال الملك: لقد فعلت الصواب ولولا أنك واثقٌ من ذلك لما كنت تحضر بقدميك إلى هنا، أنت ابن مبارك، أنت تضرب عنّا ولا لوم عليك”. وقد قدَّم لهما الملك عبد العزيز هدايا ومنها سيارتان من طراز فورد، وظل محتفظاً بإحداهما حتى سنة تسعين ونهبت أثناء الغزو العراقي.الحرب العالميةفي سنة 1942م انتقل إلى جوار ربه الفارس الشيخ علي الخليفة؛ فخلفه في منصبه مساعده الشيخ عبد الله بن مبارك، فأصبح رئيساً لدائرة الأمن العام ومحافظاً لمدينة الكويت، وكان ذلك في حكم الشيخ أحمد الجابر، ولا ننسى أنَّ هذه الفترة هي فترة صعبة على المجتمع الدولي، وقد خيّمت بظلالها المشؤومة على الخليج العربي؛ فهي فترة الحرب العالمية الثانية وكانت تحمل كثيراً من التهديدات خاصة على المستعمرات البريطانية.عندما استلم الشيخ عبدالله دائرة الأمن العام لم يكن بها غير ثلاثة موظفين؛ وهم عبداللطيف الثويني، عثمان بوقماز وأمين سنجر؛ فبدأ مباشرة بعمليات تطوير الأمن.حصلت حادثة في سنة 1944م، حيث انتشرت عمليات التهريب بين الكويت والعراق وأثناء مطاردة أحد المهربين أُطلق النار على أحدهم فقُتِلَ، وكان من عشائر المنتفق الكريمة، فطالبت بتسليم القاتل وهدَّدت بالإغارة على الكويت، فطلب الشيخ أحمد الجابر من الشيخ عبدالله أن يتصل بهم ويحاول أن يخفّف غضب قبائل السعدون؛ فما كان منه إلا أن ذهب إليهم ويقول عن وصوله: «عندما وصلت إلى المنتفق شعرت بأنني أدخل ساحة معركة؛ فالرجال مسلحون ومنتشرون في كل مكان، وخيام شيخهم كانت تحت حراسة مشددة والكل مستعد للقتال». قام الشيخ عبدالله بمناقشة شيوخ المنتفق وأقنعهم بقبول الدية وتمَّت المصالحة بنجاح واستخدم علاقاته القديمة بهم.تقديراً لجهود الشيخ عبدالله منحت الدولة البريطانية في عام 1945م وسام الإمبراطورية الهندية من درجة رفيق cie، وقد كتب مع الوسام: سعادة الإداري الحازم الشيخ عبدالله مبارك رئيس الأمن العام في الكويت.في سنة 1947م زار المؤرخ محمد النبهاني الكويت؛ فدعاه الشيخ عبدالله المبارك إلى زيارته مرتين  في قصر مشرف وأقام له مأدبة كبيرة، وهذا يدلُّ على حرص الشيخ عبدالله على لقاء العلماء والمؤرخين والأدباء، يقول الشيخ النبهاني عنه: «إنَّ الشيخ عبدالله ذو فكرة وقّادة، ونظر بعيد مع نشاط حيوي، وهو القيام بأنظمة الوطن وراحة الأهالي مع تفقُّد ذويه من آل الصباح قاصيهم ودانيهم».

يداً بيد مع الشيخ صباح الأحمد حيث كان الشيخ عبدا لله المبارك الداعم لشباب الأسرة

صفة الكرم كان الشيخ عبدالله كريماً منذ صغره، وكلُّ من التقى به يذكر هذه الصفة عنه.قد يطول بنا الكلام عن بعض الأعلام الكبار؛ فأحتاج إلى مزيد من الوقت للحديث عنهم، ولن أستطيع أن أوفيهم حقهم، ولكني أكتفي بالانتقاء من أخبارهم لأتمكَّن من رواية سيرة مختصرة تبيّن لنا أهمَّ مراحل حياتهم وأعمالهم. وبعضهم لو خصصت جميع حلقات هذا البرامج لما كانت كافية لإكمال تاريخهم من أمثال قائدنا الخالد الشيخ زايد بن سلطان، وأخيه الشيخ المُلهم راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمهما الله.وكم قيل لي: نشعر بأنَّ في القصة بقية ولم تكملها؛ فأجيب: بل هناك أخبار طوال تحتاج إلى تفصيل، وأَعِدُكُم أيُّها الأعزّاء، وأَعِدُ كلَّ من يسألني أن أجمعَ هذه الحلقات في كتابٍ، وهنا أستطيع أن أضيف من المعلومات كيفما شئت، ولن يحاصرني وقت البرنامج. هذا وعدٌ، وانتظروا الجزء الأول من كتاب الراوي قريباً إن شاء الله.وقبل أن أتابع رواية هذه الحلقة أريد أن أنبّه على أمر مهم لذوي هذه الشخصيات التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من تاريخ المنطقة، لديَّ فكرة لكم لتخليد أعلامكم: لماذا لا تقومون بفتح صفحة على شبكة الإنترنت أو الفيسبوك أو تويتر وتبثُّون من خلالها أخبار عَلَمِكُم الصحيحة، وتنتقون الوثائق المؤكّدة، وتصوّرون مقتنياته وكتبه وأوراقه، لتكون متاحة للناس؛ فيكونوا أقرب له ويتعرفوا إليه وإلى أعماله.عصر النفطعندما أدار الشيخ أحمد الجابر الصباح، رحمه الله، العجلة الفضية لاستخراج النفط بكميات كبيرة وتجارية في 30 يونيو من عام 1946م، معلناً بداية عصر جديد لدولته، بدأت أعمال التطوير تتسارع عجلتها من جميع النواحي الاقتصادية والتعليمية والثقافية والسياسية، وجاء هذا الرزق الربّاني في الوقت نفس الذي فقد الناس في الخليج العربي ثروة اللؤلؤ، وكانت أسواقه العالمية في تدهور سريع أدّى إلى إفلاس كثير من التجار.بلغت عوائد النفط ذلك العام 760 ألف دولار، ثمَّ زادت في العام التالي إلى مليوني دولار، وبلغت عوائد النفط الكويتية في عام 1948م أكثر من خمسة ملايين دولار؛ فانعكست هذه الزيادة الكبيرة على ميزانية الدولة وظهرت الطفرة الكبيرة التي نقلت الكويت من حال إلى حال.لم يكن الشيخ عبدالله بن مبارك بعيداً عن موقع القرار؛ تقول الدكتورة سعاد الصباح: «كان قدر الشيخ عبدالله أن يكون في موقع رسم السياسات واتخاذ القرار وتحمُّل المسؤولية، وشملت جهود الشيخ مختلف جوانب الحياة الاجتماعية؛ فقام بالعمل على تأسيس محطة إذاعة الكويت التي افتتحت رسمياً في عام 1952م، وكانت تشغل غرفة واحدة في دائرة الأمن العام، وقام بإدارتها محمد توفيق الغصين ومساعده مصطفى أبوغريبة، وكان كلاهما قد عملا من قبل في إذاعة الشرق الأدنى بقبرص، وافتتحها الشيخ بكلمة: إني آمل أن تكون نواة لإذاعة كبرى تعبّر عن صوت الكويت».كانت الإذاعة تبثُّ برامجها لمدة ساعتين، ثمَّ زيدت إلى ثلاث ساعات ونصف، وقد ذكر القنصل الأمريكي في تقريره أنَّ عدد أجهزة الراديو زادت بشكل كبير على سنة 1950، حيث بلغت خمسة عشر ألف جهاز تقريباً، وهذا يدلُّ على اهتمام الكويتيين بالإذاعة التي افتتحها الشيخ.قصيدة وشوقوفي سنة 1952 أيضاً، سافر الشيخ عبدالله، وأظنه أطال في سفره خارج الكويت حتى اشتاق إلى رؤيته الشاعر والأديب عبدالله الصانع، رحمه الله، فكتب قصيدة رائعة من عيون شعره يذكر فيها شوقه إليه، وأنه ينتظر استماع خبر رجوعه من المذياع، ويذكر فيها جميل صفات الشيخ عبدالله وكرمه فيقول فيها:تباري غمامَ الوسمِ جدواكَ إنْ همى        وينشر منها نسمةَ المسكِ جودُهاوكم لك يا بنَ الأكرمين لدى العلا        مشاهدُ مجدٍ لم تُغيَّبْ شهودهاأبوك الذي ساد الملا في زمانه        وجاءته إرغاماً لدى الأمر صِيدُها(مباركُ) من قد بارك الله أمرَه        وأبقى لنا مِن الفخرِ حوضاً نرودهاونال التي ما لم ينل في حياتهِ         مجارٍ له إلا كبا من يريدهاتغيَّبتَ يا ذا المجدِ عني فإنني         لبُعدِك في ظلماءَ ثاوٍ ركودهاأراقبُ ميقاتَ الإذاعة علّني         أحسُّ بمن قد نال عنك بعيدُهالأنك عندي في الشدائدِ جُنّةٌ        ومربعُ خصبٍ إن فنى لي حصيدُهافي السنوات التي تلت، أشرف الشيخ عبدالله على تطوير الإذاعة وأجهزتها حتى بلغت ساعات البث ست عشرة ساعة في سنة 1960م.وفي سنة 1953م، أنشأ الشيخ عبد الله نادياً للطيران، واستقدم له مدرباً إنجليزياً، وقام بإدارة النادي مصطفى صادق، وقد أشرف أيضاً قبل ذلك على إنشاء ميناء الأحمدي عام 1951م، وقد أنشأ إدارة العمل والهجرة لتنظيم دخول العمالة الوافدة، ولكونه رئيساً لمجلس المعارف أشرف على تطوير التعليم وتحديث مبانيه.أثناء العدوان الثلاثي على مصر في سنة 1956م، كانت هناك مظاهرات، وخاصة من المصريين والفلسطينيين الذين يقيمون في الكويت، ولم يكن صحيحاً مواجهة التيارات القومية تلك الأيام؛ لأنها ستؤدي إلى كوارث، وبعد انفجار ست عشرة قنبلة في حقول النفط، وصل الأمر إلى الخطورة القصوى، فبدأ الشيخ عبد الله اجتماعاته مع قادة التيارات القومية وقال لهم: «من يُرِد التبرُّع بالمال فباب التبرُّع مفتوح، ومن يُرد التبرُّع بالنفس فإنَّ الطائرات موجودة وستحمله إلى ساحات الحرب، والسلاح موجود، وأنا أضمن وصولكم إلى مصر». بهذه الكلمات استطاع أن يقنع قياداتهم وانتهى الأمر بسلام.

مع جرحى حرب عام ١٩٧٣

شخصية عربيةلم يقتصر دور الشيخ عبدالله على المساهمة في بناء الإدارات العامة والمرافق التي تفيد المواطنين وتطويرها، بل كان ينوب عن الحاكم كثيراً، ويمثّله في الداخل والخارج بكل جدارة، وكانت تربطه برجالات السياسة الدولية علاقات طيبة، وإن كانوا مختلفين، تقول الشيخة سعاد: «تمتَّع الشيخ عبدالله بشخصية ذات قبول عربي عام، فلم يدخل في محاور السياسة العربية ومناورتها، وأقام صداقات مع أطراف متعددة، رغم ما وقع بينها من خلافات ونزاعات حادة؛ فنجد مثلاً أنَّ الروابط التي جمعته بأسرة آل سعود كانت متينة ومتميزة في الوقت نفسه الذي تمتَّع بعلاقات وطيدة مع الساسة المصريين كجمال عبدالناصر والسادات، وكان يحضر حتى زيجات بناتهم، وكذلك مع الساسة السوريين على الرغم ممّا شاب العلاقات السعودية مع مصر وسوريا من توترات بالغة في بعض الفترات».كان الشيخ عبد الله بن مبارك الصباح يتمتّع بصفات قيادية وأخلاق عالية وكرم مشهود له، قال عنه الأستاذ فكري أباظة في عام 1958م: «إنه صنديد وبطل، استقبلني مفتوح القلب باسم الثغر وضّاء الجبين، فلما استهللنا الحديث بالشكر على الكرم والتكريم قطع علينا الكلام غاضباً محتجاً وقال: لا أسمح بهذا التعبير، أنتم هنا في بلدكم وفي وطنكم وفي بيتكم». ثمَّ يتابع أباظه فيقول: «إنَّ التجربة الطويلة والسجية العربية الأصيلة تضفي على تصرفات الشيخ عبدالله الإدارية والسياسية ولأحاديثه المختلفة سحراً وجاذبية؛ فهو بحق السهل الممتنع».بعيداً عن السياسةفي سنة 1961 وهو في بداية الخمسينيات قدَّم استقالته من جميع مناصبه، وقرَّر عدم الدخول في الحياة السياسية، لكنه ظلَّ قريباً من أسرته آل الصباح حتى يوم وفاته فجر الخامس عشر من يونيو عام 1991م، رحمه الله رحمة واسعة وأدخله فسيح جناته.