راشد الذي عرفته.. الإعلام.. مسؤولية

الإمارات المستجدات ١ ذكريات (مفكرة أخبار دبي) مجلة مدارات ونقوش – العدد 12

 74 عدد المشاهدات

الكاتب : خليل البري

– حقيقة لايعرفها إلا قليلون، تتمثَّل في أنَّ إيقاف الشيخ راشد «أخبار دبي» وإصدار «البيان» محلها، جاء التزاماً بقرار مجلس الوزراء برئاسته، والذي يقضي بعدم منح أيّ تراخيص إعلامية جديدة في الدولة، وبذلك قد رسّخ، رحمه الله، قاعدة في الحكم مفادها أنَّ القانون ينبغي أن يسري على الجميع دونما تمييز.

 الشيخ راشد بن سعيد والتصوير 
 الشيخ راشد بن سعيد والتصوير 

 


بعض الإعلاميين والصحافيين، ومعهم كثير من المهتمين والمتابعين، كانوا يعتقدون أنَّ المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، لا يحب الصحافة والصحافيين، ولا الإعلام والإعلاميين، ويستشهدون على ذلك بأنه، رحمه الله، لم يدلِ بأيِّ تصريحات لرجال الصحافة والإعلام، ولم يجرِ إلا ما ندر من مقابلات صحافية يتحدث فيها عن الشأن الداخلي، وكانت البلاد حينذاك “في سبعينيات وثمانينيات” القرن الماضي، أحوج ما تكون إلى تصريحاته، كونه نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، والشريك الأساسي للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيَّب الله ثراه، في تأسيس وقيام اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة، التي راهنت بعض القوى الإقليمية والدولية على عدم استمراريته لفترة طويلة؛ بسبب عراقيل محلية وإقليمية، وتجارب عربية، وحدوية واتحادية، سابقة كان مآلها الفشل، بل الفشل الذريع، كمشروع الوحدة السورية – المصرية، في العام 1958، والتي تمَّ وأدها في العام 1961، أو مشروع الاتحاد الثلاثي، بين مصر وسوريا والعراق، الذي لم يبصر النور، وتمَّ دفنه قبل أن يولد، إضافة إلى تجارب اتحادية أخرى لم تكن سوى حبر على ورق!وكوني عاصرت الشيخ راشد، رحمه الله، من خلال عملي كصحافي في مجلة «أخبار دبي» في الفترة من 1976 إلى 1980م، حيث تمَّ إغلاقها بقرار من سموه، لتصدر محلها جريدة «البيان» اليومية، أستطيع أن أقول بكل شفافية وتأكيد، إنَّ الشيخ راشد لم يكن أبداً كارهاً للإعلاميين والصحافيين، بل كان محباً لهم، ومقدراً جهودهم وساحة عملهم، وأستشهد بذلك على قرار سموه في العام 1975م، بتقديم الدعم المادي والمعنوي لكل صحيفة يومية تفتتح مكتباً لها في إمارة دبي التي كانت تفتقر إلى وجود جريدة يومية، حيث كانت كل الصحف اليومية «الاتحاد، الوحدة، الفجر، الوثبة وصوت الأمة» تصدر في إمارة أبوظبي. ولم يكن يوجد في دبي حينها سوى مجلة «أخبار دبي» الأسبوعية. فلو كان الشيخ راشد لا يداني الصحافة والصحافيين، لما أقدم على هذه المبادرة الداعمة لصاحبة الجلالة ورجالها. ومن خلال هذه المبادرة جئت إلى دبي وتشرفت بمقابلة سموه ممثلاً لصحيفة الوحدة، ولأنتقل بعد نحو شهرين إلى العمل في «أخبار دبي»، ومن بعدها جريدة «البيان» وليستمر عملي في بلاط صاحبة الجلالة نحو 45 عاماً، كلها في دبي.

القانون فوق الجميع

ثانياً: عندما قرَّر الشيخ راشد، رحمه الله، أن يكون لدبي صحيفتها اليومية انطلاقاً من إدراكه بدور الإعلام وأهميته في قيادة المجتمع ومسيرة التنمية التي انطلقت بقوة، مستلهمة أفكاره النيرة  ونظرته إلى المستقبل، وتلبية لحاجة ملحة محلياً وإقليمياً، ولتعبِّر عن الوجه الحقيقي للؤلؤة الخليج، الإمارة الحالمة الناهضة اقتصادياً وثقافياً وتعليمياً، أمر سموه بوقف صدور مجلة «أخبار دبي» وتحويل رخصتها إلى جريدة «البيان». علماً بأنه كان بإمكانه إعطاء الأمر بصدور هذه الجريدة اليومية مع الإبقاء على المجلة الأسبوعية، كونه نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، لكن هناك حقيقة لايعرفها إلا قليلون، تتمثَّل في أنَّ الشيخ راشد كان حريصاً على أن يكون قدوة للآخرين في تطبيق القانون والإحساس بالمسؤولية  التي ينبغي أن يتمتّع بها كلُّ مسؤول، من خلال الالتزام بقرار لمجلس الوزراء برئاسته، والذي يقضي بعدم منح أيِّ تراخيص إعلامية جديدة في الدولة، وبذلك رسَّخ، رحمه الله، قاعدة في الحكم مفادها أنَّ القانون ينبغي أن يسري على الجميع دونما تمييز. والآن نرى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، يرسِّخ رؤى والده في الحكم والقيادة، من خلال البند الثاني من المبادئ الثمانية التي وضعها سموه لحكم هذه الإمارة، «لا أحد فوق القانون في دبي، ولا أستثني أحداً من الأسرة الحاكمة. ولا فرق بين مواطن ومقيم، أو غني وفقير أو ذكر وأنثى أو مسلم وغير مسلم في تطبيق القانون».

ثالثاً: الشيخ راشد، ومن خلال إيمانه بدور الصحافة والإعلام في المجتمع، وفي كشف السلبيات وأوجه القصور لدى بعض الدوائر والمؤسسات الخدمية، كان ،رحمه الله، يتابع شكاوى المواطنين، سواء بصورة مباشرة كالاستماع إليهم مواجهة، أو بما يرفعونه من خلال رسائل يوجهونها إلى ديوان سموه، أو بما تنشره الصحافة ووسائل الإعلام بصورة عامة، ومجلة «أخبار دبي» بخاصة.

وهنا أذكر أنَّ الزميل الراحل محمد نوراني، قد نشر في «أخبار دبي» تحقيقاً صحافياً تناول فيه رسوماً خدمية كانت تتقاضاها البلدية آنذاك، قدرها ألف درهم، لقاء تغسيل جثة المتوفى وإعدادها للدفن، وقال في التحقيق، «أما يكفي أهل الميت هماً ومعاناة لنزيدهم العبء بألف درهم قد لا يقدرون عليها في أحيان كثيرة؟!».

وعندما اطلع الشيخ راشد، رحمه الله، على هذا التحقيق أمر بإلغاء هذا القرار، وأن تتحمَّل البلدية كلَّ مصاريف الغسل لمن يتوفى في إمارة دبي، سواء كان مواطناً أو وافداً. ولا يزال الأمر سارياً حتى اليوم.

 

 

 الشيخ راشد كان مولعا بالقراءة ومتابعة ما تنشره الصحف اليومية
 الشيخ راشد كان مولعا بالقراءة ومتابعة ما تنشره الصحف اليومية

 

متابعة يومية

كان المرحوم ناصر بن راشد لوتاه، عضو المجلس الوطني الاتحادي، والمجلس البلدي في دبي، قد حدثني في سبعينيات القرن الماضي، بأنه كان يقوم ببناء بناية ضخمة “في عرف ذلك الوقت” على شارع الشيخ زايد، تقع مقابل برج خليفة حالياً. وأنه توقَّف لبضعة أشهر عن إتمام البناء لإدخال بعض التعديلات على تصاميم البناية، ويومها أشارت مجلة « أخبار دبي» إلى هذا التوقف الطارئ. وذات يوم وبينما هو جالس في مجلس الشيخ راشد، رحمه الله، أشار إليه هامساً، لماذا توقَّف العمل في بنايتك؟ هل تحتاج إلى مساعدة مالية أو دعم فني؟ قال ناصر: لقد بهت واستغربت، من أين عرف الشيخ راشد هذا الأمر! فقلت له: يا طويل العمر العمل لم يتوقَّف، بل نحتاج إلى بعض التعديلات في التصاميم. فأصرَّ على أنَّ العمل متوقفٌ منذ بضعة أشهر، وأنه تابع الموضوع بنفسه، كما اطلع عليه من «أخبار دبي»!

وتدخل يومها مدير البلدية السيد/ كمال حمزة الحسن، لِيُطَمْئِنَ الشيخ راشد بأنَّ العمل في البناء سوف يُسْتَأْنَفُ قريباً.

حنكة وبعد نظر

أمّا لماذا كان الشيخ راشد لا يلتقي رجال الصحافة والإعلام إلا فيما ندر؟ فقد وجهت هذا السؤال إلى المرحوم ناصر بن صالح بن لوتاه، أحد مستشاري الشيخ راشد للأعمال الخيرية، فقال لي، لقد أمضيت مع الشيخ راشد أعواماً طويلة؛ فعرفته رجلَ عملٍ من الطراز الأول، كان، رحمه الله، يعمل في صمت وبسرية تامة فيما يتعلَّق بالأعمال الخيرية مثل حفر الآبار وبناء المساجد والمدارس والعيادات الطبية، سواء في المناطق النائية من الدولة أو في البلاد العربية والإسلامية في قارتي آسيا وإفريقيا، ولا يحب الإعلان عنها أو التحدث بها، امتثالاً للتعاليم الإسلامية.

ولعمري هنا يكمن السبب الرئيس في ابتعاد سموه عن الإدلاء بكثير من التصريحات، أو إجراء مزيد من المقابلات الصحافية والإعلامية؛ فهو لم يكن منعزلاً  أو مبتعداً عن وسائل الإعلام، وإنما كان مقلاً في الأحاديث الصحافية، لكن عندما تقتضي الأمور الضرورية التصريح عنها فإنه يتحدث عنها بشفافية وإيمان. وأستدلُّ هنا يوم قرَّر بناء ميناء جبل علي، على الرغم من معارضة العديد من مرافقيه، وسأله حينذاك صحافي أجنبي عن سبب اختياره هذه المنطقة الشاطئية من سواحل دبي الممتدة لعمل هذا المشروع الضخم؟ ولمّح الصحافي وقتها إلى إمكانية فشل هذا المشروع، لكن الشيخ راشد سايره وأخذه بحلمه، وردَّ عليه قائلاً: إنَّ إقامة هذا الميناء تأتي تماشياً مع خططنا لجعل هذا البلد مركزاً له شأنه في المجتمع العالمي، وتحويله من بلد يعتمد على التجارة فقط، إلى مركز يسهم في الصناعات العالمية المتطورة، ويسهل السبل أمام هذه الصناعات لتمضي قدماً في خدمة الإنسانية ومجالات الحياة المختلفة.

 

 

 

الشيخ راشد والملكة إليزابيث لدى افتتاح المبنى الجديد لبلدية دبي خلال زيارتها للبلاد في العام 1979
الشيخ راشد والملكة إليزابيث لدى افتتاح المبنى الجديد لبلدية دبي خلال زيارتها للبلاد في العام 1979

 

وقد أيَّد أفكار سموه وفدٌ تجاريٌّ يابانيٌّ زار دبي حينذاك، واطلع على منطقة جبل علي، وعلى أفكار الشيخ راشد بشأن إقامة الميناء، وكان رد رئيس الوفد: «إنَّ هذا المشروع سيكون الأنجح على مستوى المنطقة، بل وسيشكِّل أهمَّ مصادر الدخل لدبي ما بعد عصر النفط».

وقد كان سموه يتمتَّع بحنكة وبعد نظر قلَّ مثيلهما، وكان مؤمناً بدور الإعلام في مسيرة التطور والبناء، وبحرية الكلمة وتأثيرها في المجتمع، وخاصة إذا كانت هذه الكلمة صادقة وتنقل الوقائع بأمانة وشفافية. وأذكر في هذا المجال صحيفة كويتية كتبت كلاماً سلبياً مسَّ سموه شخصياً، وشكَّكت في الإنجازات الاقتصادية والعمرانية التي حقَّقتها دبي على يديه. 

وحاول بعض المسؤولين، آنذاك، منع توزيعها في دبي، لكن أمر سموه جاء حازماً بعدم منعها، قائلاً: «إذا كان كلامهم صحيحاً فقد أصابوا، وإن كان ظلماً فالناس يعرفون من أنا».