رحلة إلى سورات 1689 مدينة مسقط في بلاد العرب السعيدة جون أوفينغتون

المستجدات ١ مجلة مدارات ونقوش – العدد 12

مدارات و نقوش – دبي 

قام القس البريطاني جون أوفينغتون عام 1689 برحلة إلى الهند، أودع وصفها في كتاب أسماه “رحلة إلى سورات”، وقد خصَّص جزءاً من كتابه لوصف “مسقط وسكانها في بلاد العرب السعيدة عُمان”، وضمّنه أيضاً وصفًا لمدينة “المخا” الساحلية في اليمن ومدن ساحلية أخرى مطلة على البحر الأحمر.

بلاد سعيدة

مسقط مدينة في بلاد العرب السعيدة، الواقعة إلى الشرق من تلك السلطنة، وتطل على الخليج العربي. وعلى الرغم من أنَّ أيّاً من أصقاع الجزيرة العربية لم يكن يتصف بالخصوبة التي تتصف بها مناطق أخرى في العالم أقل شهرة منها، فإنَّ هذا الجزء من شبه الجزيرة العربية كان يتميّز بالعذوبة والخصوبة. ففضلاً عن وفرة عدد الماشية، تتصف تربة مسقط بالخصوبة، ويتمُّ فيها إنتاج الذرة والفاكهة والتوابل زكية الرائحة بكميات هائلة، كما تكثر فيها السلع المفيدة مثل العقاقير والبلسم والمر والبخور والسّنا والتمور والذهب واللبان واللؤلؤ، وتمارس التجارة الدائمة في السلع الثمينة النادرة مع بلاد فارس ومصر وسوريا وجزر الإنديز وغيرها. وعلاوة على موقع مسقط قرب مضيق هرمز، فإنها المركز التجاري الرئيس بين الشرق وذلك الجزء من بلاد العرب السعيدة، ففي فصل الصيف وحده، كان صيد اللؤلؤ بجزيرة البحرين الواقعة في أعالي الخليج يُكسب المكان مزيداً من الشهرة والأهمية. تقع مسقط مباشرة تحت مدار السرطان، وتحيط بها جبال صخرية شاهقة، ويحميها سور قوي، وهي محصنة بخمس أو ست قلاع وبالمدفعية، وتتميّز بموقعها المناسب للتجارة لقربها من مرفأ آمن.

 

صورة تاريخية لمسقط القديمة
صورة تاريخية لمسقط القديمة

 

يتصف معظم أهل مسقط بالقوام المعتدل النحيل، والبشرة شديدة السُّمرة، وطبقة الصوت غير القوية، ويتميزون بالقوة والرجولة، وبالمهارة في رماية القوس والسهم. وقد عُرفوا منذ حروبهم مع البرتغاليين بالبراعة في الرماية، وبالمهارة والجاهزية في استخدام الأسلحة النارية التي كانوا يقضون جانباً من النهار في التمرّن عليها.

’’ يتصف معظم أهل مسقط بالقوام المعتدل النحيل والبشرة شديدة السُّمرة، وطبقة الصوت غير القوية ويتميزون بالقوة والرجولة، والمهارة في رماية القوس والسهم

وصف الحياة

كانت الأرض تنتج لهم أنواعاً مختلفة من بديع الثمار، كالبرتقال والليمون والأترج والعنب والمشمش والخوخ ومعظم أنواع الخضراوات الجذرية والأعشاب الخضراء، لكن السلعة الأساسية في البلاد هي التمور التي كانت لها بساتين ممتلئة بها تمتد لمسافة أميال، وكانوا يمتلكون كميات وفيرة من هذه الثمرة التي كانت لها سوق رائجة في الهند، حيث كانت سفن عدة تبحر من هنا إلى هناك لا تحمل سوى التمور.

تتصف الجبال عموماً بأنها جافة وجرداء، ومن ينظر إليها يستنتج أنها لا تصلح للسكن، ولا تنتج القوت للإنسان أو الكلأ للحيوان؛ فالتربة تفتقر إلى الرطوبة، والأرض جافة كأنها صحراء قاحلة، حيث لا ينبت فيها عشب أو أزهار أو أشجار ذات أوراق أو ثمار، فإذا ما نزل المرء بنظره إلى الوديان وجدها خضراء مزهرة، تغطيها الخضرة الملائمة لمتعة الحيوانات وانتعاشها؛ إذ تعوّض هذه الوفرة والخصوبة في الوديان جَدب الجبال وجفافها.

 

جون أوفينغتون (1653-1731)

وُلِدَ جون أوفينغتون في قرية ميلسونبي قرب دارلنجتون في يوركشاير في أوائل العام 1653، والداه هما جيمس وماري أوفينغتون. كانت عائلة أوفينغتون عائلة محترمة من المزارعين، يرقد العديد من أبنائها في مقبرة كنيسة ميلسونبي، وعلى بعد بضعة أميال توجد قرية صغيرة تحمل اسم أوفينغتون.

درس جون أوفينغتون في مدرسة القواعد التابعة لأبرشية كيكربي رافينسورث. وفي 5 مايو عام 1671، عندما كان عمره خمسة عشر عاماً، تمَّ تسجيله كمستجد في كلية ترينيتي في دبلن، وربما كان له أقارب في دبلن، ولذلك ذهب إلى هناك. وفي عام 1675 أصبح طالباً وحصل على درجة البكالوريوس في العام نفسه، ثمَّ الماجستير بعد ثلاث سنوات. وبعد ذلك انخرط جون أوفينغتون وهو بسن 22 عاماً، في كلية سانت جورج، كامبريدج.

وفي 11 إبريل عام 1689، الذي يصادف يوم تنصيب الملك وليام الثالث ملكاً على إنجلترا، أبحر أوفينغتون من مدينة جريفسيند على متن السفينة «بنجامين» التابعة لشركة الهند الشرقية، حيث تمَّ تعيينه قساً على السفينة، وكان دارجاً في تلك الحقبة تعيين قس على كل سفينة سواء كانت تجارية أو حربية. أبحرت السفينة «بنجامين» من جريفسيند إلى ماديرا البرتغالية التي يصفها أوفينغتون وصفاً بديعاً، مروراً بمدينة ماليمبا على الساحل الإفريقي، وأخيراً جزيرة سانت هيلينا في المحيط الأطلسي. لتتابع شق عباب البحار قبالة سواحل مدغشقر، ثمَّ جزر القمر، لتصل أخيراً إلى بومباي بتاريخ 29 مايو عام 1689. أجبرت الظروف الجوية ركاب السفينة بمن فيهم أوفينغتون على البقاء في بومباي ثلاثة أشهر ونصف. وقد وصف أوفينغتون بومباي بأنها مدينة كئيبة، ومرتعاً للرذيلة والسكر والعربدة، لذا ما لبثت السفينة أن غادرتها في منتصف شهر سبتمبر متجهة إلى سورات لتغادرها متجهة إلى أخين ومضيق ملقا، غير أنَّ أوفينغتون بقي في سورات، حيث تولى مهام القس في المصنع الإنجليزي في سورات حتى عودة السفينة إلى سورات عام 1693.