زايد الإداري الأول

block-2 مجلة مدارات ونقوش – العدد 8

 90 عدد المشاهدات

الكاتب: علي عبيد الهاملي – كاتب إماراتي

 

 

تتحدث نظريات الإدارة الحديثة عن صفات قائد فريق العمل، وعن الإداري الناجح. وتضع على رأس هذه الصفات تواصلهما مع فرق العمل المختلفة، ومتابعتهما المستمرة لها، ووقوفهما على سير العمل في المواقع المختلفة، كي يشعر العاملون أنه ليس هناك من يتابع عملهم فقط، وإنما من يقدره أيضاً.

 وليس في هذا أدنى شبهة اتهام لهم بالتقصير، بقدر ما فيه من إشعار لهم بأن ما يؤدونه مهم، وأنه يحتل قمة اهتمامات القائد الذي لا تكتمل قيادته إلآ باكتمال إدارته لجميع الفرق العاملة معه، إذ لم تعد القيادة مقتصرة على السياسة فقط، وإنما يقع في صلب اهتمامها أيضا الإدارة والاقتصاد. ومن أراد أن يستزيد فما عليه إلا قراءة كتاب «رؤيتي» لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، حفظه الله، الذي أصبح مرجعاً في الإدارة الحديثة.

لهذا كانت زيارات المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، للمدارس والجامعات والمستشفيات، ومواقع العمل المختلفة لا تنقطع. وتحضرني هنا صوره، طيب الله ثراه، وهو يشرف بنفسه على إعادة بناء سد الشويب، الذي أدى انهياره عام 1988 إلى تهدم عدد من مساكن قرى المنطقة الشرقية من إمارة أبوظبي، وأجزاء من مساكن قرى الشارقة المتاخمة لضفتي السد، الذي يحدد مسار السيول والأودية. فقد أشرف بنفسه على عملية إعادة بناء السد، حتى تأكد من عدم تكرار الأخطاء السابقة التي شابته، وأعاد تعمير القرى التي تضررت من انهيار السد. ولا تزال ماثلة أمامنا صورة الشيخ زايد، عليه رحمة الله، وهو يجلس على تلة مرتفعة، يتابع بنفسه الجرافات والآليات التي كانت تعمل ليل نهار لإعادة بناء السد، وقد قضى، رحمة الله عليه، أياما عديدة يتابع هذه العمليات، يذهب إلى المكان مع شروق الشمس ويستمر في موقع العمل حتى الغروب، يجلس فوق «العراقيب» تحت أشعة شمس شهر أغسطس الحارقة، حيث بدأ بناء السد، يعطي توجيهاته ويتابع بنفسه كل صغيرة وكبيرة، حتى جرى الانتهاء من بناء السد في شهر إبريل من عام 1990م، واطمأن إلى أن البناء قد تم على خير وجه، ودون أخطاء تؤدي إلى انهيار السد مرة أخرى.
كما تحضرني هنا قصة إنشاء «شاطيء الراحة» في أبوظبي، الذي بدأ العمل في تجهيزه منتصف الثمانينيات من القرن الماضي. وكان الشيخ زايد، عليه رحمة الله، يشرف بنفسه على عملية ردم وتجهيز الشاطيء. وكنا في التلفزيون نقوم أولاً بأول بتصوير هذه المراحل، وبثها في نشرات الأخبار، كي يشاهدها، عليه رحمة الله، حتى وهو خارج الدولة، ليطمئن على سير العمل بالمشروع. وعندما أصبح الشاطئ جاهزا للاستخدام، أقيم حفل فني كبير في المكان نفسه، تم نقله على الهواء مباشرة، حيث كان الشيخ زايد، عليه رحمة الله، يتابع الحفل من خلال التلفزيون، لشدة اهتمامه بهذا المشروع الذي أصبح الآن واحداً من أهم المشاريع والمرافق السياحية والترفيهية، وأصبحت مجمعات «الزينة» و«المنيرة» و«البندر» المقامة عليه، واحدة من أرقى المناطق السكنية في إمارة أبوظبي. كل هذا بفضل زايد، الإداري الأول الذي آمن بأن القائد الناجح يجب أن يكون مديراً ناجحاً، وأن المدير الناجح يجب أن يتابع مراحل العمل ويشرف عليها بنفسه. وقد كان زايد، عليه رحمة الله، يؤمن بتوزيع المسؤوليات، ولكن مع حسن اختيار المعاونين ومتابعة عملهم، وله في ذلك مقولة معروفة.
من أصول الإدارة الحديثة أيضا، أن يقوم القائد بشكر فرق العمل عندما تخلص في عملها. وقبل 22 عاماً، أرسل الشيخ زايد، عليه رحمة الله، برقية شكر إلى العاملين في محطة الشهامة لتوليد الكهرباء المغذّية لمنطقة مدينة زايد العسكرية، تشيد بجهودهم، وتثني على إخلاصهم في عملهم. يروي قصة هذه البرقية المهندس أحمد مراد، الذي يعمل في الهيئة الاتحادية للكهرباء والماء، قسم محطات التوليد، ويقول إنه قدم من السودان قبل أربعين عاماً، وعمل في وزارة الكهرباء في أبوظبي، وكان مديراً لمحطة الشهامة لتوليد الكهرباء في منتصف التسعينيات. وفي أحد الأيام، وخلال عملهم اليومي، زار المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان المحطة، ووقف على سير العمل فيها، واستمع إلى شرح وافٍ عن عملها، وشكر العاملين فيها على جهودهم، وتمنى لهم التوفيق. وقد أسعدت هذه الزيارة العاملين في المحطة، ورفعت روحهم المعنوية، وعززت حبهم لهذه الأرض الطيبة، وللقيادة الرشيدة المتواضعة.
مرّت أعوام على هذه الزيارة، وحلت الذكرى الثلاثون لعيد جلوس الشيخ زايد، عليه رحمة الله، وذكرى اليوبيل الفضي لقيام الاتحاد، وقرر العاملون في المحطة إرسال برقية تهنئة بهاتين المناسبتين إلى حكيم العرب، فقام المهندس مراد بكتابة رسالة باسمهم، تمنى خلالها التوفيق والسداد للشيخ زايد، والتطور والازدهار لدولة الإمارات، مستذكرين زيارة الشيخ زايد، طيب الله ثراه، للمحطة وإشادته بجهودهم، ولم يخطر ببالهم أن يأتي إليهم الرد عبر برقية شكر من حكيم العرب، الأمر الذي أدهشهم، وجعلهم يزدادون حباً وولاء لهذا القائد الكريم. وقد بقي المهندس أحمد مراد محتفظاً بهذه الرسالة حتى اليوم، وقام بنشرها في صحيفة «البيان» بمناسبة عام زايد، لتبيان معاني الوفاء والإخلاص لمؤسس الدولة، واهتمامه بالإنسان، وتقديره للعاملين في مختلف المرافق، وإدخاله السعادة في نفوس الجميع.

 

هكذا كان زايد، عليه رحمة الله، يهتم بالعاملين، يزورهم في مواقع عملهم، يتفقد أحوالهم، ويطمئن على سير العمل وانتظامه وتطوره. تشهد على ذلك صوره في المدارس والجامعات والمستشفيات وجميع الأماكن. ولهذا فنحن لا نجاوز الحقيقة حين نقول إن زايد، عليه رحمة الله، هو الإداري الأول، الذي أرسى أصول الإدارة الحديثة في هذه الدولة، فمشى على نهجه الأبناء والأحفاد.