زايد.. الخالد في قلوبنا

مجلة مدارات ونقوش – العدد 10 مقالات متنوعة هالات

الكاتب : جمال بن حويرب

من أين أبدأ بالحديث؟ وكيف أبدأ؟ وأنا لا أتحدّث عن رجلٍ من أعلام التاريخ الذين وُجدوا في القرون الماضية والتي تمتلئ الكتب بأخبارهم حقيقها وأساطيرها، وقد تكون هذه الأخبار مزوَّرة ملفَّقة من أصلها، بل أتحدّث عن رجُلٍ عظيمٍ أدركناه واستمعنا إليه وتشرّفنا بالجلوس معه ونعمنا كثيراً بكلِّ إنجازاته وعطاءاته التي لا حدود له.

هذا هو والدنا القائد الخالد موحّد دولة الإمارات العربية المتحدة مع إخوانه أعضاء المجلس الأعلى، وباني حضارتها الحديثة.. الشيخ زايد بن سلطان بن زايد آل نهيان، طيّب الله ثراه، وجزاه بالإحسان عنّا وعن جميع الأمة خير الجزاء.

الشيخ زايد والشيخ خليفة خلال لحظة دعاء

رجُلٌ من رجالات الدهر لم تعرف البشرية له مثيلاً في العصور المتأخرة، رجل يحبه الناس قاصيهم ودانيهم، وكرمه شائعٌ وعطفه على الضعفاء عجيبٌ، وحنانه الذي غمر القريب والبعيد لا شبيه له.
أنفق إنفاق من لا يخشى الفقر، وهو في وقتٍ صعبٍ ليس لديه من الأموال إلا القليل؛ فكان يعطي عطاء الواثق بالله، ويعلم بأنّ الله سيسعده ويوفقه بسبب إسعاده الفقراء والمحتاجين، ولهذا اجتهد منذ صغره على عون الناس وتعوّد عليه فهو كما قال الشاعر:

تعوّد بسطَ الكفِّ حتّى لو أنّهُ
     ثناها لقبضٍ لم تطعهُ أناملهْ

فلمّا فتح الله عليه كنوز الأرض وعادت إليه عوائد النفط الكثيرة، سعى سعياً حثيثاً لإسعاد إمارته الناشئة أبوظبي بكلِّ طريقة ثمَّ نظر إلى من يجاورها من الإمارات، فقام هو وأخوه الشيخ راشد بن سعيد بأكبرِ اتحادٍ جريءٍ ومحاطٍ بكثير من المخاطر، ولكنّهما قاما بتذليلها بكلِّ كفاءةٍ ليستمرَّ التطوير ومسيرة العطاء.

السيرة المحمودة
قد قال لي أحد الصحافيين الأجانب؛ قربكم وحبّكم لحكّامكم محلُّ استغراب منّا نحن الأوروبيين، ونظرتكم لهم تختلف جداً عن نظرتنا لرؤسائنا، فهم لا يعنون لنا شيئاً ولا نعدّهم إلا منفّذين لقرارات أحزابهم التي رشّحتهم، وكم نعاني منهم! وإنّ قليلاً منهم من يسير فينا بسيرةٍ محمودةٍ، ولولا أنّ بلداننا تحكمها الشركات التجارية الكبرى ومصالحها العالمية والضرائب الكثيرة التي يجب دفعها من شعوبنا، لكنّا اليوم في وضعٍ مختلف! فأخبرني ما سرُّ تعلُّقكم وتقديركم وإخلاصكم لشيوخكم بهذا الشكل الغريب؟ قلتُ له: أرأيت لو صحبت رجلاً  سنة، وكان هذا الرجل يداريك ويلاطفك وإذا احتجت أعانك، يحضر أفراحك ويواسيك يوم حزنك ويسهر على راحتك، كيف ستنظر إلى هذا الصديق؟ قال: هذا سيكون أقرب من ولدي وأهلي في قلبي وفكري، ومن يفعل هذا في هذه الأزمنة؟ بل من يطيقه وكأنه من قصص ألف ليلة وليلة؟!
كما قلتُ له: «هؤلاء هم حكّامنا الكرام منذ قرونٍ طويلةٍ لم يتغيّروا ولم نتغيّر عليهم، نحبّهم ويحبوننا ويبذلون لنا الغالي والنفيس، حتى في ذلك الزمن الشديد الذي ليس فيه من مقوّمات الاقتصاد إلا شيء قليل كانوا يقومون بنفس الأمر، فلمّا فتح الله عليهم كنوز الأرض نقلوا حياتنا من حال الفقر والشدة إلى هذه الحضارة التي تراها، قال لي: هذا شيءٌ عجيبٌ فنحن لا نشعر بما تشعرون به ولا علاقة لنا بالحاكم، وقد عرفت سرّ تعلّقكم بحكامكم فهم منكم ولا فرق بينكم وبينهم».
لا ألوم هذا الأوروبي على تعجّبه واستغرابه، فهم يعيشون في حياةٍ عجيبةٍ مع اعترافنا بحضارتهم وتقدُّمهم فيها، وقد بلغت مرحلة الشيخوخة الآن، ولكنهم فقدوا كلَّ أنواع الترابط الأسري والمجتمعي، وتحوّلوا إلى شبه الآلات للإنتاج ولم يعد عندهم شعور بهذه العلاقات الإنسانية في البيت الواحد، فكيف سينظرون إلى حاكمٍ لا يمتُّ لهم بصلة وإنما هو شخص ينفّذ مخططات حزبه الذي جاء به إلى الحكم؟!
لم أخبر هذا السائل عن سيرة القائد الخالد الباني الشيخ زايد بن سلطان، طيّب الله ثراه، ولو أخبرته بأعماله وإنجازاته وإحسانه وعطفه ورحمته وشهامته وعطائه وآدابه، فلن يصدّقني أبداً وسيقول لي: هذه أسطورة من أساطير الأولين، وإن يقل ذلك فسأرد عليه: بل هو حقُّ اليقين تشهد على تاريخه حتى الطيور في وكناتها «أعشاشها».
قلتُ يوماً لسمو الشيخ منصور بن زايد – حفظه الله – وكان حينذاك في بداية عمله مع والده: ما هي أوامر الشيخ زايد التي يأمركم بها كلّ يوم؟ فقال لي: «اعطوا، ادفعوا، ابنوا، ازرعوا، امنحوا، وكل أمرٍ فيه بناء ورحمة وعطاء وعطف على الناس يعينهم على حياتهم ويضمن رفاهيتهم داخل الدولة وخارجها»، فخرجت من عنده وأنا أدعو له، والآن بعد رحيله أدعو بهذا الدعاء باستمرار: اللهمَّ ارحم الشيخ زايد ووسَّع مدخله وجازه بالإحسان عنّا وبارك في ذريته آمين.
وكثيرٌ يحاولون غرس محبّتهم في قلوب الناس بشتّى الطرق التي يجدونها ميسّرةً لهم، حقّاً كانت أم باطلاً، إمّا من أجل الشهرة وإمّا من أجل بعض المطامع الدنيوية، كفوزٍ في انتخاباتٍ أو تسهيلٍ لأمور أعمالهم، أو ليتمكّنوا من تنفيذ خططٍ معيّنةٍ قد تكون في مصلحة المحبّين أو تكون في مضرّتهم وإلحاق الأذى بهم وهم لا يشعرون، وفي نهاية المطاف الهدف واحد وهو الوصول إلى القلوب.
لكن هؤلاء نسوا أنهم، وإن تغلغلوا إلى قلوب الناس بذكائهم وحسن مظهرهم وبروزهم في الإعلام اليومي، فقد يسقطون من الطابق العلوي الواقع في أعلى بنايات هذه القلوب إلى أسفل سافلين، لأي خطأ قد يرتكبونه أو يقوم الإعلام برميهم بسهامه التي لا تخيب، فيصبحون يقلّبون أكفّهم على ما خسروه، هذا إن لم يقدموا على الانتحار القسري من قلة الإيمان؛ بسبب الفاجعة التي يمرّون بها والعياذ بالله، والأمثلة كثيرة على ذلك. ولكن هناك أمر آخر لا يعرفه هؤلاء، فقد جاء في حديث سيدنا المصطفى عليه الصلاة والسلام قال: «إذا أحبّ الله تعالى العبد، نادى جبريل: إنّ الله تعالى يحبُّ فلاناً فأحببه، فيحبّه جبريل، فينادي في أهل السماء: إنّ الله يحبُّ فلاناً فأحبوه، فيحبّه أهل السماء، ثمَّ يوضع له القَبول في الأرض» أخرجه البخاري ومسلم، هذه هي المحبة الحقيقية التي يغرسها الله لمن يحبه في قلوب خلقه، وتكون محبةً دائمةً خالدةً، وأكبر مثال معاصر على هذه الظاهرة هي إجماع الناس على محبّة قائدنا وباني نهضتنا الشيخ «زايد» رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه بالمغفرة والإحسان كما أحسن إلينا ورفق بنا وأغنانا عن الناس.
لعلّ بعضاً منّا ومن المقيمين في دولة الإمارات العربية المتحدة، يظنُّ أنَّ الشيخ زايد لم يعرف عطاؤه وكرمه الذي تُضْرَب به الأمثالُ إلا بعد وصوله إلى حكم إمارة أبوظبي في أغسطس 1966، وبعد ارتفاع دخل بيع النفط واستثمار عائداته، وهم لا يُلامون على ذلك؛ لأنَّ الإعلام والمناهج التعليمية لا تكاد تذكر شيئاً عن تاريخ الإمارات قبل النفط، خاصة عن حياة الشيخ زايد.
لهذا سأنقل لكم أيُّها الأعزّاء شيئاً قليلاً عن كلمات بعض السياسيين والرحّالة عن شخصية الشيخ زايد في شبابه، يقول الرحالة الشهير ولفريد ثيسجر عندما التقاه في سنة 1946: «إنه قوي البنية جداً ينمُّ سيماه عن الذكاء، ويحملك الانطباع الأول بأنه شخص هادئ يتمتع بالمقدرة والكفاءة، كم كنت شغوفاً بلقاء زايد الذي طارت شهرته في أوساط البدو لبساطة تصرفاته غير الرسمية ولمودته التي يبذلها لهم»، وكذلك قال الممثل البريطاني بويستد: «تعجبت من كرم زايد الكثير، والحشود الكبيرة التي تحيط به فكأنه قدّيس؛ فالرجل سخيٌّ جداً متلافٌ ماله، حلو الحديث طيّب العشرة يلاطف الجميع وهو مرح المزاج».
وأخبرني المؤرخ الراحل حمد بو شهاب، رحمه الله، بأنه كان يعمل في مكتب تجاري لبيع مضخّات المياه في دبي، فرأى في كشف حساباتهم اسم الشيخ «زايد» في أواخر الخمسينيات، فلما سأل صاحب المكتب قال له: إنَّ الشيخ «زايد» يشتري مرات بالنقد مضخات ليوزعها على المزارعين في العين، ومرات لا يكون عنده المبلغ كاملاً فيوفيها لنا بعد ذلك، لكي لا يتوقَّف عن مساعدة أهل العين ولو بالدَّين!
في ذكرى زايد تهمل دموعنا على فراقه، ولكنها ذكرى ورمز للعطاء، ولهذا قال سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حفظه الله، «ما زال زايد يلهمنا لأعمال إنسانية لا تتوقَّف، لقد أحبَّنا الكثير من شعوب العالم بسببه، رحمه الله، هو قائد تاريخي له نظرة إنسانية واسعة أكسبته مكانة عالمية خاصة».