زايد مؤسِّس الدبلوماسية الإماراتية

مجلة مدارات ونقوش – العدد 11

 172 عدد المشاهدات

الكاتب: علي عبيد الهاملي –  كاتب إماراتي

 

تُرى من هو مؤسِّس الدبلوماسية الإماراتية؟

سؤال ربما يبدو طرحه متأخراً، بعد مرور 47 عاماً على تأسيس الدولة، لكن مرحلة التأسيس تبقى خالدة في سجل الزمن، لا تنمحي من الذاكرة بمرور الزمن، وإنما تترسَّخ كلما تقادم العهد عليها، فتضيء جوانب الحياة للأجيال التي لم تشهد تلك المرحلة، وتنشر عبق الآباء المؤسِّسين في أرجاء الوطن. 

 

 

 

كان عام 1971 يموج بتحرُّكات ملحوظة، ويحمل إرهاصات ولادة دولة جديدة في هذه المنطقة من العالم، سيكون لها شأن كبير وحضور غير مسبوق، فقد كان إصرار الشيخ زايد، رحمه الله تعالى، على تأسيس هذا الاتحاد شديداً، وكان يقينه بأنَّ حلمه على وشك أن يتحقَّق كبيراً. وكان، رحمه الله، من ذلك النوع الذي لا يتسلَّل اليأس إلى نفسه، فهو القائل: «إنني لأعجب من الذين يرجحون عنصر التشاؤم في معالجة قضاياهم الرئيسة عندما تعترضها بعض العقبات». كما كان يؤمن بالتخطيط، ويعمل على أن يكون كلُّ شيء جاهزاً قبل إقلاع السفينة؛ فقد سأله مراسل إذاعة «صوت أميركا» في حديث أذيع بتاريخ 7 أغسطس عام 1970: كيف تتصورون السنة الأولى للاتحاد؟ فأجاب: «نتصورها كسفينة جُهِّزَت وأُعِدَّت بكلِّ الوسائل والأدوات التي تحتاج إليها عند نزولها البحر لأول مرة، والجميع ينتظرون نتيجة التجربة».
هكذا كان زايد يفكِّر ويخطِّط، وكان تمثيل الدولة الخارجي واحداً من أكثر الأمور التي شغلت باله. لذلك عمل على تأسيس وزارة للخارجية قبل قيام الدولة، وأوكل أمرها إلى معالي أحمد خليفة السويدي، أول وزير خارجية لدولة الإمارات بعد قيامها، وأحد أهم معاوني الشيخ زايد في تشييد أركان الدولة. وبتاريخ 18 يوليو 1971 تمَّ تنظيم أول دورة للدبلوماسيين الإماراتيين، عُقِدت في وزارة شؤون الرئاسة المحلية بإمارة أبوظبي، حيث بدأت جميع الوزارات آنذاك تنظيم هياكلها الإدارية التي ستبدأ العمل بعد قيام الدولة، وذلك استعداداً ليوم الإعلان الرسمي الذي كان الجميع ينتظره بشغف، والذي حُدِّدَ له يوم الثاني من ديسمبر من العام نفسه.
وقد قامت الوزارة بتنظيم أول دورة دبلوماسية لأبناء دولة الإمارات العربية المتحدة استغرقت 49 يوماً، وكان عدد الذين شاركوا فيها آنذاك 40 شخصاً كدفعة أولى. في تلك الدورة تفضَّل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيَّب الله ثراه، وحضر جانباً من المحاضرات التي تمَّ تقديمها في إطارها، وتحدَّث فيها إلى الدبلوماسيين المشاركين. وقد صدرت شهادات الدورة بتاريخ 5 يناير 1972، وتمَّ منح الشيخ زايد، عليه رحمة الله، شهادة موقَّعة من رئيس الدورة، معالي أحمد خليفة السويدي، وزير الخارجية، والسيد حسن صعب، مدير برنامج الدورة، وكان هذا نص الشهادة:

«تشهد وزارة خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة بأنَّ السيد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، شارك في الدورة التدريبية الأولى للمرشحين للسلك الخارجي لدولة الإمارات العربية المتحدة، واجتاز اختبارها بدرجة ممتاز، فاستحقَّ هذه الشهادة».

 
 
 

 

هكذا رسَّخ الشيخ زايد، رحمه الله، ثقافة التعلُّم لدى أبنائه المواطنين، فهو لا يتوانى عن حضور دورة تدريبية لدبلوماسيين في بداية الطريق. بل لعله يحرص على حضور الدورة ليوجِّه من خلالها رسائل، ويحمل المشاركين فيها رسائل، فقد كانت الدولة على وشك أن يتمَّ الإعلان عن تأسيسها، وكانت الفكرة الموجودة لدى العالم عن هذه المنطقة من العالم ضبابية وملتبسة، وغالباً ما شوَّهتها التسميات التي أطلقها المستعمرون على المنطقة، فهم تارة يسمونها ساحل القراصنة، وتارة يسمونها الساحل المهادن، ناهيك عن الجهل بتاريخ المنطقة وعادات أهلها وتقاليدهم. لذلك كانت مهمّة الجيل الأول من الدبلوماسيين الإماراتيين صعبة، وخاصة أنهم كانوا حديثي عهد بهذا العمل الذي يتطلَّب علماً وخبرة ومهارة وحنكة لم تكن قد توافرت لهم بعد في ذلك الوقت.
لقد كان الشيخ زايد حريصاً على أن يكون ممثلو دولة الإمارات في الخارج نماذج مشرِّفة لهذه الدولة الوليدة، لذلك حرص على تدريبهم قبل أن يتسلَّموا مهامهم، كما حرص على أن يكون حاضراً بين أبنائه الذين سيمثلونه في الخارج أثناء الدورة الأولى التي يتلقونها قبل أن يتسلَّموا عملهم. وقد كان لهذه السياسة التي انتهجها الشيخ زايد، عليه رحمة الله، وحضوره لهذه الدورة، أثر كبير في من شارك فيها، وفي من جاء بعدهم. فقد كان الدبلوماسيون الإماراتيون خيرّ ممثلين لوطنهم، وكانوا سفراء الشيخ زايد، عليه رحمة الله، إلى العالم أجمع. كسبوا احترام الجميع ومحبتهم، ونقلوا صورة مشرفة عن وطنهم الذي كانت لبناته الأولى توضع لبنة فوق أخرى. وعندما ننظر اليوم إلى ما حقَّقته الدبلوماسية الإماراتية نشعر بالفخر والاعتزاز، فقد أصبح المواطن الإماراتي محلَّ احترام كلِّ الشعوب أينما ذهب. وأكبر دليل على هذا ما حقَّقه جواز السفر الإماراتي هذا العام.
لقد احتل جواز السفر الإماراتي المرتبة الأولى عالمياً، وأصبح الجواز الأقوى في العالم، فقد حقَّقت دولة الإمارات إنجازاً غير مسبوق بحصول الجواز الإماراتي على المرتبة الأولى عالمياً في الأول من ديسمبر عام 2018 متصدرة دول العالم. وقال سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي في تصريح له بهذه المناسبة: «إنَّ هذا الإنجاز يعدُّ ترجمةً حقيقية لإرث الوالد المؤسِّس، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ويعكس قوة الدبلوماسية الإماراتية الإيجابية، وإسهاماتها الفاعلة والمهمَّة على الساحة العالمية». وبحسب مؤشر «باسبورت إندكس» يمكن لحامل الجواز الإماراتي السفر إلى 167 دولة دون الحاجة إلى تأشيرة مسبقة. وبذلك يمكن للمواطن الإماراتي السفر إلى 84 في المائة من الدول المدرجة في المؤشر دون تأشيرة مسبقة.
كلُّ هذا ما كان ليتحقَّقَ لولا جهود الشيخ زايد، عليه رحمة الله، مؤسِّس الدبلوماسية الإماراتية، والدبلوماسي الأول الذي لن يجودَ الزمان بمثله.

 

إضاءة
«نحن نرى في الدبلوماسية الهادئة حلاً لمشكلاتٍ كثيرة، وخاصة بين الأشقّاء. إننا لو اتبعنا الدبلوماسية الهادئة في حلّ مشاكلنا العربية لوصلنا إلى صيغة معقولة لتوحيد الصفوف في وجه الكثير من القضايا..». 
            الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان