عيسى بن سلمان آل خليفة سيرة الجِد والهمّة والنباهة

أعلام الراوي مجلة مدارات ونقوش – العدد 6

 90 عدد المشاهدات

 
ضرب حكامنا الكرام وأعيان الخليج العربي أروع الأمثلة في الحكمة والكرم والطيبة والتسامح والتعاون في وقتٍ شديد الصعوبة، ولم يكن لهم من معين غير الله، ثم هذا البحر الذي ينبت اللؤلؤ فيقطفه بعد نصبٍ وتعبٍ أهل الغوص فتتحرك به عجلة الاقتصاد الخليجي الذي يعتمد على تجارته اعتمادا كاملا، وكان لا يكفي للتنمية الشاملة وإنما يكفي لسد الحاج، حتى ذهبت أيامه إلى غير رجعة، فعوضنا الله بالنفط في نفس مواضع اللآلئ التي كانت مصدر قوتنا يوما ففاض الخير وانتعشت الحكومات الخليجية وكانت من بينها مملكة البحرين، ومنها علمنا وحاكمها الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، طيب الله ثراه، والذي نتابع محطات من سيرته في «مدارات ونقوش».
 
الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة
 
فلكل علمٍ من الأعلام، الذين نتتبع سيرهم في أعداد هذه المجلة شخصيته التي تميّزه وتجعله يختلف عن غيره، لكن هؤلاء الأعلام، من حكام وعامة يجتمعون جميعا في صفات مشتركة بينهم منها مكارم الأخلاق والوطنية وحب النهوض بدولهم وشعوبهم والسعي الحثيث نحو التقدم والتخلص من المحتل الذي جثم على صدور أهالي هذه المنطقة لعقود طويلة من غير فائدة تذكر لهم، ومن هؤلاء الأعلام الشيخ عيسى بن حمد آل خليفة حاكم البحرين، طيب الله ثراه، الذي نسجل في هذا العدد سيرته الطيبة.
ففي الثالث من يونيو من عام 1783 دخل أحمد الفاتح جد الحكام الكرام من آل خليفة منتصراً البحرين وبعد أقل من مئتي سنة ولد الشيخ الكريم النبيل عيسى بن سلمان بن حمد آل خليفة في سنة 1933 في منطقة تدعى الجسرة غربي البحرين، وتقع قريباً من جسر الملك فهد اليوم، وكان الحاكم آنذاك جده الشيخ حمد بن عيسى والبحرين تقبع تحت الاستعمار الإنجليزي والشباب البحريني المثقف يعيش في أزمات يختلقها لهم المستعمر بين حين وآخر بدون سبب غير أنهم كلما سمعوا صيحة ظنوها عليهم وهم لم يقدموا لدولنا شارعا أو مدرسة أو جامعة أو نظاما إداريا أو قاموا بعمل ابتعاث أو غيروا من بلداننا من التخلف إلى التطور والتقدم كما حصل في الدول الأخرى بل تركونا على الإبل وقلة العلم، حيث بلغت نسبة الأمية في سنة 1941 حسب الإحصاء الحكومي آنذاك 97,5% وقد كان الأمر أفظع قبل ذلك لولا فضل الله وجهود آل خليفة الكرام عندما افتتحوا مدرسة الهداية النظامية سنة 1919 فانتقل الحال إلى 2.5%  بعد عشرين سنة من افتتاحها ومن يقارن الجهود العظيمة التي بذلها حكام آل خليفة لتصل نسبة التعليم إلى 95% سيشكر الله ويحمد هذه الجهود المخلصة التي غيرت الحال إلى ما نراه اليوم.

مسار تعليمي

تعلم الشيخ عيسى بن سلمان أول حياته عند معلمين خاصين كانوا يعلمونه مع مجموعة من أبناء جيله من الشيوخ، يقول الأستاذ علي با حسين: «تلقى الشيخ عيسى بن سلمان التعليم على أيدي علماء عصره ومعلمي زمانه ومنهم: الشيخ (ابن حبيل) وهو أحد مشايخ بلدة سترة في البحرين وقد علمه قراءة القرآن الكريم ومبادئ الدين والقراءة والكتابة، ثم تتلمذ على يد الأستاذ (أحمد العمران) وهو من خيرة المدرسين في البحرين، ومن معلمي سموه أيضاً الأستاذ (أمين حافظ) والأستاذ (عبد علي ميرزا) وهما وقتئذ من كبار أساتذة التعليم، فأخذ بقسط وافر من العلوم والآداب. وكان يحضر مجالس جده ووالده حيث يسمع الشعراء وأحاديث الأدباء والساسة الذين كثيراً ما يحضرون مجالسهما، ولا شك أن تلك المجالس إنما هي مدارس يتعلم فيها ما يسمعه خاصة وهو في سن الطفولة وريعان الشباب. وكان سموه شغوفاً بالمطالعة وخاصة كتب التاريخ والشعر والأدب مما أكسبه ثقافة عالية أهلته للقيام بأعباء الحكم والنهضة في بلاده بالمستقبل».
فكانت تلك المجالس من أفضل المدارس، ولو حرص شبابنا اليوم على حضور مجالس الحكام وأعيان البلاد وأيضاً مجالس عامة الناس من أهل الفضل لاستفادوا من علمهم وحكمتهم وتعلموا كثيراً من الأمور التي تعينهم على حياتهم.

شغف وشعر

لقد استفاد الشيخ عيسى من مجالس أبيه وأعيان أسرته، ولم يكتف بذلك بل كان يحرص على قراءة الصحف والمجلات التي تصل إلى قصر والده ويقرأ في كتب التاريخ وأولع بالأدب والشعر وحفظه حتى قال الشعر الشعبي وأجاد فيه ومن شعره الجميل:

ياهيه ياللي يمشي بواطـي الخـد
                حنا بروس امشمرخـات المبـادي
حنّا بني عتبه هـل الحـد والعـد
                  لطّامـه العايـل ارجـال الوكـادي
حنّا العرب كان العروبة لها حـد
                حنّا نبيّض وجههـا فـي النـوادي
ودارٍ حميناها على طول ذا العهـد
                هل كيـف ياخذهـا عـدو معـادي
 
نباهة مبكرة
لما رأى والد الشيخ عيسى النباهة في نجله والهمة والطموح قرر إدخاله في الحياة السياسية فعينه عضواً في مجلس الوصاية على الحكم في البحرين أثناء غيابه لحضور احتفالات تتويج ملكة بريطانيا سنة 1953 ثم أنابه في السنة التي تليها لحضور مراسم تتويج الملك السعودي الراحل سعود بن عبدالعزيز، وفي سنة 1956 تم تعيين الشيخ عيسى رئيساً لمجلس بلدية المنامة، بعد أحداث صعبة دامت 3 سنوات فقاد المجلس أفضل قيادة، وأعاد الأمور إلى نصابها بحكمة وتواضع وحسن أخلاق.
 
الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة دخل في الحياة السياسية باكراً
وقد بدأت مسيرة الخير، تنعكس لتحول البحرين في سنوات قلائل إلى أحد المراكز الهامة في منطقة الخليج إدراكا منها لأهمية موقعها الجغرافي، إذ تحولت إلى مركز هام في القطاع المصرفي والمواصلات بين الشرق والغرب، وفي عهد الشيخ عيسى انطلقت البحرين لتحقق العديد من المنجزات التنموية، فبالإضافة إلى المشروعات العملاقة والمتمثلة في شركة ألمنيوم البحرين وشركة نفط البحرين والحوض الجاف، شهدت البلاد عشرات المشروعات الأخرى مثل مشروع الغاز المصاحب، وأخذت النهضة تشمل جميع المرافق وفي ومختلف القطاعات كالتعليم والصحة والعدل والاسكان والاشغال والكهرباء والماء والمواصلات والإعلام وغيرها، وفق ما أشار إليه المؤرخ علي با حسين.
 
حسن إدارة
الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، طيب الله ثراه، من الحكام الحكماء الذين بانت حكمته منذ صغره وقد رأى فيه والده حب الناس له وحسن تصرفه وطريقته في تنفيذ أوامره بكل حنكة وحزم، في ظروفٍ كانت صعبة جداً ولكنّ الشيخ عيسى كان قدر هذه المسؤولية وبدأ مجمه بالصعود سريعاً ولم لا وهو سليل أسرةٍ عريقةٍ في الحكم بين الأسرة الحاكمة في المنطقة، وقد ورث أبناء هذه العائلة الوائلية الكريمة مكارم الأخلاق وحسن التعامل والشجاعة جيلاً بعد جيل.
بعد نجاح الشيخ عيسى بن سلمان في رئاسته لبلدية المنامة واحتوائه للأزمة في سنة 1956 بسبب الاضطرابات السياسية التي دامت ثلاث سنوات، بدأ يسعى لتشجيع الناس للعودة إلى الانتخابات مرة أخرى فهيأ الأرضية الصالحة لذلك وأنشأ منطقة حرة للتجارة في ميناء المنامة وقام بمبادرات أخرى مهمة، فاستفاد من هذه الفترة الحرجة خبرات كبيرة أعانته كثيراً في حياته العملية بعد ذلك.
رأى الشيخ سلمان بن عيسى حاكم البحرين حسن إدارة نجله الشيخ عيسى للأزمة الكبيرة وكيف نجح في تهيئة الجو لانتخابات سنة 1958 فقرر في الخامس من يوليو عام 1957 تعيينه ولياً للعهد، وهذه عادة شيوخنا في المنطقة فإنهم يؤهلون أنجالهم للحكم ويعودونهم على أصعب الظروف حتى يتعرف إليهم الشعب ثم يختارون الأفضل منهم لولاية العهد وهذا هو سبب استقرار المنطقة منذ مئات السنين
.
 
الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة وخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز
 
في فبراير من عام 1958 رافق الشيخ عيسى بن سلمان والده في زيارة مهمة إلى المملكة العربية السعودية ومعهم كبار المسؤولين للقاء الملك سعود بن عبدالعزيز، رحمه الله، وقد تم إبرام اتفاقية مهمة بين البلدين يقضي بتقسيم الحدود البحرية وتوزيع عادل لعائدات البترول في المنطقة الحدودية المتنازع عليها سابقاً وتظهر على هذه الاتفاقية بصمات الشيخ عيسى وحكمته.
مرض الشيخ سلمان بن عيسى في أواخر سنوات حكمه فتولى نجله الشيخ عيسى رئاسة مجلس العائلة بالنيابة عن أبيه ثم اشتد المرض بالشيخ سلمان وانتقل إلى جوار ربه في الثاني من نوفمبر من عام 1961 رحمه الله ونودي بالشيخ عيسى حاكماً لمشيخة البحرين ليقود نهضة كبرى مهدت لهذه النهضة الحديثة التي ترونها اليوم في مملكة البحرين.
في سنة 1965 أصدرت البحرين عملتها الوطنية الدينار البحريني وتبوأت في هذه السنوات مكانة قوية في مجال القطاع المصرفي ولا تزال مركزاً خليجياً هاماً للخدمات المالية.
في عام 1968 أمر الشيخ عيسى بن سلمان بتشكيل حرس وطني تحت قيادة نجله الشيخ حمد بن عيسى ملك البحرين، وذلك بعد أن بدأت بريطانيا إجراءاتها للانسحاب من المنطقة وقد اشترك في هذه السنوات في محادثات الاتحاد مع الإمارات وقطر، ولكنه رأى أخيراً أن يسعى للاتحاد منفصلاً، وقد نال ما تمنى، وقد تفهم المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراهما، موقف البحرين في عدم إكمال مسيرة الانضمام إلى دولة الإمارات، وأقول إن البحرين وإن لم تدخل الاتحاد حينئذ فإن الشيخ عيسى بن سلمان بقي مع الشيخ زايد في مشاورات مستمرة وكانا نعم العون لبعضهما حتى تم استقلال الدولتين من الاحتلال.
في الرابع عشر من أغسطس من عام 1971 وقبل إعلان قيام دولة الإمارات بعدة أشهر تم إعلان استقلال البحرين وقد أمر الشيخ عيسى بتغير مسمى حاكم البحرين إلى أمير دولة البحرين وأمر بتشكيل أول مجلس وزراء في البلاد برئاسة أخيه الشيخ خليفة وقد أصبحت البحرين عضوا في الجامعة العربية والأمم المتحدة وأقر الشيخ عيسى مسودة الدستور البحريني في سنة 1973.
بعد سنوات طويلة من العمل المتواصل لخدمة الشعب البحريني والبلوغ به إلى أعلى المراتب العلمية ومحاولة تنويع مصادر الدخل لرفاهية البحريين بكل ما يستطيع أن يوفره ويسعد به الناس وبعد الإنجازات الكبرى التي تحققت في مجال الصحة والاقتصاد والتعليم وإنشاء الشركات الكبرى والمواقف السياسية مع القضايا العربية والخليجية انتقل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة إلى جوار ربه في السادس من مارس عام 1999 رحمه الله وأدخله فسيح جناته، ومن أجمل ما قيل في رثائه هذه الأبيات الشعرية المؤثرة للشاعر عبدالله بن دهيمش العنزي:

قـالـوا رحـل عـز الـمـواطـن وريـفـه
            عيسى رفيع الجاه معدوم الأوصاف
أبـو حـمـد صفـوة خـلايـف خـلـيـفــه
            شبـل الأسود الي بعلـم الفخـر نـاف
شيـّال صعبـات الحـمـول الـكـلـيـفـــه
              لى ماج عن شيل الثقل عرو الأكتاف
عـنـده ثـقـيلات الـمحـامـل خـفـيـفـه
             يشيلها لـو هـي تعـادل جـبـل قـاف
عـن الـمـراجـل مـا يـحـبّ النـكيـفــه
               الوايلي يسبق على المجد مزهـاف
الـحــر وكـره بـالـجـبـال الـمـنـيـفــه
             مـا يستقـر إلا عـلى راس مشـراف
الهـيلـع الـلـي بـالعــوالـي رفـيـفــــه
               طـلعـه بعيـد وللجزيـلات خطّـاف