غانم السامرائي محاضراً في مركز بن حويرب للدراسات: التأثير الغربي على الشعر العربي لم يكن عميقاً

مجالس

 715 عدد المشاهدات

دبي مركز جمال بن حويرب للدراسات:

استضاف مركز جمال بن حويرب للدراسات مساء الأول من أمس الكاتب والباحث الأدبي و أستاذ الأدب المقارن والترجمة المشارك في جامعة الشارقة الدكتور غانم جاسم السامرائي في أمسية متميزة تحدث فيها عن ” التأثير الغربي على الشعر العربي” ، قدمه فيها الأديب والشاعر شهاب غانم ، بحضور الباحث والكاتب المستشار جمال بن حويرب ، المدير التنفيذي لمؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة ، رئيس المركز ، والدكتورة رفيعة غباش ، رئيسة جامعة الخليج العربي في البحرين ، سابقا وجمع من المهتمين والصحافيين والإعلاميين.

 

بدأ الدكتور السامرائي محاضرته قائلاً : سأتحدث عن موضوع التأثير الغربي على الشعر العربي من خلال واقع قراءاتي وكتاباتي في هذا المجال ، وسأبدأ بصورة غير تقليدية من خلال ستة محاور آمل أن تكون مصدراً لمزيد من الحوارات بيننا، هي:

السياقات التاريخية مقدمة موجزة

المركزية الغربية وآداب الأطراف ” الجوانب المادية ، والجوانب النفسية“.

اللغة الانجليزية والمناهج الدراسية ، وتشمل نزوع الأدباء العرب لدراسة الأدب الغربي ، والرومانسية الغربية والانجذاب العربي.

أيقونات الأدب الغربي ” ظهور ت. اس أليوت ” ، و ” دور الترجمة في الوطن العربي “.

البيئة الأدبية العربية 

ظهور حركة التجديد في الشعر العربي ” بدر شاكر السيّاب ونازك الملائكة“.

 

الدكتور غانم جاسم السامرائي

السياقات التاريخية

قال المحاضر كنا حتى سنوات قليلة مضت نعتقد أن الكاتب الألماني يوهان فّولفغانغ فّون غوته (1749-1832) هو من ابتدع مصطلح (الأدب العالمي)، لكننا صرنا الآن نعرف أن كاتبًا ألمانيًا آخر هو أوغست لودفّغ فّون شلوزر (1735-1809) كان قد استخدم المصطلح في العام 1773 في كتابه عن التاريخ و الأدب.

لكن غوته هو وحده من امتلك هذا التأثير البالغ في الساحة الأدبية الأوربية رغم أن أول إشارة مكتوبة صدرت عنه في هذا الشأن جاءت بتاريخ 15 يناير 1827.

لقد اكتسب غوته شهرته الأوربية خصوصًا بعد صدور تراجيديته الأولى عام 1773 ، ثم في العام التالي روايته (أحزان العاشق الشاب فّيرثر) والتي أبكت الأوربيين في طول القارة و عرضت،  ثم صدرت مسرحية فاوست الشهيرة عامي 1808 و 1832.

في يناير عام 1827 قال غوته ” لم يعد للأدب القومي الكثير ليقوله في أيامنا هذه ، فقد لاحت حقبة الأدب العالمي و علينا جميعًا أن نعمل ما بوسعنا لتسريع مقدمه.“

المركزية والأطراف       

أضاف د. السامرائي ..ترافق مع مرحلة الهيمنة الاستعمارية الغربية على شعوب العالم الثالث شعورُ طاغٍ بأن الغرب هو مركز العالم ، وحوله تدور مدارات الآخرين.

الأسباب مادية ، خصوصًا بعد الثورة الصناعية ، و التقدم الاقتصادي الهائل الذي أعقبها ، و نفسية تمثلت في شلل الإرادة عند الشعوب ( المتخلفة ) ” كما كان الغرب يسميها ” .

وأكد المحاضر أن التأثير الغربي على الشعر العربي لم يكن عميقاً ، لكن هناك بعض الشذرات كان لها تأثير واضح.

اللغة الإنكليزية و المناهج الدراسية

استطرد د. غانم قائلاً ، تبع الهيمنة الإستعمارية الغربية هيمنة ثقافية كانت وسيلتها لغة المستعمر ، و خاصةً الإنكليزية والفرنسية.

و هيمنت لغة المستعمرعلى ثقافة البلد الخاضع للإحتلال لدرجة أن المناهج الدراسية في هذه البلدان تضمنت حصصًا للغة الإنكليزية مثلًا تتفوق على حصص تدريس اللغة القومية.

(خذ مثلًا منهج الدراسة في ثانويات العراق في ثلاثينات القرن الماضي ، حيث كانت حصص اللغة الانكليزية أكثر من حصص العربية ، وبعد نضالات ومطالبات من العراقيين تم تدريس هذه الحصص بالتساوي).

ثم انخرط أدباء الشعوب المستَعمَرة في قراءات و دراسات معمقة لآداب المستعمِرين. ومن مظاهر ذلك صدى الرومانسية الغربية في الأدب العربي ، و خصوصًا الشعر .

أيقونات الأدب الغربي

وأضاف المحاضر كانت مدارس و كليات الوطن العربي يملأها صدى الأدب الغربي فكلما اشتهر كاتبٌ غربي دقت الأجراس في جامعات ومقاهي بغداد والقاهرة و بيروت و دمشق ،،، و انبرى المترجمون للقيام بالمهمة ، لكن معظم المهتمين والباحثين في مجال دراسات الترجمة يتفقون على أن الشعر غالباً ما تضيعه الترجمة، فارتباط الشعر بالثقافة عادة ما يجعله مشوباً بالتعقيد، وبالتالي فإن جميع النقاد يتفقون على حقيقة أن الشعر يتعذر فصله عن اللغة التي كتب بها، خاصة إلى اللغات المختلفة وأنظمة العروض المختلفة والموسيقى الشعرية.

وقال السامرائي إن عملية ترجمة أو نقل لغة متحولة هي في حد ذاتها مشكلة معقدة، لذا فالحقيقة تظل أن أي ترجمة حرفية لمعالجة نص ما، غالباً ما تجعل المعنى المراد مبهماً وغامضاً

وأوضح أنه حاول أن يكون حريصاً وأميناً بقدر الإمكان في نقل النص العربي، متجنباً أي خروج على النص . إلا أنه سمح لنفسه باستخدام المرادفات الإنجليزية للمصطلحات الخاصة بالثقافة والتعابير، آخذاً في الاعتبار أن ترجمة الشعر تقتضي الكثير من المعالجات لمعاني الألفاظ . وبالتالي عمد إلى بناء الجمل والكلمات المركبة، مضحّياً أحياناً بكلمة من هنا وأخرى من هناك .و أضاف .. مع صدى الأرض اليباب صار إليوت أيقونة الشعر العالمي

حركة التجديد      

قال د. غانم : شهد الشعر العربي الحديث منذ أواسط القرن الماضي حركة نقدية واسعة تفوق ما تلقاه عموم الأدب ويكمن السبب وراء هذا الى ما شهدته فترة الأربعينات والخمسينيات من تحديثات جذرية في المفاهيم والتقنيات.

ورغم صدور المئات من الكتب والبحوث الأكاديمية والمقالات الصحافية حول هذا الموضوع فإنه مازال بين حين وآخر مثيرًا للجدل . ولقد كانت سنة 1947 نقطة التحول في حركة التحديث هذه حينما نشر كل من بدر شاكر السياب ونازك الملائكة قصائدهما الجديدة التي تميزت بأسلوب جديد قائم على :

أولًا : تنويع عدد التفعيلات في البيت الشعري الواحد .

 ثانيًا : على صورة شعرية غير مسبوقة .

 ثالثًا : على ثيمات بدت للوهلة الأولى غريبة وخارجة عن المألوف

وأضاف هناك أهمية قصوى حين الحديث عن محاولات تحديث الشعر العربي أن ننظر إلى الأنماط والقواعد الشعرية القديمة التي سادت لقرون طويلة. فالشكل العروضي الذي استنبطه الخليل بن أحمد الفراهيدي المتوفى في 791 م ، ثم عمود الشعر الذي استخدمه الشاعر العباسي البحتري المتوفى عام 897 م ، في القرن التاسع الميلادي والذي أضاف بعدًا منهجيًا لجهود الفراهيدي.

ورغم أن هناك إشارات إلى جهود تحديثية في القرن الثامن من قبل بشار بن برد وفي القرن التاسع من قبل أبو نؤاس وخاصة أبو تمام، الذين استخدموا استعارات جريئة، لكن هذه الجهود لم ترتق إلى أية نتائج جوهرية باستثناء بعض الأشكال في الأندلس .

ثم تحدث المحاضر عن دور روبرت براوننغ في إثبات أن الشعر الأميركي لم يمت ، كما كان يقال في مطلع القرن العشرين ، وأكد أن بدر شاكر السياب لم يكن مقلداً ل ” ت. إس . إليوت” ، بل كان متفوقاً عليه في أمور كثيرة .

واختتم قائلاً : ما يستفزني هو اعتقاد بعض العرب أن الشاعر الغربي متفوق على نظيره العربي ، مؤكداً أن معجم الشعر والشعراء العرب ، في كل مراحلهم ، غني جداً وفيه ما يؤكد أن الشاعر العربي ليس أقل شأناً من الغربي ، إن لم يكن متفوقاً عليه في كثير من الأحيان.

المركز والهامش

عقب جمال بن حويرب مطولاً على قول المحاضر بأن الغربيين يعتقدون أنهم المركز وأن الآخرين هم الهامش قائلاً: من خلال متابعتي للشعر العربي ، الآسيوي والإفريقي الذي بدأ شفاهاً ثم تطور إلى دواوين ، أستطيع القول أن الشعر العربي لم ينته ، كما يعتقد البعض ، وأن الشعر الغربي ليس هو المركزي وغيره هامشي ، بل هناك شعر عربي مركزي وكذلك الشعر الآسيوي والإفريقي والأميركي اللاتيني ، كلها مركزية وإنسانية ، وليس بينها هامشي.

وشارك في التعقيب كل الدكتورة رفيعة غباش والإعلامي الشاعر حسين درويش وعدد من الحضور والصحافيين .

تكريم د.غانم السامرائي بدرع المركز من طرف د.شهاب غانم بحضور رئيس المركز جمال بن حويرب

المحاضر في سطور

ولد الدكتور غانم السامرائي في مدينة سامراء العراق، وتشكلت في تلك المدينة التاريخية ملامحه الثقافية، وتكونت آراؤه في التراث والأدب، وبعد عامين من انتقاله للعيش في العاصمة بغداد بدأ دراسة اللغة الإنجليزية في الجامعة المستنصرية وتخرج فيها عام ،1976 ثم واصل دراسته العليا في جامعة بغداد ليحصل في عام 1979 على درجة الماجستير في الأدب الإنجليزي، فأصبح عضوا في الهيئة التدريسية لكلية الآداب، ومن هناك بدأ مسيرته الأكاديمية الطويلة، وترافقت معها نشاطات ثقافية أخرى من بينها عمله في الصحافة، حيث ترأس مدة ثلاثة أعوام قسم الشؤون الدولية في جريدة بغداد أوبزيرفر الناطقة باللغة الإنجليزية .

سافر د .السامرائي إلى المملكة المتحدة لينال هناك درجة الدكتوراه في الأدب المقارن، وصدر له مؤخراً كتاب الشارقة، رؤية شعرية عن دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة وقبله كتاب إرث روبرت براوننغ في الشعر الأميركي الحديث، كما صدر له في عام 2009 كتاب التأثير الغربي في الشعر العربي الحديث . وترجم أربعة كتب ونشر العديد من البحوث في ميادين الأدب المقارن في حقول الشعر والمسرحية والرواية.

وإضافة إلى عمله في التدريس فهو أيضا مدير تحرير مجلة جامعة الشارقة للعلوم الإنسانية والاجتماعية ونائب رئيس جمعية أساتذة اللغة الإنجليزية وآدابها في الجامعات العربية، وهو نائب رئيس تحرير مجلة أدبية عالمية تصدر في الهند .