غانم السامرائي يتحدث عن التأثير الغربي في الأدب العربي

مجلة مدارات ونقوش – العدد 22 - 23

 655 عدد المشاهدات

مدارات ونقوش – دبي

ضمن نشاطاته المستمرة في استثمار الخبرات العلمية للباحثين وأهل الاختصاص، استضاف مركز جمال بن حويرب للدراسات الكاتب والباحث الأدبي وأستاذ الأدب المقارن والترجمة المشارك في جامعة الشارقة الدكتور غانم جاسم السامرائي، في أمسية متميزة تحدَّث فيها عن “التأثير الغربي في الشعر العربي”، قدَّمه فيها الأديب والشاعر شهاب غانم.

بدأ الدكتور السامرائي محاضرته متحدثاً عن موضوع التأثير الغربي في الشعر العربي من خلال واقع قراءاته وكتاباته في هذا المجال، وذلك باستعراض ستة محاور: السياقات التاريخية، المركزية الغربية وآداب الأطراف (الجوانب المادية، والجوانب النفسية)، اللغة الإنجليزية والمناهج الدراسية، (تشمل نزوع الأدباء العرب لدراسة الأدب الغربي، والرومانسية الغربية والانجذاب العربي)، أيقونات الأدب الغربي، البيئة الأدبية العربية، ظهور حركة التجديد في الشعر العربي (بدر شاكر السيّاب ونازك الملائكة).

 

غانم السامرائي متحدثا خلال الجلسة بحضور جمال بن حويرب وشهاب غانم
غانم السامرائي متحدثا خلال الجلسة بحضور جمال بن حويرب وشهاب غانم

 

السياقات التاريخية

قال المحاضر: كنّا حتى سنوات قليلة مضت نعتقد أنَّ الكاتب الألماني «يوهان فولفغانغ فون غوته» (1749-1832) هو من ابتدع مصطلح (الأدب العالمي)، لكننا صرنا الآن نعرف أنَّ كاتباً ألمانياً آخر هو أوغست لودفّغ فون شلوزر (1735-1809) كان قد استخدم المصطلح في العام 1773 في كتابه عن التاريخ والأدب.

لكن غوته هو وحده من امتلك هذا التأثير البالغ في الساحة الأدبية الأوروبية رغم أنَّ أول إشارة مكتوبة صدرت عنه في هذا الشأن جاءت بتاريخ 15 يناير 1827.

لقد اكتسب «غوته» شهرته الأوروبية خصوصاً بعد صدور تراجيديته الأولى عام 1773، ثمَّ في العام التالي روايته (أحزان العاشق الشاب فيرثر) التي أبكت الأوروبيين في طول القارة وعرضها.

ثمَّ صدرت مسرحية فاوست الشهيرة عامي 1808 و1832.

في يناير عام 1827 قال «غوته»: «لم يعد للأدب القومي الكثير ليقوله في أيامنا هذه، فقد لاحت حقبة الأدب العالمي وعلينا جميعاً أن نعمل ما بوسعنا لتسريع مقدمه».

 

المركزية الغربية وآداب الأطراف

أضاف الدكتور السامرائي: ترافق مع مرحلة الهيمنة الاستعمارية الغربية على شعوب العالم الثالث شعورٌ طاغٍ بأنَّ الغرب هو مركز العالم، وحوله تدور مدارات الآخرين. والأسباب في ذلك الشعور تنقسم إلى مادية، خصوصاً بعد الثورة الصناعية والتقدُّم الاقتصادي الهائل الذي أعقبها، ونفسية تمثّلت في شلل الإرادة عند الشعوب “المتخلّفة” كما كان الغرب يسميها. موضحاً أنَّ التأثير الغربي في الشعر العربي لم يكن عميقاً، لكن هناك بعض الشذرات كان لها تأثير واضح.

 

هيمنة ثقافية

واستطرد الدكتور شهاب غانم قائلاً: تبع الهيمنة الاستعمارية الغربية هيمنة ثقافية كانت وسيلتها لغة المستعمر، ولاسيما الإنجليزية والفرنسية.

وهيمنت لغة المستعمر على ثقافة البلد الخاضع للاحتلال لدرجة أنَّ المناهج الدراسية في هذه البلدان تضمَّنت حصصاً للغة الإنجليزية مثلاً تتفوق على حصص تدريس اللغة المحلية.

وضرب المحاضر مثلاً على ذلك من خلال النموذج العراقي، حيث كانت حصص اللغة الإنجليزية في منهج الدراسة في ثانويات العراق في ثلاثينيات القرن الماضي أكثر من حصص العربية، وبعد نضالات ومطالبات من العراقيين تمَّ تدريس هذه الحصص بالتساوي.

وهذا ما نتج عنه انخرط أدباء الشعوب المستَعمَرة في قراءات ودراسات معمقة لآداب المستعمِرين. ومن مظاهر ذلك صدى الرومانسية الغربية في الأدب العربي، وخصوصاً الشعر.

 

الدكتور غانم السامرائي خلال الجلسة
الدكتور غانم السامرائي خلال الجلسة

 

 

أيقونات الأدب الغربي

               

وأضاف المحاضر: كانت مدارس وكليات الوطن العربي يملؤها صدى الأدب الغربي؛ فكلّما اشتهر كاتبٌ غربيٌّ دقَّت الأجراس في جامعات ومقاهي بغداد والقاهرة وبيروت ودمشق، وانبرى المترجمون للقيام بالمهمة، لكن معظم المهتمين والباحثين في مجال دراسات الترجمة يتفقون على أنَّ الشعر غالباً ما تضيعه الترجمة، فارتباط الشعر بالثقافة عادة يجعله مشوباً بالتعقيد، وبالتالي فإنَّ جميع النقاد يتفقون على حقيقة أنَّ الشعر يتعذَّر فصله عن اللغة التي كُتِبَ بها، خاصة إلى اللغات المختلفة وأنظمة العروض المختلفة والموسيقى الشعرية.

 

نازك الملائكة
نازك الملائكة

 

 

وقال السامرائي: إنَّ عملية ترجمة أو نقل لغة متحولة هي في حدِّ ذاتها مشكلة معقدة، لذا فالحقيقة تظلُّ أنَّ أيَّ ترجمة حرفية لمعالجة نص ما، غالباً ما تجعل المعنى المراد مبهماً وغامضاً.

وأوضح أنه حاول أن يكون حريصاً وأميناً بقدر الإمكان في نقل النص العربي، متجنباً أيَّ خروج على النص، إلا أنه سمح لنفسه باستخدام المرادفات الإنجليزية للمصطلحات الخاصة بالثقافة والتعابير، آخذاً في الاعتبار أنَّ ترجمة الشعر تقتضي الكثير من المعالجات لمعاني الألفاظ، وبالتالي عمد إلى بناء الجمل والكلمات المركبة، مضحّياً أحياناً بكلمة من هنا وأخرى من هناك. وأضاف: مع صدى الأرض اليباب صار «إليوت» أيقونة الشعر العالمي.

 

جانب من محاضرة التأثير الغربي في الأدب العربي بمركز جمال بن حويرب للدراسات
جانب من محاضرة التأثير الغربي في الأدب العربي بمركز جمال بن حويرب للدراسات

 

 

البيئة الأدبية العربية والتجديد

بيَّن الدكتور غانم السامرائي أنَّ الأوساط الثقافية والأدبية العربية كانت حاضنة خصبة للتناص مع الآداب الغربية، رغم أنَّ هذا التناصَّ كان يأتي متأخراً سنوات عدة. وقد شهد الشعر العربي الحديث منذ أواسط القرن الماضي حركة نقدية واسعة تفوق ما تلقاه عموم الأدب، ويكمن السبب وراء هذا فيما شهدته فترة الأربعينيات والخمسينيات من تحديثات جذرية في المفاهيم والتقنيات. ورغم صدور المئات من الكتب والبحوث الأكاديمية والمقالات الصحافية حول هذا الموضوع، فإنه مازال بين حين وآخر مثيراً للجدل.

وقال الدكتور السامرائي: كانت سنة 1947 نقطة التحوُّل في حركة التحديث هذه، حينما نشر كلٌّ من بدر شاكر السياب ونازك الملائكة قصائدهما الجديدة التي تميَّزت بأسلوب جديد قائم على:

أولاً: تنويع عدد التفعيلات في البيت الشعري الواحد.

ثانياً: على صورة شعرية غير مسبوقة.

ثالثاً: على سمات بدت للوهلة الأولى غريبة وخارجة عن المألوف.

وأضاف: هناك أهمية قصوى حين الحديث عن محاولات تحديث الشعر العربي أن ننظرَ إلى الأنماط والقواعد الشعرية القديمة التي سادت لقرون طويلة؛ كالشكل العروضي الذي استنبطه الخليل بن أحمد الفراهيدي المتوفى في عام 791م، ثمَّ عمود الشعر الذي استخدمه الشاعر العباسي البحتري المتوفى عام 897م، في القرن التاسع الميلادي والذي أضاف بعداً منهجياً لجهود الفراهيدي.

ورغم أنَّ هناك إشارات إلى جهود تحديثية في القرن الثامن من قبل بشار بن برد وفي القرن التاسع من قبل أبو نواس ولاسيما أبو تمام، الذين استخدموا استعارات جريئة، لكن هذه الجهود لم ترتقِ إلى أية نتائج جوهرية باستثناء بعض الأشكال الشادية في الأندلس.

 

صورة جماعية لحضور الجلسة
صورة جماعية لحضور الجلسة

 

تفوق عربي

ثمَّ تحدَّث المحاضر عن دور «روبرت براوننغ» في إثبات أنَّ الشعر الأمريكي لم يمت، كما كان يقال في مطلع القرن العشرين، وأكد أنَّ بدر شاكر السياب لم يكن مقلداً لـ «ت. إس. إليوت»، بل كان متفوقاً عليه في أمور كثيرة.

واختتم قائلاً: ما يستفزني هو اعتقاد بعض العرب أنَّ الشاعر الغربي متفوق على نظيره العربي، مؤكداً أنَّ معجم الشعر والشعراء العرب، في كل مراحلهم، غني جداً وفيه ما يؤكد أنَّ الشاعر العربي ليس أقل شأناً من الغربي، إن لم يكن متفوقاً عليه في كثير من الأحيان.

الدكتور غانم السامرائي

وُلِدَ الدكتور غانم السامرائي في مدينة سامراء العراقية، وتشكَّلت في تلك المدينة التاريخية ملامحه الثقافية، وتكوَّنت آراؤه في التراث والأدب، وبعد عامين من انتقاله للعيش في العاصمة بغداد بدأ دراسة اللغة الإنجليزية في الجامعة المستنصرية وتخرَّج فيها عام 1976، ثمَّ واصل دراسته العليا في جامعة بغداد ليحصل في عام 1979 على درجة الماجستير في الأدب الإنجليزي، فأصبح عضواً في الهيئة التدريسية لكلية الآداب، ومن هناك بدأ مسيرته الأكاديمية الطويلة. سافر الدكتور السامرائي إلى المملكة المتحدة لينال هناك درجة الدكتوراه في الأدب المقارن، وصدر له كتاب «الشارقة، رؤية شعرية» عن دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة وقبله كتاب «إرث روبرت براوننغ في الشعر الأميركي الحديث»، كما صدر له في عام 2009 كتاب «التأثير الغربي في الشعر العربي الحديث». وترجم أربعة كتب ونشر العديد من البحوث في ميادين الأدب المقارن في حقول الشعر والمسرحية والرواية.