فھد بن عبدالعزیز ملك المهمات الصعبة

أعلام الراوي مجلة مدارات ونقوش – العدد 11

الكاتب:جمال بن حويرب 

دخل الملك عبدالعزیز بن سعود مكة المكرمة محرماً ملبیاً ظافراً في الثامن من جمادى الآخرة من سنة 1342هـ الموافق لعام 1924م، وكانت جیوشه قد دخلتھا قبل ذلك في شھر ربیع الأول، وشاعرھم الشیخ محمد بن عثمان یقول:

دخلنا نلبي حاسرين رؤوسنــا
     وطفنا بذي الأنوار والأخاشـبِ
دعونا وكبرنا على المرو والصفا
     وتلك البقاع النيِّرات الأطايبِ

وبعد أقل من شھرین في السادس والعشرین من جمادى الآخرة، بعد ھذا النصر المؤزر كان قصر الملك في الریاض على موعد مع خبر مفرح یصل إلى أسماع الملك الذي یواصل انتصاراته، حيث أُخْبِرَ بأنه قد وُلِدَ له ولدٌ فسمّاه »فھد».

مدرسة عبدالعزيز
نشأ الملك فھد بن عبدالعزيز في كنف والده المنهمك في تأسيس ملكه العظيم، الذي لم ُیعرَف له مثیل في المنطقة كلھا، ونما في حجر والدة كریمة ھي الأمیرة حصة بنت الأمیر أحمد السدیري، رحمھما الله، وھي من ھي عقلاً وتقى وحكمة زرعتھا في أبنائھا وأولھم الملك فھد بكرھا.
كان الملك عبدالعزیز یشرف على تعلیم أبنائه ویولیھم اهتماماً كبيراً، وقد فتح في قصره مدرسة لتعليم الأمراء یشرف علیھا بنفسه، وكان من مدیریھا الأستاذ المربي رشدي ملحس، أحد المقربین من الملك وھو من أھالي نابلس بفلسطین. وأكبر وأعظم نفعاً من مدرسة أبناء الملك عبدالعزیز جامعة الملك التي خرّجت كبار الملوك وأعيان البلاد، ومنھم الملك فھد الذي رافق والده قرابة ثلاثین سنة تعلّم منه شؤون الحكم والفروسیة والشجاعة، وشارك معه وھو صغیر المسؤولیة كبقية إخوته الأمراء الذین تخرجوا في ھذه الجامعة العریقة.
عرف عن الملك فھد منذ صغره الھدوء والاتزان وأنه لا یمیل إلى اللعب، متقد الذكاء یحسن الإنصات والانتباه وذلك بفضل التربیة الصحیحة التي تلقاھا من والدیه؛ فقد خصَّص له والده معلمین ورائداً یشرف على تعلیمه، وأتباعاً ممَّن في سنه وأكبر منه یتعلَّم منھم ویشاركونه حیاته؛ فنشأ صلب العود قوي الشكیمة يتدرب على القیادة، فلما رأى الملك عبدالعزیز ھذا النبوغ في نجله فھد تشجَّع وأعطاه بعض المھمات الحكومیة.
ولا یظن من یقرأ سیرة الملك عبدالعزیز، وكیف أقام ملكه الحدیث بالقوة والعزة أنه كان أباً رحیماً عطوفاً یحب الاجتماع مع أھله وأبنائه وأقاربه یحدثھم ویتحاور معھم، ما یغرس روح التعاون والألفة بین أسرته الواحدة، وكان یعقد ھذا المجلس كلَّ یوم في الساعة السابعة صباحاً، ولیت كلُّ أب یخصِّص لأبنائه وقتاً لیستمع إليهم ويستمعوا إليه، وینشر السعادة في قلوب أسرته، لتكون حیاتھم أكثر نفعاً وتآلفاً وتعاوناً. وھذا المجلس بلا شك أضاف علماً وحكمة لرصید الملك فھد كلَّ یوم وھو صغیر ثمَّ في بدایة شبابه.
یقول المؤرخ خیر الدین الزركلي عن مجالس الملك عبدالعزیز: «خمسة وأربعون عاماً یتلى بین یدیه في ساعة معینة من كلِّ یوم فصل من التفسیر وفصل من التاریخ یختمان على الأكثر بالمناقشة في أھم ما اشتملا علیه، وما رأیت أحداً یعنى بتربیة أبنائه بنفسه وتدریبھم وتخریجھم في حال طفولتھم كالملك عبدالعزیز».
وقد تعلَّم الملك فھد في أول حیاته بساطة العیش وألف الصحراء كبقية إخوته وسكن الخیام وتدرب على الفروسیة والرمایة، وھو أیضاً من حرص والده الملك عبدالعزیز، كما نقل ذلك أمین الريحاني عن الملك نفسه فیقول: «إننا نعوِّد أنفسنا على تحمُّل المشاق؛ فنحن نجابه الكثیر من الأھوال والصعاب، إننا یجب أن نكون مستعدین دائماً، لذلك أعوِّد أبنائي على أن یمشوا حفاةً وأن یستیقظوا قبل الفجر بساعتین، وأن یكتفوا بالقلیل من الطعام، وأعلِّمھم الفروسیة من دون سرج..».
ھذه ھي الحیاة الصعبة التي عاشھا الملك فھد.. وكثیر من الرعایة والتعلیم والنشأة الحمیدة على ید والده الملك الذي أدّى حق الله في أسرته وأبنائه على كثرة ھموم الملك التي كان یحملھا كلَّ دقیقة في مملكة مترامیة الأطراف.. وھذه ھي البدایة الصحیحة التي أھَّلت الملك فھد لیدخل في معترك الحیاة السیاسیة بكل قوة.

معترك الإدارة
كانت جامعة أبیه تجمع بین الحكمة والشدة والرأفة والعلم في آن واحد، فتلقّى تعلیمه في مدرسة أبناء الملك في القصر، وفي مجالس أبیه الموحد الذي كان یجمع كبار المستشارین والعلماء والأعیان وشیوخ القبائل من كلِّ مكان، ومن حرص الملك عبدالعزیز على التعلیم أنه كان یصطحب معه كثیراً من طلاب المدرسة ومعلمیھا في رحلاته إلى الصید (القنص) وذلك لیراقب سلوك الأطفال ویتعرَّف إلى مستویاتھم وتقدمھم العلمي، كما أخبر بذلك أحد مدرسي ھذه المدرسة الشیخ عبدالله خیاط إمام الحرم المكي، رحمه الله.
ولم یكتفِ الملك فھد، رحمه الله، بما درسه في المدرسة، وإن كانت مناھجھا أقوى بكثیر من مناھج التعلیم الیوم؛ فقد اشتملت على تفسیر ابن كثیر وسیرة ابن ھشام والروض المربع وغیرھا من المقررات التي تدرس الیوم في المرحلة الجامعیة، وحرص على الاطلاع والقراءة وتثقیف نفسه وملازمة مجلس أبیه حتى قیل إنه بقي فترة یقف عند باب المدخل الخاص بالملك عبدالعزیز بسبب صغر سنه، حیث لم یكن یدخل عنده إلا إخوته الكبار كالملك سعود والملك فیصل فلما رآه الملك عبدالعزیز سأله عن أسباب وقوفه عند الباب؟ فأجاب بأنه لا یرید أن يفارقه، فأذن له الملك وبدأ یشترك مع إخوته في الرأي والمشورة.
وجاءت سنة 1931 وأمر الملك عبدالعزیز بإنشاء وزارة الخارجیة وأوكلت مھماتھا للملك فیصل، ثمَّ في عام 1932 تمَّ التحوُّل إلى مسمّى المملكة العربیة السعودیة وأصبح عبدالعزیز ملكاً علیھا، وبھذا بدأ عصر جدید في ھذه المملكة الجدیدة التي یقوم مَلِكُھا وأبناؤه ومعاونوھم وأعیانھا على إرساء قواعد الحضارة الحدیثة فیھا.

في تلك الأثناء رأى الملك عبدالعزیز رجاحة عقل ابنه الملك فھد؛ فعھد إلیه لقاء شیوخ القبائل وحلِّ مشكلاتھم وتلبیة طلباتھم، فاكتسب خبرة كبیرة من ھذه اللقاءات، ثمَّ لما تأكد والده من حسن تصرُّفه بدأ بتكلیفه بمھمات خارجیة، وكانت البدایة من خلال إشراكه في العدید من وفود المملكة، ومن ھذه المشاركات اجتماع إنشاء ھیئة الأمم المتحدة بمدینة سان فرانسیسكو بالولایات المتحدة الأمریكیة في إبریل عام1945م، وترأَّس وفد المملكة الرسمي المشارك في احتفالات تتویج الملكة إلیزابیث الثانیة ملكة بریطانیا عام 1953م، وغیرھا من المؤتمرات والمشاركات المھمة التي صقلت خبرته وجعلته مھیأً لتولي المناصب الكبرى.

في سنة 1945 انضمَّت المملكة العربية السعودیة إلى الأمم المتحدة، وفي السنة نفسھا انضمت إلى جامعة الدول العربیة، ثمَّ في سنة 1949 بدأت بأوامر من الملك عبدالعزیز توسعة الحرم المكي، واطلع الملك فھد على التحضیرات لھا، وشھد ھذه النقلة النوعیة في خدمة البلد الحرام، ولا أشك في أنَّ ھذه التوسعة بقیت في قلبه، وعزم على عمل جدید لیتشرف بتطویر الأماكن المقدسة.
في سنة 1953م انتقل الملك عبدالعزیز إلى جوار ربه، وتولى ولي عھده الملك سعود سدة الحكم فكان أن أمر في بدایات حكمه سنة 1953م بتأسیس وزارة للمعارف، وتعیین الملك فھد وزیراً لها، لما وجد فیه من حسن إدارة وثقافة واسعة تمكّنه من ھذا العمل المھم الذي أُسْنِدَ لید أمینة.
بدأ في عھد الملك فھد، وھو وزیر للمعارف، كثیرٌ من الأعمال التعلیمیة وتطویر التعلیم، وجلب المدرسین من كل مكان، وتغیَّر شكل المدارس في وقته في تاریخ طویل لا یمكنني أن أسرده ھنا، ولكن یكفي أنَّ عصره یعدُّ من العصور الذھبیة للعلم والتعلیم، ولا أزال أحتفظ بمعجم صحاح الجوھري الذي يبدأ بمقدمة من وزیر المعارف الملك فھد، رحمه الله، ويقول الدكتور عبدالله المنيف، الباحث في التاريخ العربي والإسلامي، إنَّ الملك فهد بن عبدالعزيز أرسى نهضة على مستوى التنمية في السعودية، حيث كانت البداية في وزارة المعارف سنة 1953، والتي كانت مجرد مديرية، وبعد التشكيل الوزاري في عهد أخيه سعود، وتوليه وزارة المعارف، هيَّأ المدارس وحسَّن ظروفها، واستقدم المعلمين، وقد كانت المدارس السعودية قبل ذلك تستعين بمناهج دول مجاورة، لكن فهد صنع خطة متكاملة للمناهج استعانت بالبيئة ومتطلباتها.
وفي سنة 1962 أمر الملك سعود بتعیینه وزیراً للداخلیة، ليقود نقلة نوعیة في ھذه الوزارة، حيث نقل خبراته في المعارف والتعليم إلى هذا القطاع الذي يتسم بالشدة والصرامة، كما يقول المنيف، فأنشأ الملك فهد الكليات والمعاهد، وغيَّر النظم الإدارية لتصبح الجهات الأمنية التابعة لوزارة الداخلية وحدة متكاملة تسهر على الأمن، ويؤكِّد الدكتور عبدالله المنيف أنَّ من يُرِدْ أن يطلع على المميزات الإدارية للملك فهد بن عبدالعزيز فليقرأْ مذكرات الوزراء والإداريين الذين عاصروه، حيث كان بالنسبة إليهم مدرسة إدارية من طراز رفيع وخاص.

إنجازات

وأظھر براعة في إدارة هذه الوزارة وتطویرھا؛ فشخصیته تدفعه لھذا ولا یرضیه إلا الأفضل والأكمل حسب استطاعته، وقد لازمته ھذه الطبیعة حتى آخر یوم من أیام حكمه، رحمه الله، یقول الأستاذ صالح بن ناصر في ترجمته للملك فھد: «بدأ عمله الجدید متوكلاً على الله واضعاً في الذھن المسؤولیة الكبیرة التي تحمّلھا والمتمثلة في حفظ الأمن في ھذا البلد الشاسع المترامي الأطراف الذي یزوره سنویاً مئات الآلاف حجاجاً ومعتمرین، إضافة إلى عدد كبیر من الوافدین للعمل حسب خطط التنمیة التي تتطلبھا في بلد ناشئ مثل السعودیة، وقد كان تركیزه على بناء رجل الأمن «القادر على أداء المسؤولیة المنوطة به»، حيث قام الملك فھد، وھو وزیر للداخلیة، بإعادة النظر في كلِّ التشكیلات التي كانت من قبل في وزارته منذ تأسیسھا في عام 1951في عھد المؤسِّس الملك عبدالعزیز، وقام الملك فھد بدمج وتوحید معظم المكاتب والأقسام والشعب في إدارات متخصِّصة لتنتقل الوزارة في عھده إلى مرحلة متقدمة من النظام، وقد أنشأ أیضاً في سنة 1968مدینة التدریب للأمن العام؛ فأحدث نقلة نوعیة في أسالیب التدریب وتقنیاته إلى أمور كثیرة يضيق المقال عن حصرھا.
في سنة 1970 أمر الملك فیصل، رحمه الله، بتشكیل لجنة برئاسة الملك فھد وعضویة الأمیر مساعد بن عبدالرحمن آل سعود، رحمه الله، وزیر المالیة آنذاك لمتابعة وتنفیذ خطط التنمیة بالتنسیق مع كافة القطاعات، فزادت خبرته العملیة واطلع على دقائق الأمور وخبر كیف یتم تسییرھا، ولا أشك في أنه علَق في مخيلته أمورٌ كثیرة لتطویر بلاده وكان ینتظر الوقت المناسب لتنفیذھا.

شهادة عن قرب
يقول أحد المرافقین الخاصين عن الملك فهد صفاته، رحمه الله، إنه ملك مخلص وصاحب قرارات حاسمة، فإذا قال فعل، كما أنه صاحب المھمات الصعبة والمشاریع العربیة الكبرى، ويضيف: «فهد یحافظ على كل كلمة یقولھا ویحسب حسابھا فلا یجعل على نفسه مدخلاً في قول أو فعل.. يتحسّب لكل شيء، لَوْذَعِيٌّ یتنبَّأ بالأشیاء قبل وقوعھا من كثرة خبرته، ویحتاط لھا، لا تفاجئه الأحداث ولا الأسئلة، إذا تحدَّث معه الرجل عرف من ھو وكیف ھو وماذا یرید؛ بسبب ممارسته للإدارة زمناً طویلاً، یحبُّ من كلِّ شيء أصدقه وأوضحه، ویكره عكس ذلك، مھاب وقويُّ الشخصیة لا یتجرَّأ علیه أحد..».
بعد وفاة الملك فیصل تولى سدة حكم المملكة العربية السعودیة الملك خالد، رحمه الله، وقد عیَّن الملك فھد ولیاً لعھده، فكان له نعم المعین ونعم المساعد على أعباء الحكم بما یحمله من فكر نیِّر وخبرة واسعة واطلاع محلي وإقليمي وعالمي، وكان في ھذه الفترة الممتدة إلى سنة 1982 ینوب عن الملك خالد في كثیر من المناسبات ویأخذ برأیه لأنه یثق به، وفي سنة 1982 رحل الملك خالد عن شعبه، موكلاً الأمانة لخیر خلف ولي عھده الملك فھد، وأمر بتعیین الملك عبدالله، رحمه الله، ولیاً للعھد. ومنذ تولیه الحكم لم یھدأ له بال وواصل العمل بشكل عجیب؛ فطوَّر الحكومة بأكملھا، وبنى وأشاد وواصل مسیرة والده وإخوته من قبله وزاد بأمور خصت به وهي:
أولاً: في عام 1983 وضع حجر الأساس لأكبر مجمّع في العالم لطباعة المصحف الشریف خدمة لكتاب الله، وكمیة ما تمَّ توزیعه لا مثیل لها في التاریخ الإسلامي، وفي السنة نفسها أنشأ ھیئة ملكیة لتنفیذ تطویر المدینة المنورة برئاسته، وافتتح أیضاً المكتبة الكبرى، مكتبة الملك عبدالعزیز فیھا، ثمَّ في سنة 1988 بدأت التوسعة في الحرمین الشریفین بشكل لم یعرفه المسلمون طیلة أربعة عشر قرناً من عمر الإسلام، إتقاناً وسعةً وكلفةً، وقد شاھدت بنفسي ھذه التوسعة من بدایتھا وكنت أتعجب من إتقانھا وحسن بنائھا والعمل المتواصل لخدمة الحجاج.
ثانیاً: التطویر في نظام مجلس الشورى كما نراه الیوم، وھذا منجز عظیم من منجزات الملك فھد، رحمه الله.

ثالثاً: وقوفه موقف الشجاع من غزو العراق الغاشم للكویت، ولن ینسى التاریخ موقفه المشرف الذي أجبر القوات العراقیة على الخروج من بعد حشد دول العالم للتصدي للطغیان، ولله درُّ القائل:

 یا من وفا للجار یوم الردي خان
     ویا من مروات العروبة حضنھا
ویا صاحب الرأي المظفر والاحسان
     أحسنت للجیرة وغیرك طعنھا

فماذا أسرد لكم من حسنات ھذا الراحل الملك النبیل فھد بن عبدالعزیز، الذي جمع من الصفات والحكمة والدھاء والشجاعة والرأي والعلم ما یجعلنا نقف له احتراماً وتقدیراً على كلِّ ما قدَّمه من مشاریع تنمویة وخدمة لكتاب الله والحرمین الشریفین، وتسمیة نفسه خادماً لھما وبنائه لكل المساجد التي تعود لعھد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وصحابته ووقوفه مع إخوته في المِحَن؟! كلُّ ھذا قلیلٌ جداً في حقه، ولكنه غیض من فیض مكارمه نذكرھا لأخذ العظة والترحُّم علیه، فقد رحل عنّا في الأول من أغسطس عام 2005، رحمه الله، وأدخله فسیح جناته.