لآلئ من كنوز اللهجة الإماراتية في «مزهر» السيوطي

الإمارات المستجدات ١ مجلة مدارات ونقوش – العدد 24– 25

 186 عدد المشاهدات

 

الكاتبة : مريم جمعة عبدالله – كاتبة وباحثة إماراتية

 

 

قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ﴾ (الروم: 22).

لا يخفى على القارئ الكريم أهمية البحث في اللهجات وتدوينها تدويناً شاملاً يحتفظ بها، فهي مصدر أصيل يهتدى به إلى معرفة اللهجات العربية القديمة([1])، وبها يتم ترسيخ علاقتنا بتراثنا الذي تعدُّ اللغة أعظم دعائمه ومرتكزاته، كما أنَّ توثيق بعض الألفاظ التي دفعت خارج دائرة الاستعمال يعدُّ ضمن الواجب الوطني في المحافظة على الهوية والأصول والنسيج الثقافي.

كتاب المزهر للسيوطي
كتاب المزهر للسيوطي

 

وقد كان لعلماء العرب اليد الطولى في بيان لغات العرب وحفظها وبيان رأيهم فيها، كما كان لهم اهتمام كبير بلهجاتها، وذلك لشدة أهميتها في الدرس اللغوي، فنجد ذكرها طاغياً على مصنفاتهم، في كتب اللغة، والنحو، والتفسير، والمعاجم، وعلوم القرآن. كما كانت تلك اللهجات المعين الذي لا ينضب لعلماء اللغة في تفسير الظواهر النحوية وتوجيهها، مما دفع العلماء إلى التصنيف فيها[2].

ويعدُّ كتاب (المزهر([3])في علوم اللغة وأنواعها) للإمام جلال الدين السيوطي واحداً من الكتب الرائدة في الدراسات اللغوية، عالج فيه قضاياها بنفَس علمي يتسم بالدقة والإحاطة([4])، كما قدَّم خدمة جليلة لعلوم اللغة العربية، حيث حفظ نصوصاً قيّمة نقلها من كتب ثمينة دُثِرت، فصار هو المرجع في الدلالة عليها والاستفادة منها.

والقارئ المتعمِّق للكتاب يجد نفسه أمام كنز ثمين من لهجات العرب ضمن ما وثَّقه من مفردات وأمثال وأشعار جمعها من بطون كتب اللغة، لذا فإنه يعدُّ مرجعاً قيّماً للتأصيل لمفردات من اللهجة المحكية التي لا تحيد عن العربية الفصيحة، بل قد تكون موافقة للغة من لغات العرب.

خلال اطّلاعي المتمعِّن على كتاب «المزهر» وقعت على ألفاظ تتوافق مع ألفاظ من اللهجة الإماراتية، قدَّمت لي معرفة مدهشة لأصول بعض الكلمات ذات الخصوصية اللهجية، لم يخطر ببالي أنها لهجة من لهجات العرب!

هذه الحصيلة الثمينة من المفردات دفعتني لاختيار بعض منها موضوعاً للبحث، حباً في اللهجة التي منحتنا هويتنا، ونقلت لنا موروثات الأجداد ومآثرهم، مقتدية بتوجيهات أستاذي: أحمد محمد عبيد بوجوب جمع لهجات الإمارات وتأصيلها وتحليلها وفق قواعد ملموسة، ذكرها في كتابه «لهجات الإمارات.. مقدمات ودراسات»([5])، آملة أن تكون نواة لبحث موسَّع إن شاء الله تعالى.

وقد قسمت البحث إلى مبحثين اثنين:

المبحث الأول: ألفاظ في التفاعل الإنساني.

المبحث الثاني: ألفاظ في مسميات بعض الكائنات الحية.

أما منهج البحث فجاء منسجماً مع موضوع البحث وطبيعته، تمثَّل في:

1. رصد الألفاظ الواردة في كتاب «المزهر» في علوم اللغة وأنواعها، معتمدة على النسخة الصادرة من دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع (دون سنة طبع).

2. البحث عن الألفاظ في بعض المعاجم اللغوية.

3. المقارنة وإيجاد العلائق بين مصدر الكلمة القديم والمعنى الوارد في الكتاب، وبين المعنى في اللهجة الإماراتية.

4. الوصف والتحليل وبيان التغيُّر الذي طرأ على الكلمة في الطور اللهجي من علل الإبدال وتغيُّر المعنى.

5. اعتماد الجداول كطريقة للعرض بما يتناسب مع منهج البحث.

وما توفيقي إلا بالله.

 

تمهيد

في لهجات الإمارات

 

معنى لهجة:

لغة: اللَّهْجَةُ طَرَفُ اللِّسان، وقيل جَرْسُ الكلام([6])، ويقال: فلانٌ فصيحُ اللَّهْجَةِ واللَّهَجةِ، وهي لغته التي جُبِلَ عليها فاعتادَها ونشأَ عليها([7]).

واللهجة اللسان بما ينطق به من الكلام، وسميت لهجة لأنَّ كلاً يلهج بلغته وكلامه([8]).

هذه التعريفات تقودنا إلى أنَّ العلماء استخدموا مصطلح (لهجة) بدلالته الحالية، والمتقدمين منهم استعملوا مصطلح (لغة) للدلالة على معنى اللهجة. فيقولون: لغة قريش، ولغة تميم، ولغة هذيل، ويريدون لهجاتهم([9]).

 

اصطلاحاً: هي مجموعة من الصفات اللغوية التي تنتمي إلى بيئة خاصة، ويشترك في هذه الصفات جميع أفراد هذه البيئة، وهذه البيئة قسم من بيئة أعم وأشمل تنتظم فيها لهجات عديدة، والواحدة منها متميزة عن الأُخر بظواهرها اللغوية، ولكنها تأتلف فيما بينها بظواهر لغوية أُخر، تُيسِّر اتصال أفراد هذه البيئات بعضهم ببعض، وهذه البيئة الأكبر هي اللغة.

 

العلاقة بين اللهجة واللغة:

والعلاقة بين اللغة واللهجة هي علاقة الخاص بالعام؛ لأنَّ بيئة اللهجة هي جزء من بيئة أوسع وأشمل تضمُّ عدة لهجات لكل منها خصائصها([10])، وجميع هذه اللهجات تشترك في مجموعة من الصفات اللغوية والعادات الكلامية التي تؤلِّف لغة مستقلة عن غيرها من اللغات([11]).

لهجات الإمارات:

تتَّسم لهجة أبناء الإمارات العربية المتحدة بأصالتها، حيث تعود جذورها ومفرداتها ولهجاتها إلى اللغة العربية الفصيحة، وهي أقرب إلى مفردات الجزيرة العربية بابتعادها قديماً عن مصادر التأثير الأجنبي الذي عانته بعض اللهجات الأخرى، مثل التأثير التركي والإنجليزي والفرنسي والإسباني والإيطالي، وإن كان هذا لا يمنع وجود تأثير قليل من بعض المناطق المجاورة([12]).

وعلى الامتداد الجغرافي المتنوع لدولة الإمارات العربية المتحدة تعيش مجموعة كبيرة من القبائل، على السواحل والجبال والصحارى، ألفاظها في معظمها ألفاظ قديمة ذات حلقة متَّصلة بلهجات القبائل العربية العريقة التي سكنت هذه المنطقة قبل الإسلام([13]) مشكِّلة معجماً لغوياً غنياً يظهر مدى قدرة اللهجات على سبر أغوار المجتمع وطبائعه المختلفة بألفاظ مقتضبة ومركَّزة وشديدة التكثيف. هذا المعجم يتميَّز بالتعدُّد والاختلاف في بعض الأحيان([14])، وهو الذي أعطى اللهجة الإماراتية خصوصيتها.    

الظواهر اللغوية في اللهجة الإماراتية:

 يوجد في لهجة الإمارات المحكية ما يوجد في غيرها من اللهجات العربية من ظواهر لغوية وصرفية وصوتية([15])، يعدُّ بعضها من النادر وبعضها ينحاز إلى لهجات عربية منقرضة([16])، مثل الإبدال، والقلب والتليين، والحذف، والإمالة، والتصغير، والتثنية، وأنواع الجموع القياسية وغير القياسية والكشكشة، وإضافة هاء السكت بعد ياء المتكلم، وإضافة حرف الباء في أول الأفعال المضارعة وإضافة الباء عند الرفض أو في نفي الحديث، وحذف همزة المؤنث([17]).

    

وعلى هذه الخلفية فإنني سأتناول في الصفحات القادمة تأصيل بعض مفردات اللهجة الإماراتية الواردة في كتاب المزهر للإمام السيوطي، رحمه الله، بالوصف والتحليل، مظهرة أصالة هذه اللهجة الحبيبة في العربية.

 

طائر الشقراق أو الضاضوة
طائر الشقراق أو الضاضوة

والظاظو في اللهجة المحلية:

الخاتمة

 اللغة كائن حي يتطوّر ويتغيّر ويتجدّد ويموت، وفي اللغة كلمات تموت بعدم الاستعمال، وفيها كلمات تتجدَّد بالاشتقاق، وفيها كلمات تنزاح دلالتها لمعانٍ جديدة، ولذلك يجب أن تدرس اللهجات ليستفاد منها في تقوية روافد اللغة على ألسنة الناس، كما فعل علماؤنا الذين لم يغب عن عقولهم المتفتحة هذا الجانب الدقيق.

ولهجات دولة الإمارات ثرية بالألفاظ وبالتعابير الدقيقة ذات الأصل الفصيح، وقد تناولت بعض ألفاظها الواردة في كتاب المزهر في علوم اللغة وآدابها في هذا البحث الذي اقتضت طبيعته أن يكون في مبحثين تسبقهما مقدمة وتمهيد.

في المقدمة: بينت أهمية البحث في اللهجات، ودور كتاب المزهر للإمام السيوطي في حفظ النصوص القيّمة التي لم تصل إلينا، كما وضحت فيها منهج البحث الذي اتبعته.

أما التمهيد فقد ضمنته لمحة عن اللهجات في دولة الإمارات العربية المتحدة وأصالتها وخصائصها.

في المبحث الأول: تعرضت لبعض الألفاظ في التفاعل الإنساني.

وفي المبحث الثاني: تناولت بعض الألفاظ في مسميات بعض الكائنات الحية.   

هو جهد بسيط، لكن آمل أن يكون خطوة على الطريق الصحيحة في جمع وتأصيل مفردات اللهجة الإماراتية المتميزة بخصوصيتها النابعة من التعدُّد والاختلاف، لتكون قادرة على الانتقال معنا للمستقبل، في عصر العولمة وتداعياته المختلفة على منطقتنا.

 

قائمة المصادر والمراجع

1.       أولاً: المصادر:

2. أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1979م.
3. ابن منظور، معجم لسان العرب، دار صادر، بيروت، الجمهورية اللبنانية، نسخة إلكترونية.
4. جلال الدين السيوطي، المزهر في علوم اللغة وأنواعها، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بلا سنة طبع.
5. الخطيب الإسكافي، مختصر كتاب العين، تحقيق: هادي حسن حمودي، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، الطبعة الثانية، 2016م.

 ثانياً: المراجع:

 1- أحمد علم الدين الجندي، اللهجات العربية في التراث في النظامين الصوتي والصرفي، الدار العربية للكتاب، 1983.

2- أحمد محمد عبيد، دراسات في أدب الإمارات وثقافتها ولهجاتها، المؤلف، 2003م.

3- أحمد محمد عبيد، ظاهرة الإبدال في لهجات الإمارات العربية المتحدة، هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، دار الكتب الوطنية، أبوظبي، الإمارات العربية المتحدة، الطبعة الأولى، 2013م.

4- أحمد محمد عبيد، لهجات الإمارات.. مقدمات ودراسات، دائرة الثقافة، الشارقة، الإمارات العربية المتحدة، الطبعة الأولى، 2006م.

5- باسم خيري خضير، اللهجات العربية في كتب لحن العامة، الدار المنهجية للنشر والتوزيع، عمّان، الأردن، 2014م.

6- خميس إسماعيل المطروشي، اللهجة الإماراتية/ رمستنا، المؤلف، الطبعة الأولى، 2013م.

7- رمضان عبد التواب، بحوث ومقالات في اللغة، مكتبة الخانجي بالقاهرة، دار الرفاعي بالرياض، الطبعة الأولى، 1982م.

8- عبدالله محمد صالح، رمسة أهل الإمارات، معهد الشارقة للتراث، الشارقة، دولة الإمارات العربية المتحدة، الطبعة الأولى، 2017م.

9- صلاح حيثاني، من معجم ألفاظ العامية الإماراتية دراسة وتأصيلاً، شركة العلامة المميزة لتنظيم الندوات والمؤتمرات، أبوظبي، الإمارات العربية المتحدة، الطبعة الأولى، 2013م.

10- عبدالفتاح الحمود وآخرون، معجم ألفاظ لهجة الإمارات، مراجعة محمد المر، مركز زايد للتراث والتاريخ، العين، الإمارات العربية المتحدة، الطبعة الأولى 2008م.

11- فالح حنظل، مختصر معجم الألفاظ العامية في دولة الإمارات العربية المتحدة، مؤسسة دار هماليل للطباعة والنشر، مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون، أبوظبي، الإمارات العربية المتحدة، الطبعة الأولى، 2015م.

12- فالح حنظل، معجم الألفاظ العامية في دولة الإمارات العربية المتحدة، وزارة الإعلام والثقافة، الإدارة الثقافية، أبوظبي، الإمارات العربية المتحدة، الطبعة الثانية، 1998م.

13- محمد أديب عبدالواحد، معجم الفصيح من اللهجات العربية وما وافق منها القراءات القرآنية، مكتبة العبيكان، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، 2000م.

14- محمد سالم محيسن، المقتبس من اللهجات العربية والقرآنية، مؤسَّسة شباب الجامعة للطباعة والنشر والتوزيع، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية، 1986م.

15- يعقوب يوسف الغنيم، ألفاظ اللهجة الكويتية في كتاب لسان العرب لابن منظور، مركز البحوث والدراسات الكويتية، الكويت، الطبعة الثانية 2004م.

ثالثاً: الشبكة الدولية للمعلومات:
• عبدالرحمن بن محمد هيباوي، المزهر وقضية الإسناد عند اللغويين، جريدة البلاد الإلكترونية.


[1]. اللهجات العربية في التراث في النظامين الصوتي والصرفي، أحمد علم الدين الجندي ص143.

[2]. اللهجات العربية في كتب لحن العامة، باسم خيري خضير، ص15.

[3]. كتاب لغوي أدبي ألفه السيوطي، يضم خمسين نوعاً أو علماً من علوم اللغة؛ بلغت مصادره فيه مئتي مصدر يعود أقدمها إلى القرن الثاني الهجري كالعين للخليل بن أحمد الفراهيدي، وأحدثها إلى الفيروز آبادي.

[4]. المزهر وقضية الإسناد عند اللغويين، عبدالرحمن بن محمد هيباوي، جريدة البلاد الإلكترونية.

[5] . راجع كتاب: لهجات الإمارات، أحمد محمد عبيد، ص16.

[6] . مختصر كتاب العين، الإسكافي، ج1، ص463.

[7] . لسان العرب، ابن منظور، نسخة إلكترونية.

[8] . معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، 5: 212، نسخة إلكترونية.

[9] . اللهجات العربية في كتب لحن العامة، باسم خيري خضير، ص23.

[10] . معجم الفصيح من اللهجات العربية، محمد أديب عبدالواحد، ص14، نسخة إلكترونية.

[11] . المقتبس من اللهجات العربية والقرآنية، محمد سالم محيسن، ص8، نسخة إلكترونية.

[12] . لهجات الإمارات.. مقدمات ودراسات، أحمد محمد عبيد، ص40.

[13] . مثل: الأزد وعبد القيس وتميم وبكر بن وائل وبني سامة بن لؤي، وقبائل أخرى من قضاعة مثل كلب ونهد والقين وقبائل مثل: طيء وكندة وأقوام من الأوس والخزرج وغيرها كثير.

[14] . دراسات في أدب الإمارات وثقافتها ولهجاتها، أحمد محمد عبيد، ص96.

[15] . ظاهرة الإبدال في لهجات الإمارات العربية المتحدة، أحمد محمد عبيد، ص7.

[16] . من معجم ألفاظ العامية الإماراتية دراسة وتأصيلاً، صلاح حيثاني، ج1، ص8.

[17]. لم يتَّسع المجال هنا للتمثيل، ولمعرفة الأمثلة لهذه الظواهر يرجى الرجوع للكتب المختصة.