لمحات من حياة وشعر الشاعر علي محمد لقمان

مجلة مدارات ونقوش – العدد 13

 1,036 عدد المشاهدات

الكاتب: د. شهاب غانم

لمحات من حياة علي لقمان:

لا شك أنَّ علي محمد لقمان (1918-1979م) رحمه الله، من أهم الشعراء بل والشخصيات المؤثرة في تاريخ عدن، بل واليمن، في الفترة بين الحرب العالمية الثانية ووفاته في آخر 1979 رحمه الله. فقد كان أول من نشر ديواناً شعرياً في عدن وكان ذلك ديوان (الوتر المغمور) عام 1944، وأول من نشر مسرحية شعرية في عدن وكانت تلك مسرحية (بجماليون) عام 1948، وأول من نشر ديواناً باللغة العامية هناك وكان (ياهوه.. الوراد) عام 1958، كما كان أول خريج يمني في الصحافة، وكان ذلك بدرجة الشرف في جامعة القاهرة عام 1947.

أثناء الحرب العالمية الثانية وهو في أوائل العشرينيات من العمر عمل في إدارة القسم العربي لمكتب النشر مساعداً للمستشرقة الشهيرة فريا ستارك التي كتبت عنه في «كتب الشرق والعرب»: (في شخصه الشاب يستطيع المرء أن يرى مستقبل البلاد العربية، ففيه يلتقي عهدان من عهود التاريخ – الفايكنغ ووال ستريت – قد تؤلف بينهما التقاليد ولكنهما يختلفان في جميع ظروف الزمان والمكان وتتجسم في ذلك اللقاء المشكلة الجوهرية التي تواجهها جميع الحكومات العربية ألا وهي المسافة الطويلة التي يجب أن تقطعها في الحضارة). وفي تلك الفترة ترجم لقمان عدداً من الكتب الإنجليزية منها مجموعة من الشعر الإنجليزي الرومانسي قيل لي إنها لوردزورث أو بايرون لم أطلع عليها ويبدو أنَّ نسخها ضاعت في سنوات الحرب.

درس الثانوية في عدن وكان من مدرسيه والدي الشاعر محمد عبده غانم، رحمه الله، الذي كان زوجاً لشقيقة لقمان. وبعد أن حصل على شهادة السينير كامبردج الثانوية أتم دراسته في جامعة عليكرة في الهند قبل أن يدرس في جامعة القاهرة ويحصل على ليسانس آداب بدرجة الشرف من قسم الصحافة عام 1947 وكان من مدرسيه – وبعد ذلك من أصدقائه – التوأمان الشهيران في عالم الصحافة علي ومصطفى أمين.

عمل لقمان مديراً لتحرير صحيفة “فتاة الجزيرة”، أول صحيفة مستقلة في عدن وكان صاحبها ورئيس تحريرها والده رجل النهضة الشهير جدي لأمي المحامي محمد علي لقمان، رحمه الله. وكان علي لقمان في الوقت ذاته رئيساً لتحرير صحيفة “القلم العدني” الأسبوعية التي أنشأها بنفسه ثمَّ صحيفة “الأخبار” اليومية التي أنشأها بعد ذلك بسنوات. وكتب في هذه الصحف الثلاث وغيرها من الصحف مئات المقالات السياسية والأدبية والاجتماعية والفكرية.

كان علي لقمان سياسياً بارزاً وأميناً عاماً للحزب السياسي المعروف باسم “الجمعية العدنية”، وتقدم إلى الانتخابات الشعبية وفاز فيها وتقلد لفترة شهور منصب وزير ولكن سرعان ما استقال، فقد كان في غالب حياته السياسية في مقدمة المعارضة. وقد تولى منصب رئيس مجلس هيئة الكهرباء في آخر عهد الاستعمار وأوائل عهد الاستقلال.

وبعد انتقال الشاعر عام 1972 من عدن إلى تعز في الجمهورية العربية اليمنية، استمرت قصائده تظهر في صحف الشمال، ولكن عندما سمع أحد المسؤولين هناك يتذمر من نزوح الجنوبيين الكبير إلى الشمال هرباً من الحكم الشمولي في الجنوب، أصبح يمهر قصائده بلقب “نزيل عصيفرة” فعاتبه أصدقاؤه في مجلس الرئاسة؛ الرئيس عبدالرحمن الإرياني، والأستاذ أحمد محمد نعمان، والشاعر السيد أحمد بن محمد الشامي، رحمهم الله، فتوقف عن استعمال اللقب. وقد استعملت ذلك اللقب في عنوان كتابي عنه: “علي محمد لقمان، نزيل عصيفرة، ومختارات من شعره” عام 2002 وكان أول كتاب عنه.

الشاعر علي محمد لقمان
الشاعر علي محمد لقمان

وقد أصدر علي لقمان ثمانية دواوين وخمس مسرحيات وكتاباً منثوراً وكتيباً بالإنجليزية.  وكل تلك الكتب صدرت في عدن ما عدا ديوان “عنب من اليمن” الذي أصدره الشاعر بعد النزوح إلى الشمال. وقد خلف عدداً من الدواوين والمسرحيات المخطوطة جهزت أنا منها بعد رحيله ديوانه “يا ليل في عصيفرة” للنشر ولكن طلبه د. أحمد الهمداني فآثرته به فنشره ضمن الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر ضمن المجلد الأول الذي حوى الدواوين بينما حوى المجلد الثاني المسرحيات. وكان ابنه د. وجدان لقمان، رحمه الله، قد أصدر بعد رحيل والده مجموعة صغيرة من شعر لقمان كان قد ترجمها الشاعر نفسه إلى الإنجليزية. كما نشرت أنا له آخر العام الماضي 2018 الجزء الثاني من ديوانه باللهجة العدنية “يا هوه.. الوراد” تحت عنوان “عودة الوراد” مع مقدمة وشرح للألفاظ العامية حتى يفهمها القارئ العربي في الإمارات وغيرها.

وقد غنّى عدد من المغنين اليمنيين أثناء حياته بعض قصائده باللغة الفصحى وبعض كلمات الأغاني التي كتبت بلهجة عدن خصيصاً للغناء ومنها “صلاة قلب” التي غناها محمد مرشد ناجي، و”الكوكب الساري” التي غناها أحمد بن أحمد قاسم، و”يا طير كم لي طريح” التي غناها ياسين فارع، على سبيل المثال.

وعلى الرغم من أهمية لقمان الكبيرة كأديب وسياسي وصحفي فقد عانى في عدن بعد الاستقلال عام 1967، ليس كسياسي فقط بل أيضاً كشاعر، التجاهلَ والتهميش طوال فترة الحكم الشمولي الحاقد على الوطنيين. ولكن ظهرت عنه بعض المقالات والدراسات بعد وفاته تشيد بدوره الأدبي، وذكره بعض زملائه السياسيين بإنصاف ووفاء فيما نشروه من مذكرات كما في كتاب “الاستقلال الضائع” للحاج عبده حسن الأدهل على سبيل المثال. وربما كنت أنا من أوائل من كتب عنه كأديب في الصحافة وكذلك والدي د. محمد عبده غانم، ود. عبدالعزيز المقالح الذي نشر فيما بعد أكثر من دراسة قيِّمة عن علي لقمان شاعراً وناقداً، ثمَّ جعل تلك الدراسات فصولاً في بعض كتبه. وقد كان أول كتاب ينشر عن لقمان كتابي “علي محمد لقمان.. نزيل عصيفرة ومختارات من شعره” عام 2002، ثم صدرت عنه عدة كتب منها كتاب نقدي للأديب العراقي د. أحمد الحداد وآخر للكاتب من عدن نجمي عبد المجيد. وأعتقد أن علي لقمان شاعراً غنائياً ومسرحياً وصحفياً ومفكراً سياسياً يستحق أكثر من كتاب وأطروحة.

ومنذ بدايات الوحدة بدأ اسم علي لقمان يظهر في الصحافة في عدن نفسها من جديد وأقيمت بعض الندوات التلفزيونية حوله في مسقط رأسه عدن في الفترة الأخيرة وشارك فيها بعض أبناء عدن الأوفياء للشاعر من فنانين وأدباء وأصدقاء وتلاميذ أمثال الفنان خليل محمد خليل والأستاذ عبدالله فاضل فارع والفنان محمد مرشد ناجي والسادة شكيب عوض وخالد صوري وجعفر مرشد وأديب قاسم، رحمهم الله.

تزوج علي لقمان ابنة محمد عمر جرجرة الشيبة، وأنجبا د. وجدان رحمه الله، وأم وضاح شهاب غانم، رحمها الله، وابنتين توفيتا في الطفولة، والجيولوجي محمد جبر، والمهندس الكهربائي عماد، وجلاء الذين يعيشون في أمريكا. وتوفيت لهما طفلتان. وقد توفي الشاعر في أمريكا حيث ذهب للعلاج ونقل جثمانه إلى اليمن ودفن في صنعاء.

وقد عانى في السنوات العشر الأخيرة من حياته عدة أمراض، منها السل الذي نجا منه، والسرطان الذي قضى عليه. واتصل صديق يسأل عنه وهو في منزلي بدبي على فراش مرضه الأخير، لأنه سمع أنه توفي من ألم في الظهر.. فقال لي علي لقمان:

يقولون إني متُّ من وجع الظهر

     وما علموا أني أموت من القهر

وعند وفاته رثاه أستاذه وصديقه ونسيبه والدي بقصيدة من 60 بيتاً منها:

كنت أرجو بأن تعيش إلى أن

     تكتب الشعر بكيا في فراقي

نحن جدان في وئام ووضاح

     لصقنا ولم نزل في التصاق

ووئام ووضاح هما ابنتي وابني، وهما حفيدان مشتركان لهما.. كما رثيته أنا بقصيدة منها:

إن صنعاء غيبت في ثراها

     ألمعياً من آل لقمان قرما
كم تجلى ملء الصحافة نثراً

      وتسامى ملء الدواوين نظما
ومضى في “الفتاة” ينهض شعباً

     و”بأخباره” يناهض ظلماً
وينادي بيقظة اليمن الأم

     وكانت تحيا ردى مدلهما
كرمها ذاب في يديه عصيراً

     بابلياً شذى ولوناً وطعما

إن تكن في الحشا قد احتضنته

     فهو طفل في الليل عانق أُمّا

وقال د. عبدالعزيز المقالح في رثائه: “لقد ذهب علي محمد لقمان السياسي، وغاب علي محمد لقمان الوجيه العدني، وبقي علي محمد لقمان الشاعر هذا الذي لا تستطيع أي قوة في العالم أن تقلل من شأنه أو تهدم من كيانه.. لن يذهب اسمه ولن يغيب عن حياتنا الأدبية. كيف يمكن أن يضيع هذا الصوت الذي ارتفع قوياً في مطلع الأربعينيات يخاطب شعب اليمن في ألم مرير:

كل أفاق ولم تنهض وأيقظه

     صوت وأقعدك التدجيل والوسن
من كل تدليس أفاك عمامته

     شر يضيق بما يستحدث الزمن
والناس صنفان أرواح منابتها

     نور السماء وبعض طينها الوطن

لمحات من شعره:

للقمان ثمانية دواوين بالفصحى أولها “الوتر المغمور” الذي نشر عام 1944 بعدن، فكان أول ديوان ينشر هناك، وتغلب عليه الرومانسية ومنه من قصيدة “تعالي”:

تعالي نغب في الحب عن عالم الخنا

     تعالي إلى وادي القلوب تعالي

تعالي إلى محراب فني ورقتي

     وأيكة أحلامي ووكر خيالي

وظل مديد للمحبين وارف

     عزيز على قلبي المتيم غالي

فما العمر إلا ليلة عبقرية

     مخلدة في روعة وجلال

ومن ديوانه الثاني “أشجان في الليل” الذي نشر عام 1945 قصيدة بعنوان أبوالعلاء المعري:

مقامك، فوق الفرقدين، منير

     وصيتك، بين العالمين، شهير  

لئن عشت في الدنيا كفيفاً، فإنما

     عيون الكفيف العبقري شعور

على البغي، هذا الناس من عهد آدمٍ

     تباروا فلم تسلب نهاك شرور
إذا المال أغراهم نفرت كأنه

     وإن كان يحلو في الحياة، سعير

وإن كنت رهن المحبسين، فإنما

     لك الكون كرسي، وأنت أمير

وفي ديوانه الثالث “على رمال صيرة” الصادر عام 1952 وفيه عدة قصائد عاطفية وتأملية واجتماعية وسياسية وعدد منها عن عدن ولحج وفيها رثاء لشاعر لحج الكبير الأمير أحمد فضل العبدلي الملقب “بالقمندان” وفي قصيدة يتغنى فيها بالدستور اللحجي يبدؤها بالغزل بالدرع أو الثوب الرقيق الذي تلبسه نساء لحج وعدن ثم ينتقل للسياسة:

أعيدي لحنك الغالي أعيدي

     ففي لقياك يا غيداء عيدي

فيا لحجية عزفت لحوني

     وغنت في خمائلها قصيدي

عليها “درع” غانية كعوب

     بثغر باهت الدنيا وجيد

ولم أر من جمال “الدرع” أحلى

     على جسد المدغدغة الخرود

بني لحج أفيقوا من سبات

     طويل فالحياة لمستفيد

وبعد أن نشر ديواناً بالعامية عام 1958 بعنوان “ياهوه.. الوراد” نشر ديوانه الفصيح الرابع “أنَّات شعب” عام 1962 وأذكر أنه أرسل لي نسخة وأنا طالب هندسة بجامعة أبردين، فقرأته مرات عديدة لقلة الكتب العربية لدي في ذلك المكان النائي عن الوطن، وفيه كثير من الشعر الوطني والقصائد السياسية. وفيه قصيدة مؤثرة في رثاء طفلته الثانية “ظلال” عام 1953 منها:

لا تعذلوا من صاحَ يا ولدي

     هذا أبٌ ولهانُ في كَمَدِ
حملوا بأيديهم حُشاشَتَهُ

     فمضت حُشاشَتُهُ ولم تَعُدِ
وسَعوا بها نحو البِلى خَبَباً

     وسعى بوجدٍ غيرِ مُتَّئِدِ
هل تعلمون بما تُكابدُهُ

      أنفاسُه الحرَّى مِن النَّكدِ
مُتوجِّعٌ بالأمسِ داعَبَها

      واليوم ناداها فلم يَجِدِ
يا قومُ ما في العيشِ نائِبةٌ

     إنَّ النَّوائبَ فُرقةُ الولدِ

يا ليلُ كم لي فيكَ من شَجَنٍ

     مُتوهِّجِ الجمراتِ مُتَّقِدِ
أخفيتُ فيكَ مدامعي فَجرتْ

     كيف السُّلُوُّ ومَن قضت ولدي
بيتي خلا من ظِلِّها فَخلا

     يومي وكان ملاءَةً وغَدي
في كُلِّ رُكنٍ حُسنُ صورتِها

     ما فارقتْ روحي ولا خَلدي
تلهو هُنا بسَّامةً وهُنا

     نَشوى فلا تلوي على أحدِ

وارحمتاهُ لطِفلةٍ ضحِكتْ

     والموتُ يخطِفُها بِغيرِ يَدِ
تمضي بها الحُّمى وجانِحتي

     مثلُ الغَضا فيخونُني جَلَدي
وتئِنُّ في يدِ جَدِّها وأنا

     كُلُّ الأنينِ مجالُهُ كَبِدي
وتلوحُ لي تحتَ الشُّعاعِ سَنىً

     يخبو فتخبو الرُّوحُ في الجَسدِ
ولو استطعتُ ضممتُها ملكاً

     في ظِلِّ قلبِ الوالدِ البَرِدِ
وخبَّأتُها عن كُلِّ عادِيَةٍ

     في موضِعٍ في القلبِ مُنفرِدِ

ومن قصائد ديوانه الخامس بالفصحى “هدير القافلة” الذي نشر في بيروت عام 1965 قصيدة يهديها لوالدي د. محمد عبده غانم مدير المعارف بمناسبة تكريم والدي الذي كان أستاذه وصديقه في الشعر وصهره مرتين فغانم كان زوجاً لشقيقة علي لقمان، كما تزوجت أنا ابنة علي لقمان رحمهم الله جميعاً ومن أبياتها:

أبا قيس، “أبا ليلى القوافي” 

     أجرنا فالفواجع في زحام
بكيت بشعرك الأحباب هجراً

     ولاقيت الأحبة في غرام
وذقت الشهد في أبيات شعر

     وكم عسل شهي في كلام
وقفتُ كما وقفت قبيل عصر

     كأن لم يمض عام إثر عام

أهنِّئ أمتي بمقام حر

     أبيّ في المراقي والمرامي
وللألقاب في الأيام معنى

     بأنك فوق ذي حسد مسامي
ولولا العبقرية في قليل

     لضاع الكون في كثب الرغام
ذكرت صباي والدنيا نضال

     وبين يديك في الدنيا زمامي

ومن ديوان لقمان السادس بالفصحى “ليالي غريب” الذي نشر في 1965 أيضاً وضمنه الكثير من قصائد أيام شبابه في الغربة بجانب القصائد المعاصرة، فنجده مثلاً يحيي صدور ديوان والدي الأول “على الشاطئ المسجور” المنشور عام 1946 بقصيدة طويلة ويشيد بالطبيب المصري الذي أنقذ ذراعه بعملية معقدة وكانت انكسرت عند قفزه من قطار بقصيدة طويلة ويرثي شاعر اليمن الكبير محمد محمد الزبيري الملقب بأبي الأحرار بقصيدة طويلة أيضاً. وفي الديوان مقطوعة قصيرة من أربعة أبيات بعنوان “داء الجنوب” أي جنوب اليمن تقول:

كلما زدت في الجنوب مقاما

             زدت يأسا من أمتي في الجنوب

مزقت شملها الرزايا ولم تدرك

               فعاشت فريسة للخطوب

ضاع أهل العقول فيها ولم يسلم

               من العاصفات أهل الخطوب

لا تلمني في وحدتي وانعزالي

               إن دائي يا صاحبي في “جنوبي”

وفي ديوانه الفصيح السابع “الدروب السبعة”، والدروب السبعة هي سبعة دروب في جبل شمسان أعلى جبال عدن، وقد طبع في بيروت عام 1969، نقرأ عدداً من القصائد الوطنية السياسية والقومية مثل “إيلات وإيلات” وقصائد فلسفية مثل قصيدة الروح التي يعارض فيها عينية ابن سيناء وعدة مراث أهمها مرثيته لوالده المحامي محمد علي لقمان رجل النهضة، رحمه الله، وقصيدته في زفاف ابنته إلى كاتب هذا المقال ومنها:

واليوم “في الخمسين” يحــ

     ـلو في الوجود موردي (5)
ازفّ شمس أسرتي

     في موكب محتشد
في هيلمانٍ باذخ

     منوّر مجدد
الشهب من ضيوفه

     من لؤلؤ وعسجد
وحولها كواكب

     لوامع في صَيَد
يختلن في تدلّل

     كجوهر منضّد
والزَّف من رواقص

     عِينٍ ملاح خرّد
وعنبر مبارك

     في مجمر زبرجدي
عرائس الشعر شدت

     بالرائعات الجدد
وحيدة في سحرها

     تروي جمالاً اوحد
وليس يحلو عرس

     اذا خلا من منشد
إلى “شهاب” نيّر

     كفارس متّقد (6)
مهذّب مثقف

     وسيِّد من سيد

وقد نشر لقمان ديوانه الفصيح الثامن “عنب من اليمن” بعد نزوحه إلى تعز فراراً من الحكم الشمولي في جنوب اليمن وطبع في القاهرة عام 1975. وفيه عدد من القصائد كتبت في مناسبات دينية وقصائد من وحي الشطر الشمالي من اليمن ومن أهما قصيدة “مقهوية من سمارة” وقد زرت المقهى نفسه بعد ذلك بأكثر من ثلاثة عقود. ومن القصيدة الرائعة الوصف:

“مقهوية” اني “مقهو” فبيننا

     رباط من الفن الخدوم مقدس
فلا تفزعي من ناظريَّ اذا هما

الحا فهذا الحسن يغري ويؤنس
طويت “سمارا” قمة بعد قمة

فراق مكان انت فيه ومجلس
وبي ظمأ لم ينقطع وتطلع

وعندك من هذا الضنى متنفس
تحلق بي سيارة في شعابة

أكاد أمس الشمس منها وألمس
كأنك في حصن منيع حماته

طريق من الغازي المدجج اشرس
ولم تحل منذ الجاهلية قهوة

اذا لم تقدمها خرائد انس
كلانا “يقهوي” الناس من عهد آدم

فبنك اكواب وخمري اكؤس

     وجربت هذا الخلق في كل بقعة

فطاب لي الذئب الذي يتعسس

 

ديوان عنب من اليمن
ديوان عنب من اليمن
غلاف عودة الواردة
غلاف عودة الواردة

وفي ديوانه الفصيح التاسع “يا ليل في عصيفرة” الذي نشر بعد وفاته ونشر ضمن أعماله الشعرية الكاملة بعض أجمل قصائده مثل “المدينة الفاضلة” ويقصد بها عدن و”المشتاقة في العيد” و”الأبناء المتخلفون” وأصغر أطفاله من ذوي الهمم. ومن هذه القصيدة الأخيرة:

لو أستطيع وهبتك الفهما

     وبنيت في جثمانك العظما
وسعيت، يا ولدي، بلا كلل

     كيما تنال البأس والعلما
وحللت عقدتك التي منعت

     عنك الكلام، لتنظمَ النغما
أخشى عليك اذا قضيتُ أنا

     دنيا عرفت سخاءها لؤما
ان الحياة تنازع شرس

     لا تحسبنَّ مجالها سلما
الرحمة الكبرى يصوِّرها

     ربي! أباً في الكون أو أمَّا
أرنو اليك، وانت في كبدي

     كبدٌ، فيجري مدمعي جمّاً
وأراك في مرحٍ فأمرح في

     وجدي فاسلو الكرب والغمَّا
أخلاقك المثلى تعلِّمني

     ان البراءة نعمة عظمى
لكننا في الشرق يا ولدي

     حيث البلاء نعده نعمى

ما قيمة الانسان غالية

     فيه، ولا الانسان مهتمّا

رسم توضيحي قديم لمدينة عدن
رسم توضيحي قديم لمدينة عدن

ولعلي لقمان عدة دواوين مخطوطة لم تنشر. كما نشر في حياته ديواناً بالعامية العدنية يتناول القضايا الاجتماعية والسياسية بعنوان “يا هوه! الوراد” عام 1958 ونشرت أنا الجزء الثاني تحت عنوان “عودة الوراد” عام 2018 أي بعد 60 عاماً من نشر الجزء الأول وكتبت له مقدمة وفسرت ألفاظه العامية. كما نشر ابنه د. وجدان الذي كان طبيباً استشارياً في الغدد الصماء عام 1981 ديواناً صغيراً بالإنجليزية بعنوان “شعر من أرض سبأ” يحوي ترجمات قام بها لقمان نفسه لبعض شعره فقد كان متمكناً من اللغتين.

ونشر لقمان في حياته أول مسرحية شعرية تنشر في عدن بعنوان “بجماليون” عام 1948، ثم نشر أربع مسرحيات شعرية أخرى هي “الظل المنشود” عام 1951، “العدل المفقود” 1957 التي أهداها لوالدي، و” قيس وليلى”عام 1957، و”سمراء العرب” عام 1966، وهذه عن الزباء أو زنوبيا. وله بعض المسرحيات لا تزال مخطوطة. ومسرحياته بعضها فلسفي وبعضها اجتماعي أو سياسي أو تاريخي.

رحمه الله رحمة واسعة