لورانس العرب البولندي

أعلام مجلة مدارات ونقوش – العدد 16 - 17

بقلم : كاميلا بانيك – باحثة في الشعر النبطي

أصبح اسم الرحّالة البولندي فاتسواف سيفيرين جفوسكي معروفاً في دولة الإمارات العربية المتحدة أوَّل مرة سنة 2014، بسبب إصدار مخطوطته «انطباعات عن الشرق وشبه الجزيرة العربية». وبالتالي في السنة الماضية أثناء معرض أبوظبي الدولي للكتاب، حيث كانت بولندا ضيفة الشرف فيه. وهناك تمَّ تقديم مخطوطة جفوسكي التي تعود إلى 200 سنة. وهذا الكتاب يشكِّل من دون أيِّ شك مصدراً مهماً لمعرفة تراث وتاريخ منطقة الجزيرة العربية، بسبب وجود عدد قليل من المصادر التاريخية في تلك الفترة.

خبير في الخيول

شخصية الرحّالة البولنديّ فاتسواف جفوسكي مشهورة عند العرب خصوصاً، وذلك بسبب تأثيره في تطوُّر تجارة الخيل. وبالفعل كانت أنشطته في علم ووصف الخيول وخصائصها وبيئتها لا تُقدَّر بثمن.

وكذلك كان يقوم باستيراد الخيول من أوروبا، حيث احتلت الخيول منذ زمن بعيد مكاناً استثنائياً في الثقافة البولندية، بسبب الموقع الجغرافي للدولة والمناخ المناسب وأيضاً للخطر الدائم من جهة الجوار. وكانت الخيول تُسْتَخْدَمُ في الحروب، وحتى الآن ما زالت ظاهرة حبِّ الخيل موجودة في بولندا، وعلى سبيل المثال اُشْتُهِرَ الحقلُ التابعُ لمضمارِ “يانوف بودلاسكي” الشهير بتربية الخيول منذ مئتي سنة تقريباً.

المستشرق الرائد

وُلِدَ هذا المغامر والرحَّالة البولندي، فاتسواف، في 15 كانون الأول (ديسمبر) 1784 في مدينة لفوف الواقعة في شرق بولندا، وهي تقع الآن ضمن أراضي أوكرانيا، وقد نشأ في عائلة عريقة وثرية تنتمي إلى الطبقة الأرستقراطية النبيلة. أتقن ست لغات بينها اللغة العربية، والتي كان يتقنها بطلاقة حتى إنه كان يعرف تفسير القرآن الكريم.

 

 

جفوسكي باللباس العربي

 

ومن الجدير بالذكر أنه أوَّل رحّالة من أوروبا يمرُّ بصحراء نجد وجبال شمر. ووصفه مملوء بمعلومات ممتعة؛ فمثلاً في إحدى رسائله قال: «إنَّ كلَّ أهالي الصحراء تقريباً ينتمون إلى أتباع الوهابية، وسوف يحكمون المنطقة كلَّها».

 

لوحة تعبر عن الأصالة العربية التي شغف بها جفوسكي
لوحة تعبر عن الأصالة العربية التي شغف بها جفوسكي

 

كان فاستوف ينتمي إلى فرقة المستشرقين المعروفين في ذلك الزمان في أوروبا، ومن أصدقائه جوزيف هامر، ويوليوس كلابروث من النمسا. وقام جفوسكي بتأسيس وتمويل أوَّل مجلة لدراسات الشرق الأوسط في العالم، وكانت تصدر في فيينا. إلى جانب علمه وخبرته الكبيرة في مجال علوم الشرق الأوسط، هناك أشياء أخرى لعبت دوراً مهماً في رفع شهرته وهي خصائص طبعه ومزاجه الذي نال به تقدير سكّان الصحراء.

صديق البدو

أُعْجِبَ البدوُ بشجاعة جفوسكي وموهبته في ركوب الخيل. وكان راوياً جيّداً أيضاً، حيث أقنع العرب بأنَّ أصول أسرته تعود إلى العرب، ولكنها هاجرت قديماً إلى بولندا. وهذا لم يكن صحيحاً، حيث إنَّ جفوسكي نفسه بيَّن بعضَ تلك الأسباب التي جعلته مشهوراً ومحبوباً في المجتمع البدوي نتيجة لأسلوب الحياة البدوية التي اكتسبها، ومعرفته الكبيرة بالخيول العربية.

ومن الجدير بالذكر أنه عبَّر عن الحياة اليومية للبدو في الصحارى العربية فقال: ليس هناك أيُّ شيء يحدِّد تفكير البدو؛ لأنَّ شكلَهم لا يلتقي مع أيِّ شيء في العالم؛ فلديهم خيالٌ واسعٌ ويستطيعون الوصفَ باللغة العربية الأكثر غنى بين اللغات.

تكلَّم عن الشرق وسكّانه بإعجاب، ووصف حياتَهم بأنها مملوءةٌ بالفضيلة. و كان يكتب نوتاتٍ موسيقيَّةً للأغاني التي كان يسمعها وهو جالسٌ في نجد. وهذه النقطة مرتبطة بالمجال الثاني في حياة جفوسكي الذي سوف أكتب عنه فيما يلي.

الشعر النبطي

من الواضح أنَّ هناك ركيزتين أساسيتين في الثقافة العربية؛ هما حبُّ الخيل وحبُّ الشعر. فلنضعْ اقتباساً لما قاله جفوسكي عن العرب بمناسبة بيع الخيول: «العربي سيتكلَّم عن صفات حصانه عن طريق كتابة قصيدة شعرية، إنَّ تأثير إنشاد هذه القصائد كتأثير الكحول في الأوروبين».

جفوسكي كان شاعراً وكتب قصائده باللغة البولندية. كما أصدر ديواناً واحداً وفيه قصائد عدة عن الحياة البدوية، مثل قصيدة بعنوان «صحراء نجد»، وقصيدة أخرى بعنوان «النشيد الصباحي للبدو الوهابيين».

ونتيجة لرحلاته إلى الجزيرة العربية كُتِبَ في إحدى الجرائد أنَّ البدو كانوا يحبُّونه كثيراً، وكانوا يقارنونه بعنترة بن شداد في قصائدهم.

جفوسكي كان موسيقيّاً أيضاً، ولا بدَّ أنَّ تلك المهارات الفنية ساعدته على فهم وحفظ الشعر البدوي العربي الذي يتميّز بالأوزان والموسيقى.

وألهم جفوسكي كثيراً من الكتّاب والشعراء والمؤرِّخين، لكتابة قصائد ومؤلفات أدبية وتصويرية وسيراً ذاتية ودراسات تاريخية. ومن هؤلاء الكتّاب نجد أسماء كبار أدباء الأدب البولندي من أمثال: يوليوس سوافيتسكي، وآدم ميتسكيفتش الذي خصَّص له قصيدة بعنوان «فارس» والتي تعدُّ أفضل وأجمل قصيدة عنه.

الشرق والغرب يلتقيان في بولندا

ليس هناك شكٌّ في أنَّ هذا الرحّالة والمؤرِّخ والشاعر من الروّاد في الدراسات الشرقية. وأهمُّ شيء أنَّ طريقَ بحث مخطوطته يُمَكِّنُنا من أن نكتشفَ عدة جوانب تراثية وتاريخية لهذه المنطقة. وشيء جميل أن نعلمَ أنه كان من بلاد بعيدة، ومع هذا رحَّب به البدو في الجزيرة العربية كأنه واحدٌ منهم حتى منحوه لقب «تاج الفخر».

 

جزء من مخطوط يظهر فيه وصف الخيل العربي الأصيل
جزء من مخطوط يظهر فيه وصف الخيل العربي الأصيل

 

وقال الدكتور جورج يعقوب، الأستاذ في قسم اللغة العربية في جامعة وارسو، خلال معرض أبوظبي للكتاب في مقابلة مع وكالة الأنباء الإماراتية (وام): «إنَّ دولة بولندا ودولة الإمارات المتحدة تحبَّان الخيول». وقال أيضاً: «هناك الروح الشرقية ضمن البولنديين، ومن المتوقَّع أنَّ هذه الروح ليست موجودة في أي مجتمع أوروبي آخر».

وربما يجدر بنا النظر في دراسات المستشرقين البولنديين، ليس فقط بسبب عملهم الرائد في هذه الأرض، ولكن بسبب حبِّهم الحقيقي واهتمامهم الأصيل بمنطقة الجزيرة العربية.

 

المصادر:

  • W.S. Rzewuski, Sur les chevaux orientaux et provenants des races orientales, ok. 1820-1830;
  • F. Kucera, Wacław „Emir” Rzewuski (1784-1831): podróżnik i żołnierz, Poznań 2016;
  • J. Słowacki, Poezje, t. II, Lipsk 1862;
  • A. Piskor, Siedem ekscelencji i jedna dama, Warszawa 1939;
  • J. Reychman, Podróżnicy polscy na Bliskim Wschodzie w XIX w., 1972;
  • L. P. Leliwa, Wielka rodzina w wielkim narodzie, Kraków 1879;
  • L. Siemieński, Wacław Rzewuski i przygody jego w Arabii opowiedziane z pism pozostałych po nim, Kraków 1870;
  • “Rozmaitości” 1832, nr 28 (14 lipca);
  • „ Gazeta Literacka” 1821, nr 49 (9 grudnia).