مؤرخو الإمارات الأوائل أسهموا في حفظ تاريخ المنطقة

مجلة مدارات ونقوش – العدد 5

 1,199 عدد المشاهدات

قال المؤرخ والباحث في تاريخ الإمارات والخليج العربي الدكتور فالح حنظل: إنَّ مؤرخي الإمارات الأوائل أسهموا بدرجة كبيرة في حفظ تاريخ المنطقة، ونقله إلى الأجيال المقبلة، ما يفند النظرية القائلة: إنَّ تاريخ منطقة الخليج لا يتوافر سوى في الأرشيف الإنجليزي. وأكَّد أنَّ المخطوطات التي تركها لنا المؤرخون الأوائل من أبناء الإمارات، أسهمت في إلقاء الضوء على أهم الأحداث والوقائع التي شهدتها المنطقة.

جاء ذلك في أمسية نظَّمها مركز جمال بن حويرب للدراسات، بحضور نخبة من المثقفين والأدباء والمهتمين، وعدد من الإعلاميين والصحافيين.

قدَّم للمحاضرة الباحث والأديب الأستاذ بلال البدور رئيس جمعية الحفاظ على اللغة العربية في الدولة بقوله: في هذه الأمسية التي يغيب عنها أخي سعادة جمال بن حويرب، رئيس المركز، بسبب سفره خارج الدولة، نسلِّط الضوء على جانب من تاريخ الدولة.

ويطيب لي أن أقدِّم لكم غواصاً ماهراً في أعماق التاريخ، شخصية من أبناء المنطقة، كان يعمل في مجال شركات الحفر في الأعماق، فإذا به يخرج منها ليغوص في أعماق تاريخ المنطقة، ويوثق لنا الكثير من وقائعها وأحداثها، من خلال ما وقع بين يديه من مخطوطات تركها لنا المؤرخون الأوائل من أبناء الإمارات.

محاضرنا بذل جهداً كبيراً في جمع ما كتبه أبناء الإمارات، وفاجأ الجميع بكتابه «المفصل في تاريخ الإمارات»، ثم أتحفنا بـ«الأمثال الشعبية في الإمارات»، وجمع دواوين أبناء الإمارات في الشعر الشعبي، ثمَّ راح يقلب صفحات التاريخ التي كتبها مؤرخ الإمارات عبدالله بن صالح المطوع وأعدها للطباعة، وتصدى لديوان الشاعر حميد بن سلطان الشامسي، وأصدره بطبعة حُجبت لاحقاً.

وأضاف البدور: أما أهم عمل للمحاضر في نظري فقد كان البحث عن مخطوطة كنا نسأل عنها دائماً، للمؤرخ يوسف بن محمد الشريف، فقد حقَّقها الدكتور حنظل وأتحفنا بما نقلته من وقائع تاريخية. وأخيراً وليس آخراً، بحث محاضرنا في الأرشيف الوطني عن الرسائل المتبادلة، فكانت «رسائل السركال» و«رسائل المجلس”، إضافة إلى مجموعة كبيرة من الأعمال التي تتناول تاريخ الإمارات.

المخطوطات القديمة

بدأ الدكتور فالح حنظل حديثه قائلاً: يشكِّل موضوع المخطوطات القديمة في الإمارات مجالاً واسعاً يجب الاهتمام به في المرحلة الحاضرة، لأنه أحد الطرق المؤدية لمعرفة أخبار الأولين وتاريخهم، وما ورثناه منهم وعنهم، لكن مما يحز في النفس أنَّ الكثير من أبناء الإمارات، وبسبب الهَبة والنقلة السريعة من القديم إلى الحديث في المجتمع، حسبوا أنَّ مخطوطات الأولين لا أهمية لها، أو أنها آثار مندثرة، أكل عليها الدهر وشرب.

إنَّ حجب فترة تاريخية من حياة الأجداد يترك أبناء الجيل الجديد في حيرة من أمرهم، ويجعلهم عرضة لتقبُّل وتصديق الروايات المشوشة، أو المبالغ فيها، بل وحتى غير الحقيقية؛ لذلك ليس غريباً أن نجد أبناء الجيل الجديد لا يعرفون شيئاً عن الغافرية والهنائية، اللتين عمّا الفكر السياسي والاجتماعي والقبلي لآبائهم وأجدادهم. إن إخفاء الحقائق لا يلغيها من الوجود؛ لذا فعلى الدارس المتمعن أن يفهم بتجرد وتعمق أسباب وجذور تلك المتناقضات، وأن يفهم أيضاً ظروف ذلك العصر.

وأضاف د. حنظل.. عندما كتبت موضوع «مخطوطات الأولين من أهل الإمارات»، وكان ذلك في العام 2007 م، لم أكن حصلت على مخطوطة «الحوليات في تاريخ الإمارات»، لمؤلفها المرحوم يوسف بن محمد الشريف، من أهالي رأس الخيمة، والمتوفى عام 1917م.

مخطوطة الحوليات في تاريخ الإمارات

هذه المخوطة التاريخية التي ألّفها الشريف، نسخها وأضاف إليها مواد جديدة، المرحوم الشيخ محمد بن سعيد بن غباش «ت 1969 م». فلقد تردد اسم يوسف الشريف كمصدر وسند في الكتب والمؤلفات التاريخية القديمة التي ألّفها المؤرخون من أبناء الإمارات، مثل الكتابين اللذين ألفهما المرحوم عبدالله بن صالح المطوع، الأول بعنوان «الجواهر واللآلئ في تاريخ عمان الشمالي»، والثاني بعنوان «عقود الجمان في أيام آل سعود في عمان». وكذلك كتاب المرحوم حميد بن سلطان الشامسي، المعنون بـ«نقل الأخبار في وفيات المشايخ وحوادث هذه الديار»، إضافة إلى كتاب المرحوم الشيخ محمد بن سعيد بن غباش بعنوان «الفوائد في تاريخ الإمارات والأوابد».

واستطرد د. فالح: شدّت اهتمامي بصورة كبيرة مخطوطة المرحوم يوسف الشريف، ورحت أبحث عنها، إلى أن وجدت نسخة منها في أوائل العام 2011، محفوظة عند المرحومة آمنة ابنة المرحوم الشيخ المؤرخ عبدالله بن صالح المطوع، فأيقنت أني عثرت على كنز ثمين، فانكببت على دراستها وتحقيقها، ووجدت أنها:

– ليست المخطوطة الأصلية التي ألفها وكتبها المرحوم يوسف الشريف بخط يده، فالأصل لا يزال مفقوداً، أما الموجودة فما هي إلا نسخة المرحوم الشيخ محمد سعيد بن غباش عن المخطوطة الأصلية المفقودة.

– جاءت على شكل حوليات سنوية هجرية، وكل شهر من الحول، جاء إما في سطر واحد، وإما في سطور عدة تحتوي على خبر واحد.

– ليست ذات موضوع واحد، فهي مكونة من خمس مخطوطات، بلغ عدد صفحاتها 91 صفحة، لا خلط فيها ولا تكرار، وسنوات وأحداث منقولة بعضها عن بعض، أو مضاف إليها، علاوة على اختلاف أشكال الكتابة.

لكن أهمية هذه المخطوطة تنبع من كونها أقدم مخطوطة في تاريخ الإمارات. وتعدُّ ذات أهمية جوهرية للباحثين في تاريخ الإمارات؛ لأنَّ ما جاء فيها كتبه ابن البيئة الاجتماعية والتاريخية، وذكر أحداثها بأسلوب بسيط بعيد عن الإنشاء.

 مخطوطة الجواهر واللآلئ في تاريخ عمان الشمالي

قال المحاضر: هذه المخطوطة للمرحوم الشيخ عبدالله بن صالح المطوع، من أهالي إمارة الشارقة، ولد في العام 1890، وانتقل إلى رحمة الله في العام 1959م، ويعدُّ من رجال الصفوة المتعلمة الأولى في الإمارات، ممن تركوا لنا آثاراً أدبية ومخطوطات تاريخية؛ لذا يعدُّ شيخ المؤرخين في الفترة التي عاشها. وهذه هي المخطوطة الأولى له. لم يذكر في مقدمتها تاريخ تأليفها، لكن يُعتقد أنه كتبها في خمسينيات القرن الماضي، أو قبلها بقليل.

وتكمن أهمية المخطوطة في أنها تجيب عن الكثير مما لم يذكره المؤرخون الأجانب عن النشأة الأولى للإمارات، كما أنه أورد تفصيلات عن بعض أنساب وأحساب الأسر الحاكمة في الإمارات.

وتتألف المخطوطة من مقدمة وأربعة فصول، ثم ملحق أول، يتبعه ملحق ثانٍ.

تحدث الفصل الأول الذي جاء بعنوان «قبيلة آل نهيان»، عن نسب آل نهيان الكرام، وتحدث عن الجد الأكبر، الشيخ فلاح الأول، ونسبه إلى بني هلال، القبيلة العربية المعروفة. ثم تحدث عن تسلسل حكام إمارة أبوظبي، وتطور الأحداث فيها، وعلاقة حكامها بحكام القواسم، وكذلك علاقتهم بالسعودية وعمان، إلى أن وصل إلى عهد المغفور له الشيخ زايد بن خليفة «زايد الأول».

فيما ذكر الفصل الثاني من المخطوطة تاريخ القواسم، ونسبهم القبلي، وتحدث عن تأسيس إمارة القواسم، ونزوحهم الأول من العراق إلى سواحل فارس، ثم وصولهم إلى «جلفار» رأس الخيمة.

وأوضح أنَّ أول زعيم لهم كان الشيخ كايد بن عدوان، ويعرف أيضاً باسم كايد بن حمود، إلى أن يصل إلى عهد الزعيم القاسمي الكبير سلطان بن صقر الأول، والمداخلات السعودية – العمانية – البريطانية، وظروف ووقائع الحرب البريطانية – القاسمية، ومعارك السفن البحرية، ثم ظروف اعتقال الشيخ سلطان بن صقر في السعودية وعودته إلى بلاده وتسلمه زمام الحكم والسلطة القاسمية.

في حين تحدث الفصل الثالث عن «آل علي»، وهم «المعلا»، حكَّام أم القيوين، وعن نسبهم من قبيلة طي العربية، وتنقلهم ما بين الساحلين العربي والفارسي. ثم ظهور أول زعيم لهم، الشيخ «عريد آل مطران»، ومصرعه في معركة «الراعفة» قرب رأس الخيمة. إلى أن ظهر على مسرح الأحداث الشيخ ماجد بن خلفان بن بركات، الذي لمّ شمل المعلا، وإليه ينتسب الحكام الحاليون، حيث تولى المرحوم الشيخ أحمد بن راشد المعلا زمام الأمر في العام 1909م.

أما الفصل الرابع فقد جاء عن قبيلة النعيم، وعن حكَّام إمارة عجمان. وتحدث عن نسبهم، وأبرز علاقاتهم مع أولاد عمهم الشوامس، كما تحدَّث عن تأسيس إمارة عجمان، وظروف تولي المرحوم الشيخ راشد بن حميد بن سلطان القرطاسي، وهو الجد الأكبر للأسرة الحاكمة في عجمان حالياً.

مخطوطة عقود الجمان في أيام آل سعود في عمان

قال المحاضر: هي مخطوطة يغلب عليها الطابع السياسي؛ إذ حاول المؤلف المرحوم عبدالله بن صالح المطوع، من خلالها أن يفسِّر الأحداث التي تطرق إليها بالمفهوم السياسي الذي كان يؤمن به، المتمثل في انتمائه إلى التكتل «الغافري»، الذي كان يقابله التكتل «الهنائي»، وهما التكتلان اللذان انتشرا في عمان والإمارات لفترة طويلة من الزمن.

وهذان التكتلان لهما جذور تاريخية قبلية قديمة، تطورت وتحورت لتجعل منهما كتلتين سياسيتين، دارت على محوريهما أغلب أحداث التاريخ العماني والإماراتي.

شرح نونية مفاخر القواسم

هي مخطوطة كتبها المرحوم عبدالله بن صالح المطوع، أدرج فيها قصيدة «نونية مفاخر القواسم»، لمؤلفها المرحوم إبراهيم محمد المدفع، ثم علّق عليها، والشرح والبيان، لما احتوته أبياتها من معانٍ وتاريخٍ وذكريات ووقائع.

أما ناظمها، فهو إبراهيم المدفع، من وجهاء الشارقة وأعلامها، توفي في العام 1985م، وقد عرف عنه ولعه بالعلم والأدب. وقد أصدر- رحمه الله- ثلاث صحف؛ هي عمان، وصوت العصافير والعمود، وكان يكتبها بخط يده، في وقت لم تكن هناك مطابع في الشارقة، وكانت موضوعاتها سياسية، واجتماعية وانتقادية، لذلك كانت السلطات البريطانية تمزقها وتمنع صاحبها من الكتابة، لكنه يعود لكتابتها في اليوم التالي ويعلقها في مكان عام.

وأضاف: هذه النزعة الأدبية هي إرث من عائلته المعروفة ببيت العلم، فجده المرحوم عبدالله بن حسن المدفع، أسس المكتبة التيمية في الشارقة، ومن هذه المكتبة كان للحفيد إبراهيم مجلس أدبي يؤمه الناس، ويتحدثون فيه عن أمور الدين والدنيا.

مخطوطات وأعلام
ثمَّ تطرق المحاضر إلى ذكر مخطوطات كتبها عدد من الأعلام أمثال المرحوم الشيخ حميد بن سلطان بن حميد الشامسي، الذي كتب مخطوطة «نقل الأخبار في وفيات المشايخ وحوادث هذه الديار»، وهو من إمارة أم القيوين، وانتقل إلى رحمة الله تعالى في العام 1980م، عن عمر تجاوز ثمانين عاماً.

وكذلك المرحوم محمد بن علي الشرفاء الحمادي، من أهالي إمارة الشارقة، ويعدُّ من صفوة المتعلمين الأوائل من أهل الإمارات، وكتب مخطوطة «خطرات واختيارات»، ومخطوطة «نيل الرتب في جوامع الأدب».

واستطرد حنظل: أمَّا المرحوم محمد سعيد غباش، من إمارة رأس الخيمة «1899- 1968م»، فقد ترك لنا مخطوطتين؛ الأولى بعنوان «الفوائد في تاريخ الإمارات والأوابد» كتبها في العام 1967م؛ أي قبل سنة من وفاته، والثانية تبحث في علوم البروج الشمسية، وما يقابلها من الشهور الرومية والقبطية والفارسية.

واختتمت الأمسية بحوار جاد بين المحاضر، وعدد من الحضور منهم الباحث راشد بن هاشم، والقنصل الجزائري في دبي محمد دراجي، والدكتورة رفيعة غباش، التي جاءت من البحرين وتوجهت مباشرة من المطار إلى مركز جمال بن حويرب للدراسات، كي تشارك في الأمسية، وكذلك الباحث ثاني المهيري، الذي أتحف الحضور بما قدمه من معلومات تاريخية قيمة، والصحافي نادر مكانسي، من الجامعة الأمريكية في دبي.