مباني «الشندغة» التاريخية.. أصالة العمارة الإسلامية

الإمارات الكتاب مجلة مدارات ونقوش – العدد 8

 1,036 عدد المشاهدات

 الكاتب: خليل البري

 
 

على بعد أقل من بضعة كيلومترات من أطول برج في العالم، ومنطقة الخليج التجارية المملوءة بناطحات السحاب، تقبع منطقة الشندغة التراثية، وسط مدينة دبي القديمة، والتي ما زالت تحتفظ بالطابع التراثي القديم للإمارة، التي غزاها التطوّر العمراني.


«الشندغة» ظلّت وفيّة لتراث دبي، على الأقل لتقول للعالم إنها حاضرٌ وماضٍ ومستقبلٌ أيضاً.

ويعود تاريخ إنشاء الشندغة إلى نحو العام 1862م، حيث اكتسبت أهميتها بفعل موقعها الاستراتيجي، وخاصة أنها كانت منطقة استقرار لأسرة آل مكتوم الحاكمة.
وظهرت الأهمية التاريخية للمنطقة أواخر القرن التاسع عشر، عندما أدّت زيادة السكان في المدينة إلى ظهور الحاجة إلى تخطيط جديد للمدينة وإنشاء أحياء سكنية جديدة، فأصبحت منطقة الشندغة تضمُّ سكن العائلة الحاكمة ومعظم قبيلة بني ياس. وانتقل حاكم دبي الأسبق الشيخ مكتوم بن حشر آل مكتوم في أواخر القرن التاسع عشر، إلى المنطقة التي تطلُّ على مدخل خور دبي من جهة الجنوب، وتشرف على منفذ المدينة البحري، وشريانها الحيوي، حيث كان لهذا الانتقال دور في أهميتها التاريخية والسياسية والاقتصادية في ذلك الوقت.

 


مباني الشندغة

يبلغ عدد مباني «الشندغة»، 192 مبنى، إضافة إلى 7 مساجد أثرية، تتشارك مع المباني في منطقة الخليج بصورة عامة، وفي الإمارات بشكل خاص، في العديد من الملامح التي رسمت خصوصية أنماط العمارة فيها، والتي استمدتها من خصوصية المجتمع، فكلُّ نمط ارتبط بزمن معين، وكذلك بمنطقة بذاتها، فرغم وجود ملامح عامة للعمارة الإماراتية، فإنَّ هناك أيضاً اختلافات بين العمارة في المناطق البحرية والصحراوية والجبلية، ودائماً ما كانت أشكال العمارة في الإمارات موضوعاً لكتابات العديد من الباحثين من العرب والأجانب على السواء، وهناك كتب صارت مراجعاً في هذا المجال، من بينها كتاب «العريش.. العمارة بسعف النخيل»، للمعمارية البريطانية ساندرا بيسيك، الذي قام مشروع «كلمة» للترجمة، التابع لهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة بإصداره؛ إذ كانت النخلة بمختلف مكوناتها وسيلة حياة للبدوي، فكانت تمنحه الطعام والمسكن، والمادة التي يصنع منها أدواته التي يستخدمها في الحياة اليومية. وفيما يرتبط بالعمارة، شكَّل سعف النخيل مادة مهمّة للبناء في الإمارات، ووفَّرت العمارة التقليدية بسعف النخيل الملجأ من المناخ شديد القسوة السائد في الإمارات وشبه الجزيرة العربية على مرِّ القرون، وعلى عكس ما يعتقد كثيرون، تشير المعمارية ساندرا بيسيك إلى أنَّ العمارة التقليدية قدمت أشكالاً متنوّعة من المباني التي تنمُّ عن أصالة وإبداع وفهم عميق للبيئة، وكيفية التعايش معها؛ إذ كانت مباني العريش تستأثر بنحو 80% من المساكن في دولة الإمارات حتى عهد قريب، غير أنها تكاد تختفي اليوم تماماً. 

 
 
العمارة التقليدية قدمت أشكالاً متنوّعة
العمارة التقليدية قدمت أشكالاً متنوّعة
 
 

 

 وبصورة عامة، كانت الأخشاب مكوّناً أساسياً من مكونات العمارة التقليدية، وتختلف وفقاً للبيئة المحلية، ومنها جذوع النخيل والدعن والخوص والليف. ويذكر الدكتور محمد فاتح زغل، في كتابه «ذاكرة الطين»، أنَّ أقدم الحفائر تدلُّ على استخدام النخيل في أسقف المحال العمرانية الأثرية، كما هي الحال في آثار الهيلي في شمال مدينة العين. استخدم كعوارض طويلة من الأعمدة يطلق عليه اسم الجندل والشندل، توضع كدعائم للسقف وترصُّ على مسافات متساوية لتدعيمه، ويعلوها طبقات من الدعن «جريد النخيل»، وحصير من السعف وطبقات من (المدر) والطين. كما كانت تعمل منه المزاريب، وهي المجاري التي تركب في الأسطح لصرف مياه الأمطار، وهي من أهم ملامح العمران التقليدي في الإمارات.

 

البراجيل
نموذج آخر من نماذج الأنماط المعمارية التي تميّزت بها عمارة الإمارات، وبخاصة منطقة الشندغة، هو «البراجيل» ويقصد بها «الأبراج الهوائية» التي تعلو المباني، خصوصاً في دبي، وتتضمَّن فتحات لتمرير الهواء، إذ كانت العنصر الرئيس في تلطيف درجات الحرارة داخل المباني القديمة قبل استخدام المكيفات. وللبراجيل تصميمات وأحجام متنوّعة تختلف باختلاف القدرة المالية لصاحب المنزل ومساحة البيت. وهي عبارة عن بناء مرتفع مربع الشكل يبنى على سطح الغرف الرئيسة في البيوت القديمة، ويقام بين زواياه الأربع جداران متقاطعان يقسّمان الفراغ إلى أربع فتحات مثلثة بأسلوب يسمح بالتقاط الهواء من جميع الجهات، أما قاعدته فهي مربعة أو مستطيلة الشكل، قد يصل ارتفاعها إلى سبعة أمتار. وإلى جانب أهميتها الوظيفية، كانت البراجيل من العناصر الجمالية للعمارة القديمة، فكانت تضاف لها حلبات في أركانها العلوية. ويرجع الباحثون، ومن بينهم الباحث الإماراتي ناصر العبودي، في بحثه «العمارة في دولة الإمارات العربية المتحدة»، بداية استخدام البراجيل في البيوت الإماراتية إلى الفترة التي شهدت وصول التجار القواسم إلى مدينة دبي، واستقرارهم في منطقة تسمى «الفهيدي»، التي ما زالت حتى الآن تحتوي على العديد من البيوت المزوّدة بأبراج الهواء.
ملامح العمارة القديمة في منطقة الشندغة، لم تقتصر فقط على الشكل الخارجي للبيت وتصميمه العام، ولكنها أيضاً حملت خصوصية في تكوين المنزل من الداخل، استمدتها من العادات السائدة في المجتمع، من بينها الاهتمام بالمدخل الذي لا يسمح لمن في الخارج أن يرى أهل البيت أو يكشف أي جزء كبير من المكان. وغالباً ما تتكوّن البيوت القديمة من الفناء الداخلي أو (الحوش)، وهو فراغ مكشوف معظمه، وقد تتمُّ تغطية أجزاء منه، وغالباً ما يكون هذا الفناء أقرب إلى المربع، وتتوزّع حوله بقية أجزاء البيت ليلعب دور الرابط بين أجزاء المبنى الداخلي بعضها بالآخر وفق تدرج فراغي.

 

مبانٍ صيفية وأخرى شتوية
كان للمناخ تأثيره في البناء قديماً، فكانت المباني الصيفية غالباً ذات نوافذ من الجهات الأربع، للاستفادة من حركة الهواء داخل المبنى، وهي تنقسم إلى نوعين: الأول بيوت مبنية من الجص والحصا، وهذا النوع يحتوي على براجيل وتسقف المساكن الحجرية باستخدام جذوع وأغصان الأشجار المحلية، أمَّا البناء المسمّى “الكرين الجبلي”، والذي انتشر في المناطق الساحلية، فيبنى من الأحجار الجبلية ويغطى سقفه بالمواد المحلية المستمدة من منتجات النخيل، ويكون على شكل مائل لإعطاء ارتفاع مناسب للاستخدام. في حين أنَّ المسكن الطيني جرى بناؤه وفق النمط المعماري الغالب على المناطق الجبلية والواحات، ويتميز البيت بجدرانه السمكية، وهو غالباً ما يتكوّن من طابق واحد أو طابقين، كما تستخدم جذوع النخيل وجريدها مادة تسقيف أساسية للمبنى.
أمَّا النوع الثاني، فهو منازل سعف النخيل، وتسمَّى العريش، ومعظمها يحتوي أيضاً على البراجيل المصنوعة من سعف النخيل الذي يغطى بـ«اليواني»، أي «الخيش»، ثمَّ استبدل بالشراع والكتان المناسب لطبيعة هذه البيوت. أمَّا بيوت الشتاء فكانت ذات جدران سميكة مبنية من الجص، وتسمى المخازن ولا تسمح بدخول الهواء البارد إلى السكان، وتتميز بالفتحات الصغيرة المرتفعة التي تحتفظ بأكبر كمية ممكنة من الهواء الدافئ في الداخل، وتسمح في الوقت نفسه بتجدد الهواء الفاسد داخل المبنى، وطرده إلى الخارج عن طريق أبواب المنزل.

معالم تاريخية
ونجد أنَّ البيوت المشيدة من الحجر المرجاني والصدفي تمثّل أكثر العمارة التقليدية تطوُّراً وصلابة في العمران التقليدي، وهذا النوع انتشر في المدن الساحلية، واستمر تأثير تشكيلاته على العمارة في المرحلة الانتقالية باستبدال المواد التقليدية بمواد حديثة، ويدخل الحجر المرجاني أو الصدفي فيه بصورة أساسية كمادة بناء تقليدية.

 
 
من مساجد الشندغة
من مساجد الشندغة
 
 
 

ويبلغ عدد مباني «الشندغة» التاريخية 192 مبنى، حيث من المتوقع أن تنضمَّ لمواقع التراث العالمى التابعة لمنظمة اليونسكو، مع اكتمال أعمال ترميمها نهاية العام 2018. وقد تمَّ تجديد 150 مبنى، حيث أعيد بناء بعضها بالكامل بهدف الحفاظ على التراث العمراني من أبراج وقلاع ومنازل وأسواق قديمة ومنازل لإمارة دبي. ويبلغ إجمالي مساحة المنطقة التي تخضع للترميم نحو 3600 متر مربع، حيث يتمُّ بناء منازلها بنفس أسلوب البناء الذى كان مستخدماً قبل 200 عام.
كما تهدف الخطة إلى إحياء التراث العريق للإمارة في مجالات التجارة والصناعات اليدوية والغوص لاستخراج اللؤلؤ، من خلال تحويل المنطقة المشمولة في المشروع إلى مركز رائد للثقافة والتراث. وستضمُّ المنطقة مساحات مخصَّصة للمشاة تحكي العديد من القصص التاريخية التي يتعرَّف إليها المارة من خلال تطبيقات ذكية والنصب التذكارية. ويأتي هذا المشروع فى إطار الجهود الرامية إلى زيادة أعداد السائحين فى دبى، بحيث يسهم فى تعزيز مكانتها وجهة ثقافية رائدة في المنطقة، ما يمكّن هذه المنطقة من استقطاب 12 مليون زائر بحلول عام 2020م.
وكانت أعمال المرحلة الأولى قد بدأت في العام 1996م، حيث شملت إحياء الممر الساحلي الواقع عليه مجموعة من المباني ذات القيمة التاريخية، منها بيت الشيخ سعيد آل مكتوم، وقريتي الغوص، والتراث، وبيت الشيخ عبيد بن ثاني، والعديد من المساجد التقليدية. وفي إطار المرحلة الثانية التي بدأت عام 2005م، تولى قسم المباني التاريخية تنفيذ مشاريع الترميم للمباني، ومن أهم هذه المشروعات السوق التقليدي، وإعادة إنشاء بيت الشيخ حشر آل مكتوم، إلى جانب تصميم مشروع الحديقة التراثية.
وشملت عمليات تطوير المنطقة ترميم بيت الشيخ جمعة بن مكتوم آل مكتوم، الذي يقع في الجزء الجنوبي الشرقي من منطقة الشندغة التراثية بجوار مسجد ابن زايد، على قطعة أرض تبلغ مساحتها 1085 متراً مربعاً، ويرجع تاريخ تشييده إلى عام 1928، إضافة إلى ترميم بيت الشيخ عبيد بن ثاني، الذي يقع في منتصف الجزء الشرقي من منطقة الشندغة إلى الشمال من بيت المرحوم الشيخ سعيد آل مكتوم، على قطعة أرض تبلغ مساحتها 1250 متراً مربعاً، وقد شُيِّدَ المبنى في العام 1916م.
كما تحوي الشندغة 7 مساجد تاريخية وتراثية خضعت لعمليات ترميم وإعادة إحياء مسجد الشيوخ، ومسجد العتيبات، ومسجد الملا، ومسجد ابن زايد، ومسجد المر بن حريز، ومسجد حارب بن حارب، حيث إنَّ معظمها تمَّ إنشاؤه في أوائل القرن العشرين.
وتمَّ إنشاء قريتي الغوص والتراث في الشندغة، لتوسيع مساحة الخدمات الترفيهية والثقافية بالمنطقة التراثية بما يحقِّق التنمية السياحية الشاملة، وذلك من خلال الإطار التقليدي للعمارة المحلية وتحقيق البعد التراثي لمثل هذه الأماكن في الإمارة والدولة.