مساكن المدن الساحلية أو بيوت الحضر..الشندغة النموذج الحي

block-2 الإمارات مجلة مدارات ونقوش – العدد 8

 511 عدد المشاهدات

الكاتب: حسين قنديل

للمدن الساحلية في الإمارات طرز معمارية خاصة، وتقدم الشندغة في دبي نموذجاً لهذه الأشكال المعمارية، وسنتابع في هذه الدراسة مميزات مساكن المدن الساحلية، أو مساكن الحضر.

فالمسكن الحضري يتأثر بخصائص فنية ومعمارية يمكننا إجمالها في الخصوصية، حيث يتمُّ الفصل ما بين خصوصية أهل المنزل والضيوف، ومن هنا كانت غرف المجلس خارجية، وكان الفناء الواسع والسور العالي المحيط بالمبنى، كما تتجه باتجاه أفقي سواء الفريج بكامله أو السكن المنفرد وتتميز بالتداخل فهو نمط عمراني مندمج في السكيك المتعرج.

 

كما أنه ملائم للمناخ من حيث استخدام الطوب أو الحجر الجيري العازل للحرارة، وتكون هذه البيوت قليلة النوافذ ما عدا المجلس، إضافة إلى تميزها بوجود ليوان يزيد من نسبة الظل والمساكن مزودة بالبراجيل.
وتتصف هذه المساكن بزخرفة ذات طابع معين تمثل الرسوم الهندسية والنباتية، وأسلوب البناء يوفر الأمن والحماية بالتقارب وطول الأزقة الملتوية، والتأثر بالقيم والعادات والتقاليد الموروثة والمكتسبة، والمواد التي صنعت منها متوافرة في البيئة، واعتماد مبدأ البساطة والتجريد واستخدام المسطحات كأساس عام للتشكيل الجمالي، والتأكيد على المداخل باستخدام العقود، كما يتميّز المبنى بالفتحات والتجاويف ذات الطابع التكراري.


بيوت تتميز بالفناء في قلب المنزل
بيوت تتميز بالفناء في قلب المنزل

تقسيمات المبنى
توجد الغرف في المساكن الساحلية في الطابق الأرضي، حين يكون البناء من دورين (طابقين) تُعرَف بالغرف الشتوية، أمّا الغرف العلوية فهي صيفية مزدانة بفتحات صغيرة وباب وزوية (الحمام الملحق بغرفة النوم).
وهناك غرف للإناث وأخرى للذكور، وغرف للضيوف (المجلس) المزوَّد بحمام، والغرف السفلية تكون عادة ذات فتحات صغيرة والعلوية ذات فتحات واسعة مع نوافذ مجوفة محفورة في الجدران (الدرايش) تستخدمها الأسرة كي تضع عليها مختلف الأدوات. أمّا المجلس فيكون منفصلاً وفي الطابق السفلي وقريباً من المدخل وذا نوافذ واسعة تنفتح للخارج أو على فراغ داخلي، كما تلحق بالغرف العلوية شرفات واسعة تزوّد بالمشربيات، ويحيط بالمنزل سور من نفس مادة البناء كما يحيط بالسطح العلوي سور ومفراة للسماح للهواء بالمرور.
إضافة إلى الفناء في قلب المنزل ويكون مربعاً أو مستطيلاً، يوجد فيه البئر وتنفتح عليه المرافق الانتفاعية، ويمثل دور منظم لحركة الهواء، وكثيراً ما يزدان بالشجر والنباتات، لتصبح بقعة لراحة السكان فهو عبارة عن إدخال البيئة الطبيعية داخل السكن، والفناء كأصول معمارية تنتمي إلى جذور تاريخية شاع استخدامها في الكثير من الحضارات، لا سيما الحارة ومنها العربية، والفناء هو بحد ذاته فراغ ضوئي يسمح بدخول الهواء والشمس ويشكِّل حديقة داخلية ذات خصوصية تتمتّع الأسرة بأجوائها.
والمطبخ وهو أهمُّ جزء في المنزل ومكانه إحدى الزوايا وبجانبه التنور، كما يوجد أيضاً مخزن لتخزين الفحم في زاوية. أمّا المواد الغذائية فتخزّن في غرفة الخزين.
ولا ننسى الحمّام؛ فهو ركن من أركان المنزل ويراعى فيه ألا يكون باتجاه القبلة، ويخصّص حمام للضيوف، وفي المنازل الكبيرة يكون جزءاً من النسيج الداخلي للمنزل.
أمّا الليوان أو الإيوان الذي تنفتح عليه الغرف فهو رمز المساكن العربية الإسلامية، وقد انتشر في كل الأمصار، واستخدم في المناطق الحارة، وظهر في بيوت الفقراء والأغنياء وفي القصور كطابع مميز للبناء العربي.
والرواق، وهو رمز التقسيمات الداخلية، ويتصل بالفناء وتنفتح عليه غرف السكن، وهو ذو سقف يمنع الحر، ويكون السقف مرفوعاً على أعمدة، تزخرف في بيوت الخاصة ويستخدم كمجلس للأسرة أيام الشتاء الدافئة، ويوجّه الرواق نحو الشمال؛ أي جهة الرياح الشمالية المنعشة.
ومن الأمور المسلم بها في البيت الخليجي، العناية بالأبواب المزخرفة والباب الرئيس المصنوع من خشب السيسم المجلوب من الهند، ويكون عادة مزخرفاً بزخارف إسلامية وأسافين، وعتبة المنزل مرتفعة عن سطح الأرض، وفي إحدى زوايا الباب يوجد باب صغير يسمى الفرخة، والذي يسمح بمرور الأفراد في حال إغلاق البوابة الرئيسة.
ومن ملحقات البيت الحظيرة (الزريبة) وهو مكان مخصّص لتربية الحيوانات. ولعلَّ أجمل ما في المنزل الخليجي الأبراج الهوائية المرتفعة فوقه وهي وسيلة التهوية القديمة تضفي على المدينة جمالاً وبهجة معززة هيبة البناء المعماري.
البارجيل: هو برج يرتفع حوالي خمسة أمتار مفتوح من الجوانب الأربعة، بحيث يسمح لنسمات الهواء بالولوج إلى الداخل، حتى يصل الغرفة مشكلاً تياراً هوائياً يحمل في طياته نسيمات باردة نوعاً ما لا سيما أيام القيظ (الحر الشديد). وهناك نوع آخر لاستخدامات البارجيل يطلق عليه حصن يكون مفتوحاً من جهة واحدة، وفوق سطحهما تستقر الدعامة ويمكن إغلاق الفتحات حسب اتجاه الرياح بألواح خشبية مرتبطة بعمود خشبي يوجّه الهواء في المباني ذات الطابقين حوالي 15 متراً، إذ تكون سرعة الهواء عندها مرة ونصف منها على الأرض، تنحصر المهمّة في تغير مسار الرياح للداخل ملطفاً بذلك الجو داخل المنزل، أمَّا شتاءً فتغلق هذه الفتحات مما يوفّر الدفئ للمكان. ويبنى البراجيل من نفس مواد صنع البناء، حتى العرائش تتمتع ببراجيل من الخيش على حين تستخدم الحجارة لبناء البراجيل التي تعلو البيوت الحجرية.
هذا التقليد باستخدام ملاقف الهواء تقليد قديم، فقد كان جزءاً من العمارة المصرية القديمة والساسانية والإغريقية والرومانية البيزنطية والإسلامية وكنتيجة للتواصل الفكري والإنساني للشعوب وامتزاج الثقافات انتقلت إلى المنطقة.
وبرع العرب في استخدام الزخارف الجصية والخشبية والمعدنية، حيث زينوا الأبواب والنوافذ بمختلف أنواع الزخارف، إلى جانب الأشكال الهندسية والنباتية التي زيّنت الجدران والمداخل كما تمّ استخدام الأعمدة والأقواس وهي من الطرز العربية الإسلامية التي ازدانت بالزخارف، إلا أنَّ التقليدية منها كانت خالية من الزخرفة، أما العقود فقد شاعت في الشرفات والإيوان والمداخل وصولاً لمدخل البيت، حيث يوجد الحائط المنكسر لتأمين الخصوصية، ويمنع الزائر من رؤية الفناء والغرف.
ومن الطبيعي أن نرى هذه المداخل على واجهات المساكن متنوعة الزخرفة؛ فبعضها مزينة بالأقواس والآخر مسطّح، وتعلو هذه الواجهات فتحات ضيقة لوضع الإضاءة.
هذه الأنواع من المساكن تعطينا صورة لمستوى الحياة الاجتماعية والاقتصادية، حيث كان الأثرياء يبنون بيوتهم من الحجر وبطابقين، على حين عاشت طبقة وسطى في البيوت الطينية والفقراء من الصيادين كانوا يقطنون العرائش ذات التكلفة القليلة.


بيت الشيخ سعيد نموذج حي للعمارة التقليدية
كنموذج للعمائر التقليدية التي تحاكي تصاميمها العمائر الإسلامية في تنظيماتها وزخارفها، شيد بيت الشيخ سعيد بن مكتوم في العام 1896م على مساحة واسعة من الأرض تطلُّ على مدخل الخور، كان المقر الرئيس للمغفور له الشيخ سعيد، رحمه الله.
والبناء مربع التخطيط بمساحة تبلغ 3600 متر مربع، ذو طابقين بمدخلين؛ أحدهما يؤدي للمجلس الكبير، والآخر يطل على فناء البيت الذي تحيط به الغرف المتميزة بداريش محفورة تستخدم كرفوف.. السقوف مرتفعة على أعمدة عالية.. والأبواب مزخرفة متنية ومحاطة بالأقواس، وكذلك النوافذ مزخرفة. ويضم الطابق الأرضي مستودعات ومطابخ مفتوحة على الفناء الداخلي. أمّا الطابق العلوي فيضمُّ غرف عدة للنوم، وشرفات مطلة على أجمل مناظر الخور ودبي، والمدخل الثاني يقع خلف المبنى وكان يستخدم من قبل الأسرة.
يتميز البيت بهندسة معمارية مستمدة من التصميم الإسلامي، ويبدو ذلك واضحاً في السقف المرتفع والمداخل المقوسة والنوافذ المزخرفة المنحوتة. يزين البيت أربعة أبراج تهوية (براجيل)، وهي وسيلة التهوية القديمة.
تميّز البيت بموقع مهم يتحكّم من خلاله بالحركة الملاحية والتجارية للسفن القادمة من الهند وفارس إلى الخليج، إلى حين دخولها الخور بواسطة السفن الصغيرة إلى الأسواق التجارية، ونظراً لأهميته فقد رسم في العام 1986م ونال جائزة منظمة المدن العربية للحفاظ على المباني التاريخية، وأضحى متحفاً توثيقياً للتاريخ الحديث لدبي، يضم الطوابع البريدية والمسكوكات الخاصة بالتداول النقدي للإمارة منذ العام 1791م المستخدمة قديماً، وبعض المقتنيات من الوثائق والمخطوطات.


بيوت الشندغة

وهناك بعض البيوت التقليدية القديمة في منطقة الشندغة التاريخية، من أبرزها مبنى الشيخ عبيد وجمعة آل مكتوم، الذي يعود تاريخه إلى العام 1916م، وتظهر فيه الملامح التقليدية لفن البناء، إضافة إلى مباني حي الفهيدي التاريخي، الممتدة بمحاذاة الخور لمسافة 300 متر نحو الجنوب، وقد تم إنشاؤها في العام 1890م، وتضمُّ فنوناً معمارية تقليدية لبيوت بنيت من الصخور البحرية والجص، وتميّزت بالأبراج الهوائية والممرات الضيقة (سكيك) كما تتميّز بوجود مشربيات خشبية وشرفات مطلة على الأرقة والأفنية الخارجية والمزينة بالأخشاب والأعمدة. ومن أبرز المنازل دار الندوة المشيد في العام 1925م، وهو غني بالعناصر الجمالية وغرفه المحاطة بالليوان. كما تضمُّ المنطقة بقايا سور قديم بني في القرن السابع عشر الميلادي من الحجارة البحرية والجص، وقد أزيل السور بفعل التطوّر العمراني إلا أجزاء صغيرة من القواعد.

عناصر زخرفية مختلفة تميز هذه البيوت 

عناصر زخرفية مختلفة تميز هذه البيوت 

خصائص المعمار
ومن خصائص هذه المساكن، العناية بخصائص المبنى الداخلي للحفاظ على خصوصية الأسرة كوجود فناء خاص لاجتماع الأسرة، فمعظم المباني التاريخية، وهو لفظ مجازي إذا أخذنا بعين الاعتبار محاكاتها للأصول المعمارية الأولى والمتعارف عليه بلفظة المباني التقليدية، تتميز بالتقارب في المساكن، ممَّا أوجد الفريج كوحدات اجتماعية تؤمن الحماية لسكانها، والبراجيل كعناصر تهوية، ويعتقد الخبير التراثي حسني وهبي «أنَّ البراجيل تعبّر عن أصالة السكان في الترابط العضوي مع البيئة»، حسب تعبيره، وفي اعتقادي أنها تخضع لنظرية التحدي والاستجابة التي أطلقها أعظم مؤرخي العالم آرنولد تويبني، الذي بحث طويلاً في الحضارات في موسوعته «دراسة التاريخ» في 12 مجلداً استغرقت 41 عاماً، ويفسر لنا تويبني نظريته في التحدي والاستجابة بأنَّ الجماعات البشرية تستجيب لتحدي الطبيعة بأشكال مختلفة تعتمد على التغيير والتطوير والإبداع. وقياساً فإنَّ الأجواء المناخية عالية الرطوبة والحرارة شكَّلت تحدياً أدى إلى ابتكار البراجيل، والتسمية الأصلية بادكير، ومعناها الهواء، كما ورد لدى فالح حنظل في معجم الألفاظ العامية في دولة الإمارات.

عناصر زخرفية
وأشكال الزخارف الإسلامية سواء في عمق العصر الإسلامي أو ما تمَّ ملاحظته في البيوت التقليدية تنتمي إلى أصول ذات جذور عريقة، وفنون انتقلت عبر حضارات عدة وتمحورت بما يتناسب مع معتقداتها الفكرية والدينية والسيكولوجية النفسية وتأثيرات البيئة الجغرافية والمناخية.
إنَّ معظم المؤرخين وجدوا أنَّ العناصر الزخرفية تعود إلى أصول قديمة، ورغم اعترافهم بالأرابيسك؛ فهم يعتقدون بأنَّ أصولها غربية «رومانية – يونانية – هلنستية» (مزيج من الحضارتين اليونانية والشرقية) والتي تشكّلت إثر فتوحات الإسكندر للعديد من الشعوب الشرقية، وقد ظهرت في العصر الأموي.
كما ظهر عند العرب الحفر على الحجر والخشب والعظم والبرونز، وعرف فن النحت في العصر العباسي بتأثير القبائل الآسيوية من ترك وإيرانيين مع التأثير الروماني.
استخدم العرب الآجر والخزف والزجاج، ووصل الزجاج العباسي إلى منطقتنا، حيث تمَّ الكشف في منطقة جميرا عن آثار تضم أواني زجاجية (من عروض متحف دبي – قاعة الشيخ محمد بن راشد).
في اعتقادي أنَّ أسلوب فن البناء قد ترسَّخ في العصر العباسي واستمدَّ أساليبه وتنظيماته تبعاً لقرب بغداد حاضرة العباسيين من المنطقة، إضافة إلى الموقع الفريد المتميز الذي تتمتع به منطقة الخليج العربي، والذي أتاح لها سبل التواصل مع الحضارات الأخرى، واستنساخ بعض الملامح بما يتناسب والتقاليد أدى نهاية إلى بروز شكل خاص للملامح الفنية يحفظ الهوية المحلية.
من خلال المساكن وتطورها في المنطقة، ودراستنا للمباني التقليدية نجد أنَّ الكثير من المؤرخين تناولوا موضوع العمائر الخليجية وأصولها دون دعمها بأية خلفية تاريخية، وقد سبق أن أعددت بحثاً حول هذه العمائر ومشابهتها لأصول العمائر العربية الإسلامية من خلال عرض رموز هذه العمائر القديمة بكافة أشكالها، ثمَّ التطرق إلى العمائر التقليدية المحلية لإبراز تماثلها رغم البعد الزمني والاختلاف البيئي والجغرافي.

إنَّ التراث التقافي يعدُّ سجلاً لإبداعات الأمة، والذاكرة الحافظة التي تنفرد بها أمة بين الأمم، وهو الموروث للخلف الصالح لشتى أشكال هذا الإبداع.