“مسّه” المدينة المنسية التي بهرت العالم

الكتاب حسين حمد حسين الفقيه مدارات ونقوش - العدد 28 -29

الكاتب:ريتشارد نورتون

ترجمة: حسين حمد حسين الفقيه

حظيت كيرينايكا باهتمام أكبر الرحّالة والمستكشفين والعلماء والباحثين في مجال الآثار والكلاسيكيات، وذلك بسبب ما تحتفظ به من آثار وتراث نال إعجاب كلَّ شعوب العالم الحديث، وكانت أيضاً وجهة كلِّ الباحثين عن المغامرة والاستكشاف والبحث العلمي بشتى فروعه.

من هذا المنطلق تمَّ تنظيم بعثة أثرية عام 1910م للتنقيب في منطقة كيرينايكا بليبيا برعاية المعهد الأثري الأمريكي، وكان البروفيسور ريتشارد نورتون هو المشرف على هذه البعثة، وبعد أن زار مدينة كيريني القديمة، قام برحلة من بنغازي إلى منطقة مسّه الأثرية في كيرينايكا، وقد تمَّ نشر تقاريره عن الرحلتين في النشرة التي كانت تصدر من المعهد الأثري الأمريكي، حيث قام بتوثيق الآثار التي شاهدها في صور فوتوغرافية، وقام أيضاً برسم مخططات، وخريطة توضيحية لأهم المعالم الأثرية في مسّه، ويعدُّ هذا التقرير وثيقة مهمة جداً لتلك المعالم، خاصة بعد أن تعرَّضت تلك الآثار لحوادث الاعتداء من تجريف ومسح للأراضي الواقعة عليها.

من  آثار مدينة كيريني

الآثار في مسّه(1)

عندما كنت في بنغازي في مايو الماضي، أخبرني العرب بوجود آثار تحت الأنقاض في منطقة تُسمّى (مسّه Messa)، على بعد بضع ساعات جنوب شرق مدينة (كيريني Cyrene). إنَّ هذا الاسم «مسّه» غير موجود على أي من الخرائط القديمة، ولم يتم زيارة المكان -على حد علمي- من قِبَل أيِّ باحث من علماء الآثار؛ وقد قامت لجنة منظمة الأراضي اليهودية في المخيم هناك في أغسطس عام (1908م)، بذكر المكان بإيجاز في تقريرها المنشور(2).

بما أنني كنت أشكُّ منذ فترة طويلة في أنه يجب أن تكون هناك مدينة أو أكثر من المدن القديمة المهمة بين كيريني و(المرج Merdj)، فقد صمَّمت على زيارة مدينة مسّه ومعرفة آثارها. من الصعب للغاية الحصول على معلومات دقيقة عن أيِّ موضوع من العرب المحليين، لذلك عندما غادرت بنغازي لم أكن على يقين من العثور على مكان مدينة مسّه القديمة. وعندما وصلت إلى المرج، وجدت هناك مرشداً يعرف الطريق هناك.

طريق وعر

إنَّ الطريق من المرج إلى كيريني يمرُّ عبر بلد صعب للغاية إلى منطقة بئر (الغريب El Garib) (نحو 1050 قدماً فوق سطح البحر على مقياس الجهاز اللاسائلي)، والتي تبعد نحو ست ساعات. وبسبب وجود المياه هنا، قمنا بالتخييم ليلاً، وفي اليوم التالي انطلقنا على درب وعر إلى قصر منطقة (قصر بن قديم Kasr Benigdem)(3). لقد أخذنا وقتاً للراحة في منتصف النهار، وامتطينا سروج الخيل لمدة ثماني ساعات حتى وصلنا إلى قصر بن قديم.

هنا كنت أتوقع التخييم، بعد أن قيل لي إنه كان هناك ربيع. إنَّ القلعة الرائعة والآثار الأخرى تظهر في الجزء العلوي من الطريق، والمياه القديمة كانت موجودة، ولكن في الوقت الحاضر لا يمكن العثور على أي أثر لها، على الرغم من أنَّ النمو الكثيف للأشجار والشجيرات يشير إلى وجود إمدادات مخفية.

في قصر بن قديم هناك وادٍ واسعٌ يؤدي شمالاً إلى البحر، وأعتقد أنَّ المزيد من البحث سيُظهر أنَّ الطريق في هذا الوادي يؤدي إلى مسّه (انظر اللوحة: 39).

اللوحة 39 :قصر بن قديم – منظر من الشمال باتجاه البحر

ونظراً لعدم قدرتنا على التخييم في قصر بن قديم، انتقلنا إلى (شيريز Sheriz)، على بعد نحو ميلين أسفل الوادي إلى الشمال الشرقي. هذا المكان، حيث يعيش عدد قليل من العرب المحليين، توجد به مقابر قديمة منحوتة في الصخور على جانب التل، على رأس الوادي، والذي قيل لي إنه يؤدي إلى بلدة (درنة Derna). هنا يوجد صهريج قديم رائع تحت الأرض، حيث توجد المياه حتى في الصيف الحار، وكذلك محطة التلغراف التي يأخذ فيها العرب، على نحو غير نادر، فرصة للتصوير أثناء مرورهم. وهي على خط درنة – المرج – بنغازي.

نحو مسّه

في اليوم التالي، 13 يونيو، جعلت رياح القبلي (الرياح الصحراوية) من السفر أمراً مستحيلاً، لذلك، في وقت مبكر من الصباح، عدت إلى قصر بن قديم لتصوير ودراسة هذه الآثار بشكل أكثر دقة. وقد أرفقت بهذا التقرير مخططاً وصوراً (اللوحة: 38).

اللوحة 38 :خريطة قصر بن قديم – قصر بن قديم من جهة الغرب

وفي فترة ما بعد الظهر، أصبح الجو صافياً، ففي غضون عشر دقائق انحرفت الريح إلى الشمال الغربي، وبدأت القافلة بالمسير إلى مسّه.

اللوحة 40 :مخطط مسه

 وبدلاً من العودة نحو قصر بن قديم، قمنا بالمسير عبر وادٍ جميلٍ مملوء بالأشجار، أو بالأحرى هو عبارة عن ممر ضيق، تتبعناه لمسافة ثلاثة أميال إلى الشرق. ثمَّ انحنى درب الممر لمسافة قصيرة إلى الغرب، ثمَّ انحنى باتجاه الشمال الشرقي لنحو ميلين صعوداً إلى قمة سلسلة التلال إلى المرابط (سيدي عبد الواحد Sidi Wahab)، حيث يمكن للمرء رؤية قصر بن قديم ناحية الجنوب. من هنا أدى بنا المسار إلى بلد وعر ومائل في الاتجاه الشمالي الشرقي بشكلٍ عام لنحو أربعة أميال إلى بلدة مسّه.

ظروف صعبة

نصبنا مخيمنا تحت بعض أشجار التين البرية التي تنمو بالقرب من نبع كبير، وقضيت الدقائق الأخيرة من ضوء النهار لإلقاء نظرة عامة على الآثار. وفي صباح اليوم التالي أرسلت الأمتعة ومعظم الرجال إلى كيريني. على الرغم من وجود آثار لمخيمات حديثة، لم يكن هناك سكان من أي نوع هنا في مسّه يمكننا من خلالهم الحصول على الخبز أو الحبوب. وبقيت في الخلف لألتقط الصور والخريطة التقريبية التي أرفقتها في هذا التقرير. لقد قمت برسم الخريطة (انظر اللوحة: 44) في ظروف سيئة بواسطة بوصلة موشورية؛ وهي تخدم فقط إظهار الوضع العام للأرض والموقع التقريبي للآثار الأكثر وضوحاً.

اللوحة 44 :قبور صخرية

مقابر صخرية

تقع مدينة مسّه القديمة على نفس حافة الهضبة التي تقع عليها كيريني. الينبوع الرئيس يقع في تجويف، والماء يتدفق في اتجاه الجنوب، ولكن في اتجاه ليس ببعيد، حيث يتجه إلى الشمال، ثمَّ يتجه نحو البحر. فيما يخص الآثار؛ هي عبارة عن كميات من الكتل المربعة وآثار للمباني، على الرغم من أنَّ العديد من الجدران من الواضح أنها حديثة ومبنية من قِبَل العرب المحليين، الذين يستخدمون المكان كأرض للتخييم. وتقع معظم الآثار على الأرض العليا إلى الغرب والشمال والشرق من المنطقة. هناك محاجر فيها العديد من المقابر الصخرية.

اللوحة 41 :مسه – آثار قبور أيونية

وهناك توابيت كبيرة قائمة بذاتها ومقابر مبنية، وهناك منصات للمباني (انظر اللوحتين: 41-44)، وهناك طريقان متميزان، يقعان لمسافة ميل أو أكثر، وهي آثار لجميع أنواع الإنشاءات، ولكن لا يمكنني العثور على جزء من أي نقوش.

اللوحة 43 :مسه – أساس لمعبد أو قبر – قبور صخرية

يؤدي أحد الطريقين شمالاً لنحو ميل إلى حافة الهضبة، ويبدو أنه يتبع الوادي العميق الذي يفتح نحو البحر (اللوحة: 45).

اللوحة 45 :الطريق القديم إلى البحر

أمّا الطريق الآخر فيؤدي إلى الشرق باتجاه (الزاوية البيضاء Zawiya Beda)، والمُرابط سيدي (رافع Sidi Raffa)، وإلى كيريني، التي يتمُّ الدخول إليها من الجنوب الشرقي.

اللوحة 46 :الطريق القديم إلى كيريني

وتبلغ المسافة من مسّه إلى كيريني (إلى حيث يوجد نبع أبولّو هناك) نحو خمسة عشر ميلاً، وبالنسبة إلى الجزء الأكبر من المسافة، يتمُّ تمييز الطريق بوضوح؛ إمّا بالمقابر والمباني على الجانبين، وإمّا بوجود الطريق المرصوف حالياً. ولا يمكن أن يكون هناك شك في أن هذا الطريق كان طريقاً مهماً رئيساً من كيريني إلى الغرب، وأن مسّه كانت فرعاً مهماً من كيريني.

من آثار مدينة كيريني

عصور مختلفة

مما لا شك فيه أنَّ آثار مسّه تعود إلى عصور مختلفة، لكنني لم أرَ شيئاً يبدو متأخراً مثل ما يمكن رؤيته في بلدة (توكرة Tokra) أو (طلميثة Tolmeta)، وتُظهر طبيعة الصخور المنحوتة ونوع القوالب على بعض المقابر أنَّ هذه كانت مدينة يونانية، وقد سُكِنَت على الأقل في وقت مبكر من القرن الرابع قبل الميلاد. المظهر العام للمكان يشبه إلى حد كبير كيريني. ومن الواضح أنه كان مكاناً مهماً ومن المأمول فيه أن يحصل المعهد الأثري على الحق في حفر وتنقيب الموقع، وليس هذا لسبب آخر سوى أنه مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدينة كيريني.

*ريتشارد نورتون (1872-1918م): عالم آثار أمريكي مشهور، ولد في 9 فبراير 1872م في دريسدن، بألمانيا، وعمل مديراً للمعهد الأثري الأمريكي ومتحف بوسطن للفنون الجميلة والتنقيب عن آثار مدينة (كيريني Cyrene) القديمة في كيرينايكا (ليبيا) في الفترة 1910-1911م. توفي ريتشارد فجأة بسبب التهاب السحايا في 2 أغسطس 1918م في باريس، وعمره 46 عاماً، بعد مرض لمدة يوم واحد.


**محاضر بجامعة السيد محمد بن علي السنوسي الإسلامية، كلية التاريخ والحضارة، قسم الحضارة.


(1) تم الكشف عن أطلال مسّه في تقرير وجيز في نشرة سبتمبر 1910م، ومجلة (Nation) في 27 أكتوبر 1910م. (المؤلف)

(2)  London, 1909, pp, 4, 31.

(3) إن الرحالة الذين سيمرون بمنطقة الغريب في فصل الصيف لاحقاً، ربما سيجدون البئر جافة أكثر مما وجدته. (المؤلف)