مكتبة دبي الرقمية حاضنة التاريخ و سجلات الأمم

الإمارات الكتاب مجلة مدارات ونقوش – العدد 5

 347 عدد المشاهدات

 
 

الكاتب : د. علي بن ذيب الأكلبي

تعدُّ مكتبة دبي الرقمية واحدة من المكتبات الرقمية المرموقة في العالم، نظراً لما تمتلكه وما تسعى لاقتنائه وإتاحته من علوم ومعارف بمختلف اللغات مع تركيز خاص على المحتوى العربي؛ إذ تقتني وتتيح مجموعة رقمية ضخمة من الكتب والمجلات العربية والأجنبية العلمية والثقافية والمعاجم والتراجم والسير الذاتية، إلى جانب الصور والخرائط، وأوراق المؤتمرات والصحف والمواد المسموعة والمرئية وغيرها، وقد أرادت مؤسَّسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة لمكتبة دبي الرقمية، عندما بادرت إلى تأسيسها على شبكة الإنترنت، أن تكون مصدر المعرفة الواسع، ومقصد الباحثين والمثقفين ومنسوبي الجامعات ومراكز الأبحاث وكافة المستفيدين، ولذلك فقد أُسِّسَت المكتبةُ برؤية طموحة، وأهداف واضحة لخدمة البشرية والعناية بالعلم والعلماء، وقد حظيت مصادر المعلومات التاريخية بحظ وافر من الاهتمام تمثَّل في اقتناء كم كبير من المخطوطات وكتب التراث، ومصادر المعلومات التي تبحث في التاريخ وسالف الحضارات والأمم، على اعتبار أنَّ العناية بالماضي أساس النجاح في بناء المستقبل، ولأنَّ العناية بالتاريخ تعني تأصيل الأحداث والوقائع المهمَّة التي مرَّت على البشر؛ لأنَّ علم التاريخ من العلوم الإنسانية التي تعتني بدراسة الظواهر التاريخية الحديثة والقديمة، ويوثق الأحداث والتجارب والسلوكيات؛ فالتاريخ سجل الماضي، ولا يجادل أحد في أهمية التاريخ وفائدته العظمى للجميع.

 

يقول الحق تبارك وتعالى في معرض التنويه بأهمية التاريخ وما فيه من دروس وعظات: “لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ” (111) سورة يوسف.

وكما هو معلوم فمن ليس له ماض ليس له حاضر، يقول أحمد شوقي في قصيدته التي وجهها إلى الناشئة

 

اقرؤوا التاريخ إذ فيه العبر

            ظل قوم ليس يدرون الخبر

 

وتهدف مكتبة دبي الرقمية بشكل واضح إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، وبالتالي دعم اللغة العربية وتعزيز استخدامها لدى شريحة المثقفين من العلماء والباحثين والمهتمين في التاريخ بمراحله كافَّةً، ومختلف نطاقاته الجغرافية، وذلك نظراً لأهمية العناية بعلوم التاريخ والتراجم والسير التي من شأنها أن تجعلنا نقف على الوقائع الماضية والتجارب التي مرَّت بها الإنسانية وتصورها تصوّراً دقيقاً وواضحاً يكفي لأخذ العبرة والاستفادة منها وتوظيفها في معالجة الأحداث الراهنة، والمساعدة على استشراف المستقبل والتخطيط له، ولا شكَّ ولا ريب في أنَّ أهم ما تقتنيه وتتيحه المكتبة من مصادر تاريخية سيرة رسولنا الكريم محمد بن عبدالله، صلى الله عليه وسلم، وغيرها التي حظيت بنصيب وافر من المصادر، إضافة إلى الكثير من المصادر التاريخية الأخرى

 

 

وقد أُعْلِنَ عن انطلاقة مكتبة دبي الرقمية عام 2016 كواحدة من أكبر المكتبات الرقمية العربية التي تسعى مع غيرها من المشاريع المشابهة، كما في المكتبة الرقمية السعودية وبنك المعرفة المصري على سبيل المثال، إلى دعم وزيادة المحتوى العربي المتاح على شبكة الإنترنت، والذي من أهمِّ أنواعه وأكثرها توافراً المحتوى التاريخي الذي يسبر أغوار الأمم السابقة، ويستنبط ويعرض أهمَّ الأحداث والمواقف وما مرت به أمتنا العربية ومنطقتنا الخليجية بشكل خاص، ولهذا فإنَّ المهتمين بالتاريخ قد صار في متناول أيديهم مورداً عذباً ومعيناً صافياً يتدفَّق بغزارة، لينهلوا من معينه معلومات تاريخية موثوقة واضحة يمكنهم الاعتماد عليها في أبحاثهم ومؤلفاتهم، وكذلك تُوَفِّرُ مرجعاً علمياً للطلبة المتخصصين والدارسين للتاريخ، الذين يعملون على مد الجسور الثقافية، وربط الحاضر بالماضي ليتم إكمال المسيرة والاستفادة ممَّا مرَّ من أحداث تستحق الدراسة، لأخذ الفائدة والاعتبار عند التخطيط للمستقبل

 

وقد أدركت مكتبة دبي الرقمية الحاجة الكبيرة لدى الأجيال الناشئة، إلى معرفة تاريخهم وسيرة أسلافهم، وما مرَّت به دولهم من أحداث، وهذا ما جعل مصادر المعلومات التاريخية تحظى بهذا الاهتمام الكبير كأحد مكونات المكتبة العلمية الأخرى التي تفخر باقتنائها وإتاحتها للمستفيدين، لنشر ونقل المعرفة والثقافة العربية للعالم، والمساهمة في حفظ تاريخنا وتراثنا للأجيال القادمة، حيث تشكِّل المكتبة، منصَّةً إلكترونية تستضيف من خلالها العديد من دور النشر والموزعين للمحتوى العربي، وتتيح للباحثين خصائص البحث المتخصص في المحتوى العربي والأجنبي على موقعها على شبكة الإنترنت https://ddl.ae/  على مدار الساعة وطوال أيام الأسبوع، وهذا ما تتميَّز به المكتبات الرقمية عن غيرها، حيث تتلاشى معها حواجز المكان والزمان. ويمكن الوصول المتزامن في نفس الوقت من قِبَل عدد كبير من المستفيدين للمصدر نفسه الذي يحتاج إليه أكثر من باحث من دون أن يتأثر أيٌّ منهم بالآخر، وتقدِّم المكتبة للمستفيدين منها إمكانية البحث الدقيق عبر محرك بحث خاص بالمكتبة قادر على البحث باللغة العربية والاسترجاع بدقة كبيرة، مع إمكانية تضييق نتائج البحث ونطاقه وفلترة النتائج، وهذا يوفِّر الوقت والجهد على الباحث، ويساعده على الوصول إلى ما يريده بسرعة كبيرة

 
 

كم نحن بحاجة إلى التاريخ تعلُّماً وبحثاً ودراسةً في شؤوننا وجوانب حياتنا الاجتماعية والعلمية والوظيفية كافَّة.