ملامح من فكر زايد

الإمارات الكتاب مجلة مدارات ونقوش – العدد 2

 199 عدد المشاهدات

الكاتب : بلال البدور – كاتب إماراتي

 


عندما تحتفل دولة الإمارات العربية المتحدة هذا العام بمئوية زايد، تحت مسمى «عام زايد»، فإنَّ هذا الاحتفال يمثِّل مبادرة تعدُّ جزءاً من ردِّ الجميل لهذه القامة العملاقة، وذلك الرائد والزعيم الكبير، الذي كلَّما ذُكِرَت الإماراتُ في محفلٍ من المحافل على الصُّعد كافَّة، انتصب أمام العيان؛ فهو وراء كلِّ منجز حضاري تحقَّق على هذه الأرض الطيبة.

عام زايد فرصة لإلقاء المزيد من الضوء، لإبراز هذه الشخصية أمام الأجيال الجديدة، وتذكيرهم بدورها المتميِّز والبارز في رسم معالم هذا الوطن. لكنَّ عاماً واحداً قد لا يفي زايد حقه، فلو كتبنا وتحدثنا كلَّ ساعة في هذا العام، فإننا لن نتمكَّن من إحصاء ما لزايد من حقٍّ على أبناء الوطن، وما له من حقوق على أمته العربية والإسلامية، حيث إنَّ عطاءاته امتدت شرقاً وغرباً لتطال مواقع الحاجة.

 

كنت أودُّ لو جعلنا لزايد عقداً من الزمان، نحتفي خلاله بزايد الخير والعطاء، زايد الإنسانية والإنماء، زايد القيم والبناء. أحاول في هذه المقالة أن أستعيد من الذاكرة ملامح ثلاثة من فكر زايد، لبيان كم هو عظيم هذا الرجل.

 

الملمح الأول: زايد والتعليم
عندما كان زايد مقيماً في العين، قبل أن يتسلَّم زمام الحكم في إمارة أبوظبي، كان مهتماً ببناء الإنسان، حيث يوفِّر له مقومات الحياة الكريمة، وإدراكاً منه بأهمية التعليم والمعرفة فقد أسَّس أوَّلَ مدرسة بالعين في العام الدراسي 1959 – 1960م سميت بالمدرسة النهيانية، ليدخل فيها من هم في سن الدراسة من أبناء الشيوخ وأبناء الرعية، ليتلقوا التعليم فيها. وبعد تولي سموه مقاليد الحكم في الإمارة في السادس من أغسطس عام 1966م، ركَّز على دعم المدارس القائمة آنذاك بأبوظبي، وواصل بناء المدارس الجديدة، لإيمانه بأهمية التعليم وفتح المجال للبنين والبنات.

 

وفي خضم عمله الدؤوب لتغيير واقع الحال بإمارة أبوظبي، وتعويض المراحل التي مرَّت ولم تحقِّق فيها الإمارة التنمية المطلوبة، لم يشغله ذلك عن التفكير في حلمه الأكبر وهدفه الذي يسعى إلى تحقيقه، وهو قيام الاتحاد بين الإمارات.

 

ولعلمه بأنَّ الاتحاد المنشود حتى يبقى ويعيش، لا بدَّ أن تكون هناك القناعة الشعبية قبل القبول به بين القيادات والحكَّام. حيث إنَّ أفراد الشعب هم الذين سيتحمَّلون مهام بناء الوطن. مما يعني ضرورة تهيئة المجتمع ليكون قادراً على القيام بهذه المسؤولية. ولتحقيق ذلك كان لا بدَّ من بذر بذور الاتحاد بين أبناء الإمارات جميعاً. لذا، فقد أتاح الفرصة لأبناء الإمارات لتلقي التعليم في مدارس أبوظبي ليعيشوا مع إخوانهم أبناء الإمارات الأخرى.

 

وقد تمَّ توفير الاحتياجات اللازمة لذلك؛ فانتقلت أعداد من الطلبة من مدارس الإمارات الشمالية عام ١٩٦٨، لتدرس بالعين وأبوظبي، وسكنوا بالأقسام الداخلية، وتشجيعاً لهم على ذلك تمَّ توفير السكن والوجبات والمكافآت الشهرية.

 

ودرس الطلبة الراغبون في التخصصات الأدبية بالعين، والراغبون في التخصصات العلمية درسوا في أبوظبي. فانصهر الشباب في بوتقة واحدة، وكأنهم أبناء بطن واحدة. وإيماناً من سموه بأهمية الدراسة الجامعية لتأهيل كوادر متعلمة قادرة على بناء وطن قوي بسواعد أبنائه، فقد كلَّف أحد العاملين بديوان الرئاسة آنذاك، للسفر إلى العراق للتباحث حول ابتعاث الطلبة للدراسة الجامعية بالعراق، لكن المبعوث تأخَّر في الرد؛ فبعث بآخر إلى مصر للنظر في إمكانية ذلك، فجاء بردٍّ عاجلٍ وإيجابيٍّ. وأُرْسِلَت مجموعاتٌ للدراسة بالجامعات الأكاديمية في تخصصات مختلفة، وبعضهم للدراسة بالكليات العسكرية والشرطية على نفقة حكومة أبوظبي، دون النظر إلى أي إمارة ينتمي إليها هؤلاء الطلبة، وكانت تصرف لهم الرواتب الشهرية المجزية، إضافة إلى الرسوم الدراسية ومخصصات السفر والكتب والتذاكر، ثمَّ توالت البعثات إلى دول أخرى.

 

كما خُصِّصَت بعضُ المنح الدراسية لطلاب من بعض الدول العربية والإفريقية. وعاد الذين أنهوا دراستهم بالجامعات في الخارج، ليتقلدوا المناصب المهمة في الدولة، وعملوا ببذل وجهد ردًّا للجميل الذي أسداه سموه إليهم، ملبِّين واجب العمل الوطني، ومخلصين للدولة والقائد، يعملون بجدٍّ وعطاء صادق. وكان وجودُهم معاً أثناء الدراسة فرصةً للتعارف والتآخي، مما سهَّل تواصلهم في العمل الرسمي في المؤسَّسات الاتحادية، وتعاونوا على العمل لرفعة الوطن وتحقيق طموحاته.

 

الملمح الثاني: زايد الناقد الأدبي

كان زايد شاعراً ومحبًّا للشعر، يقرض الشعر النبطي، ويحفظ الكثير من الشعر العربي الفصيح ويتذوقه، ولديه حاسة نقدية يفنِّد بها الجيد من الرديء في الشعر، ويستشهد بالشعر في المواقف التي تمرُّ به، وكان مجلسه لا يخلو من تناول الشعر، وعقد الموازنات والمفاضلة بين الشعراء. وفي أحد لقاءاته مع أصحابه ورفاقه، دار حديث حول بيت من الشعر كان معجباً به، وكان رأيه كما يلي حسب ما جاء على لسانه:

 

«مجمل الشعر عربيًّا كان أم نبطيًّا فله معنى؛ فالعربي له معناه، والنبطي له معناه، والمغزى واحد، مثله مثل الشعاب التي تهد على مصب وادي، وتصبح الشعبة وادياً، ويصبح المصب واحداً. ولو دقق بين العربي والنبطي فالدقة فيه والشطارة تتراوح، فهناك قصيدة عربية تجد فيها دقة مثل قول أبي الطيب المتنبي:


ولو بجسمي من برته ولو أصاب 

وشاحي ثقب لؤلؤة لجالا


ويعلِّق قائلاً: هذا مستحيل أن يكون، ولكن لأجل دقة الشاعر في كلامه وندرته كان الكلام كما جاء على لسان الشاعر. ومثّل لذلك بقول الشاعر النبطي حيث يقول:


لو حفّ طرف ثيابه
     حول عظام بَلَتْ
روح القلب تحيا به
     ولو سلّم سلمت


ويعلق قائلاً: فهذا أدق وأبعد عن قول المتنبي في البيت المذكور ولو بجسمي من برته؛ لأنه ليس عيسى بن مريم”.
وقد تداخل أحد الحضور مستشهداً لبيت الشاعر توبة بن الحمير حيث يقول:
ولو أنَّ ليلى لأخيلة سلمت
     علىَّ ودوني جندل وصفائح
لسلمت تسليم البشاشة أو زقا
     إليها من جانب القبر صائح


فيرد عليه سموه هذا يقول عن نفسه: لكن ذلك لا يقال عن الميت الذي مات وحيا، لكنه يقال من إنسان حي أنه من ندرة هذا الإنسان وندرة شكله ونوعيته وغرابته بين الناس أنه لو مرَّ على القبر وحفت أطراف ثيابه القبر ولامسته، لانتبه ذلك الميت الذي في القبر وحيا، ولو سلَّم عليه لأجاب السلام.

من ذلك ندرك مدى ما يملكه الشيخ زايد من حس نقدي، ودراية بالشعر، يفرق بها بين الغث والسمين.

 

الملمح الثالث: زايد والاحتفاء بالوافد

عام ١٩٧٦ كنت دبلوماسياً بوزارة الخارجية بقسم الوطن العربي بالإدارة السياسية، وكانت الوزارة تستعدُّ لاستقبال سمو الشيخ زايد في زيارة له للوزارة، والالتقاء بالدبوماسيين، وقد أعدت الساحة التي خلف مبنى الإدارة السياسية موقعاً لذلك اللقاء، حيث لا توجد قاعات تتسع للقاء آنذاك بمنى الوزارة الذي لم يكن مهيئاً للوزارة، وحيث إنَّ اللقاء كان في الفترة المسائية، فإنَّ ظلَّ المبنى يشجِّع على عقد اللقاء. 

 

وبعد حضور سموه، وبرفقته أحد ضيوف البلاد من دولة إفريقية، لا يحضرني الآن اسم بلده، تمَّ الترحيب به ثمَّ فُتِح باب الحوار، وقد تقدَّمت بالسؤال التالي: يا صاحب السمو نلاحظ نحن أبناء الإمارات الشمالية القادمون للعمل بالعاصمة؛ حبًّا في خدمة الوطن أنَّ الدولة تستقدمُ عدداً من الموظفين والمستشارين من العرب وغيرهم، وتصرف لهم الرواتب المرتفعة، وتقدِّم لهم المزايا العديدة من السكن المناسب وتذاكر السفر وغير ذلك، في حين أنَّ أبناء الإمارات الشمالية لا يجدون ميزة السكن الحكومي، حيث تسكنُ كلُّ مجموعة من أربعة أشخاص أو أكثر في بيت صغير بالإيجار.

 

وكان الردُّ الأبوي على لسان القائد: نعم، نعلم ذلك، هؤلاء الذين جاؤوا من الخارج ضيوفنا ويعملون معنا من أجل رفعة البلاد، وعليكم أنتم أن تساعدونا على إكرامهم فهذا واجب علينا، أمَّا أنتم فأبناؤنا تحمَّلوا معنا قليلاً وسيعمُّ الخير، وستجدون كلَّ ما تريدونه متوافراً لكم؛ فالدولة لا تزال في البداية.

هذه أمثلة مما تختزنه الذاكرة، وهناك الكثير الذي يؤكِّد عظمة هذا الرجل وسعة أفقه وحبه لبلاده وأمته.

 

رحمه الله رحمة واسعة، وأعاننا على ردِّ الجميل لرفعة الوطن، وإبقاء اسم الإمارات عالياً وفي المقدمة.