من الدحرجة إلى خيول الجر إلى المحرك العربة عبر التاريخ

الخيول العربية المستجدات ١ مجلة مدارات ونقوش – العدد 13

 3 عدد المشاهدات

الكاتب: محمد التداوي

 

أصبح للإنسان حضارة حينما استخدم أدوات ساعدته على التغلُّب على المصاعب والعقبات التي تواجهه ككائن حي محدود الإمكانات الجسدية أمام متطلَّبات البقاء، وبعدما ساعده عقله المتطور على توفير متطلبات بقائه أصبح شغله الشاغل البحث عن تطوير أدواته، واختراع كل ما هو جديد ومفيد، ليساعده لا على البقاء فقط، بل على التطوُّر أيضاً. وهذه الأفكار التي تحوَّلت إلى اختراعات مرَّت بمراحل استمرَّت عشرات الآلاف من السنين حتى تصبح ذات قيمة عملية في حياة البشر، وربما لا يعرف الكثيرون أنَّ اكتشافات إنسانية عظيمة بدأت بحدث عادي أتى بفكرة.

 رحلة الإنسان مع اختراع العربة ليست وليدة العصر الحديث، وإنما سبق ذلك حكايات كثيرة أسهمت في الوصول إلى الشكل النهائي للعربة كما نعرفه الآن. وربما ترى الأجيال الحالية حركة السيارات فلا تستغرب إلى أن يحدث عطل ما، وتحتاج السيارة إلى من يدفعها أو يحركها من مكان إلى مكان، حينذاك يطرأ السؤال التالي: كيف كان حال العربات قبل المحرك؟ وهي القصة التي تطوَّرت عبر آلاف السنين من الدحرجة إلى خيول الجر إلى المحرّك، رحلة بدأت بالدحرجة وهي الحركة التي أدّت إلى اختراع العجلة بعدها، والعجلة التي غيّرت تاريخ البشرية أدّت إلى اختراع العربة، والعربة لن تتحرَّك وحدها، والإنسان ضعيف أمام هذا الدور المجهد، إن قام بالدفع أو الجر، وهنا احتاجت إلى قوة الحيوانات التي كان لها دورها الأهم، وهناك أنواع محددة، مثل الخيل، ارتبطت تاريخياً بجر العربات عبر التاريخ، وشاركها بعض من الأنواع الأخرى بحسب البيئات المختلفة.

القصة ربما تبدأ من مصر القديمة؛ فلم يشغل بال العلماء عبر العصور كيف استطاع هذا الشعب بناء أهراماته؟ بل شغل بالهم، كيف أحضروا هذه القطع الضخمة من الحجارة التي بنيت بها الأهرامات من مناطق بعيدة من دون استخدام عربة أو عربات ناقلة؟ لكن كيف والعربات لم تكن اخترعت بعد؟! وهو ما جعل العلماء يبدؤون رحلة الإجابة عن الأسئلة تباعاً عبر ما حللوه من آثار مكتشفة تدلل على قصة اختراع العربة.

نظريات متعددة

أرجعت الكثير من النظريات العلمية أنَّ طريقة نقل الأحجار على جذوع أشجار متساوية عن طريق دحرجتها تحت الكتلة الثقيلة، لم تكن سوى النواة الأولى لما لا يختلف عليه بعد، بأنَّ بلاد الرافدين هي موطن اختراع العجلة، حتى يفاجئنا التاريخ بجديد يغيّر ما نعرفه عن أنَّ العراق القديم اخترع العجلة بشكلها الدائري المعروف، وكل ما جاء بعد ذلك كان تعديلاً وتحسيناً وتغييراً في مادة الصنع نفسها، ليبقى الشكل دائرياً حتى يومنا هذا.

إنَّ محاولات الدحرجة على جذوع أشجار متساوية تسبق العجلة نفسها، وهي طريقة النقل التي استخدمها المصريون القدماء في عصر الدولة القديمة لنقل الأحجار الضخمة من المحاجر البعيدة وحتى أقرب مرسى لنهر النيل، ومراكبه الناقلة التي تتحرك بقوة الرياح أو التجديف والعكس بحسب الاتجاه شمالاً أو جنوباً، وحتى أقرب مرسى لبناء الأهرامات، وهنا تعاد الطريقة نفسها؛ فتدفع الأحجار من جديد فوق عدد من جذوع الأشجار التي تتدحرج تحت الوزن الضخم للأحجار مشكّلة حركة دائرية انتقالية في الاتجاه المطلوب، وجعلوا الأمر أكثر سهولة باستخدام الأبقار للجر، واكتفى الإنسان بنقل وتعديل ووضع الجذوع في الاتجاه المطلوب، مع رش المياه لتسهيل الحركة.

الكتل الضخمة

وهنا سؤال مهم يفرض نفسه حول آلية حركة هذه الكتل الضخمة، فلو تجاوزنا طريقة الدفع أو الجر إلى كيفية الحركة نفسها، التي لولاها لما كان للدفع أو للجر قيمة تذكر، مقارنة بالمجهود الهائل المبذول، فلولا الشكل الدائري للجذوع المستخدمة والذي هو أساس سهولة الحركة، لما تفنَّن البشر في اختراع طرق الجر أو الدفع من الإنسان نفسه مروراً بالخيول والحيوانات الأخرى وصولاً إلى المحرك.

النظريات العلمية الأثرية تنتقل بعد هذه التجربة البشرية التي أنتجت نواة فكرة تبلورت عبر عدة قرون حتى أنتجت أول عجلة بشكلها المعروف إلى صندوق صغير يحمل على عجلة واحدة يدفعها شخص، كانت نواة العربات في التاريخ واستمرت في دورها إلى أن أصبحت العجلة عجلتين، واستبدل دفع الإنسان لهذه العربة بالحيوان للجر، وجربت عدة أنواع من الحيوانات حتى اتخذت الخيول مكان المقدمة حينما تطوّرت العربة البسيطة إلى عربة كبيرة.

أمّا عن العربات التي تُجَرُّ بواسطة الخيول أو الحيوانات، فقد عرفتها الشعوب قبل تاريخ اختراع أول محرِّك يُركَّب على عربة بأكثر من ثلاثة آلاف عام، حينما غزت شعوب الهكسوس المسلحة بسلاح جديد كان يتمثَّل في العربة الحربية الهكسوسية، واستطاعوا، بعد أن ساعدتهم العربات الحربية التي تجرها الخيول، احتلال الدلتا المصرية.

صندوق مكشوف

تجمعت الحركة الدائرية متمثلة في العجلة وقوة الجر متمثلة في الخيول، ليظهر الشكل الذي نعرفه عن أول عربة اخترعها الإنسان، ولم تكن هذه العربات سوى صندوق خشبي مكشوف بجوانب عالية تجرُّها ثلاثة خيول قوية، ولم تكن عربة تستطيع الحركة بسهولة ويسر، ولكن تندفع في اتجاه واحد محدثة حالة من الهلع والدهس في صفوف جنود الجيش الخصم، وكانت تحمل ثلاثة أفراد يتوزعون كالتالي: الأول سائق، الثاني حامل للرمح والسهام، والثالث يحمل درعاً، يحمي بها زميليه من سهام الأعداء، لكنها لم تكن تتمتَّع بمرونة وسهولة الحركة حيث عطل ارتباط العجلات ببعضها من سهولة الحركة والمناورة، وأيضاً كان للأوزان الهائلة مشكلاتها من حيث الإجهاد الذي تسببه للخيل المربوطة سوياً، خاصة في الحروب، ولا يخفى على أحد أنَّ إصابة حصان واحد برمح أو سهم في هذه الحالة قد يخرج العربة كلها من المعركة، ويفقد الجيش الميزة المكتسبة بهذا السلاح الجديد.

رسم توضيحي لشكل أول عربة بمحرك بخاري
رسم توضيحي لشكل أول عربة بمحرك بخاري

 

استفاد المصريون من الدرس، وبدؤوا بتطوير العربة الهكسوسية متجنبين أهمَّ العيوب التي ذكرتها، وقاموا بعمل استقلالية الحركة في عجلات العربة الحربية المصرية. وأقدم الشواهد هي عربة أحمس بطل التحرير، والتي تميَّزت بخفة وزنها بعدما استخدم تصميماً أكثر خفَّة ومن دون الجوانب الخشبية الثقيلة، ثمَّ قلَّص المصريون عدد الخيول إلى اثنين بدلاً من ثلاثة مثلما كانت عليه العربة الهكسوسية، وأيضاً قلَّلوا عدد الأفراد إلى اثنين بدلاً من ثلاثة، واستبدلوا الرماح، التي كانت تساعد كثيراً في المواجهات القريبة، بالسهام المتطورة التي تصيب أهدافها عن بعد، وبالتالي استطاعت العربة المصرية المناورة واللف والدوران بعد إصابة أهدافها المرجوة، من دون أن يصاب أحدٌ من أفرادها بأيِّ أذي. وتعدُّ العربات الست المكتشفة في مقبرة توت عنخ آمون من أفضل وأجمل النماذج المكتشفة في كلِّ العصور القديمة، واعتقد العلماء حتى وقت قريب أنَّ هذه العربات المكتشفة كانت تستخدم للاحتفالات فقط، لكن بعد دراسات حديثة أثبتوا بما لا يدع مجالاً للشك أنها العربات التي استخدمها فعلاً الملك الصغير في حياته العملية ما بين حروب ورحلات قنص وصيد.

حركة الدحرجة التي أدت إلى اختراع العجلة، والتي بدورها أدت إلى صناعة العربة التي احتاجت إلى قوة جر؛ فكانت الحيوانات وخاصة الخيول، وتلك الحركة المطلوبة لدفع أو جر العربة، جعلت الإنسان يفكِّر أكثر في استقلالية هذا الدفع أو الجر، وبالتالي الاستغناء عن الحيوانات بكل مشكلاتها، واستبدالها في نصف الألفية الثانية بأول الأفكار في ذاتية الدفع.

نحت بارز موجود في متحف حضارة الأناضول يمثِّل رسماً للعربة الحيثية ويظهر سمك العجلات
نحت بارز موجود في متحف حضارة الأناضول يمثِّل رسماً للعربة الحيثية ويظهر سمك العجلات

 

خطوة متطورة

الانتقال من مرحلة إلى أخرى أخذ في العادة عدة قرون، وفي بعض المراحل آلاف السنين حتى تنتقل البشرية إلى خطوة التطوُّر التالية، وكانت العربات التي تجرها الحيوانات هي المسيطرة على الحقب التالية، وإن كانت الاختلافات تنحصر في نوع الحيوان الذي يقوم بالجر من خيول وبغال وأبقار، إلى أن جاءت أول الأفكار في شكل ألعاب صغيرة تتحرَّك بحركة ميكانيكية ذاتية لمسافة قصيرة، وهناك نماذج كثيرة في متاحف العالم المختلفة، ومن معظم الحضارات القديمة تقريباً بداية من الدولة الحديثة في مصر مروراً بالبطالمة والعرب، وإن كانت أهم الرسوم التي وصلتنا لمركبة حقيقية لا تجرها الخيول كانت مخطوطة العالم الفذ الإيطالي ليوناردو دافينشي بنموذجه المعروف عن أول مركبة لا تجرها خيول، وإنما تدار من الداخل بواسطة أربعة أفراد. وتحفظ لنا المتاحف الآن النسخة الخطية من هذا التصميم الذي يوضِّح استقلالية الدفع عوضاً عن الجر الحيواني، وهذه العربة لم تكن سوى عربة حربية محملة بمدافع صغيرة بغرض الهجوم، وهناك آراء سائدة بأنها كانت بغرض الترهيب أكثر من أن تكون فاعلة في الحروب.

وبالطبع حاولوا في القرون اللاحقة إنتاج عربة ليوناردو دافينشي، ولكنه كان قد احتاط للأمر بأن صمَّم التروس بطريقة معكوسة، حتى لا يستفيد منها أحد إن سُرِقَت هذه التصاميم، إلى أن استطاع العلماء في 2010م إنتاج هذه العربة، بعدما عدَّلوا خطأ رصِّ التروس بصورة عكسية، وتوجد من هذه العربة عدة نسخ تتوزع في متاحف كثيرة، وأيضاً في بلدة دافنشي التي ولد فيها في مقاطعة توسكانيا بإيطاليا.

أول عربة تتحرك من دون خيول، رسم ليوناردو دافينشي، الشكل الأول شكل ميكانيكية الحركة الداخلية
أول عربة تتحرك من دون خيول، رسم ليوناردو دافينشي، الشكل الأول شكل ميكانيكية الحركة الداخلية

 

جاءت الثورة الصناعية بمراجل البخار، وكان هناك الكثير من الأمنيات لاستبدال الخيول بمحرِّك بخاري محمَّل على مركبة، وكانت البداية لعالم السيارات ذاتية الدفع بمحرِّك بخاري من تصميم المهندس نيقولا جوزيف كونيو، المهندس في البحرية الفرنسية الذي استطاع في عام 1769م إنتاج أول نموذج يسير بقوة دفع ناتجة من موتور بخار محمَّل على عربة، ومع أنَّ النموذج الأول تحطّم في حادث اصطدامه بجدار أثناء تجربته، حيث لم يكن به مكابح ولا معدَّل اتجاه، إلا أنهم أنتجوا منه النموذج الثاني بعدها بعامين في العام 1771م، باهتمام خاص من وزير الحرب الفرنسي حينذاك بغرض نقل معدات حربية ثقيلة، تساعدهم على حروبهم ضد الإنجليز. وتوجد أيضاً نماذج عدة؛ منها نموذج متحف الفنون والحرف في فرنسا.

تطور متسارع

تتوالى الاختراعات التي لم تنل نصيباً كبيراً من الشهرة والرواج، مثل العربة الروسية، والتي لم تساعدها أوضاع روسيا والحروب في أوروبا على أن تنال شيئاً من الدعاية وأهمل المشروع، ولم تنل سيارة كونيو نفسها الموجودة في المخازن الحربية الفرنسية اهتمام نابليون بونابرت لأسباب غير معروفة، وانتظرت العربة ذاتية الدفع لتظهر في نهايات القرن التاسع عشر عدة براءات للاختراع، حول عدد من المحركات التي تعمل بالنفط ومشتقاته، ولكن استقر الرأي العام عند السيارة التي أنتجها كارل بنز بأول موديل ناجح يعمل بمحرك بنزين عام 1885م.

أول سيارة

استطاع كارل فريدريش بنز أن ينتج محرِّكاً يعتمد على البنزين في وقوده وكان محرِّكاً رباعي الأشواط مركَّباً على سيارة بثلاث عجلات، وقد نال براءة اختراعه في التاسع والعشرين من يناير عام 1886م،عن سيارة بينز باتينت موتورفاغن التي بيعت قبل أقرب النماذج المصنَّعة من قِبَل مخترعين آخرين بحوالي أربع سنوات، لتصبح موديل بنز أول سيارة معروفة في التاريخ كسيارة تعمل بمحرك بنزين مثبَّت على عربة، واستمرَّ إنتاج هذا النموذج حتى عام 1896م. وبعد كارل بنز قدمت العديد من براءات الاختراع لإنتاج سيارات وموديلات أحدث وأسرع وأقوى وأكثر أماناً وجمالاً، إلى ما لانهاية من التحديثات والتحسينات التي طرأت على المركبة أو السيارة، وعلى نوع وقودها وعلى إمكاناتها في السرعة والقوة، وهو ما أنتج بعد ذلك سباقات السيارات التي أخذت بدورها الأضواء من عالم الخيول، وتحديداً خيول السباقات. ونظمت سباقات للسيارات كما هي للخيل.

تلك كانت رحلة حركة دحرجة بسيطة أدت إلى أن يطوِّر الإنسان من أفكاره، ليصل بعد خمسة آلاف عام للمحرِّك الذي غيَّر حياة البشرية للأبد، لنرى من بعد اختراعه جديداً كلَّ يوم، بل كل لحظة، وبعد أن كان معدَّل التطوُّر بطيئاً جداً قبله وقبل العربات والمركبات التي لم يساعدها المحرك على الحركة فقط، بل تجاوزه للطيران.