من دمشق إلى مكة المكرمة رحلة المحمل الشامي الشريف

الشرق الأوسط وشمال إفريقيا المستجدات ١

 340 عدد المشاهدات

الكاتبة:إيمان محمود سليمان

بماء الورود والشموع، بالزيوت والعطور، محملا بكسوة الكعبة المشرفة انطلق محمل الحج الشامي الشريف لقرون بموكب مهيب في رحلته المقدسة من الشام إلى مكة المكرمة.

  المحمل الأول

على مدى ما يزيد على أربعة قرون، استمرت رحلة المحمل الشامي المهيبة، وكانت البداية في عهد الملك الظاهر بيبرس حاكم مصر ودمشق الذي أمر بإرسال أول محمل إلى الحج يليق بسلطته، وفي عهد السلطان عبد الحميد الثاني سلطان الدولة العثمانية الذي حكم منذ عام ١٨٧٦م حتى عام ١٩٠٩م أخذ المحمل شكل خيمة مزركشة بقبة صغيرة لها نوافذ ملونة.

خيوط الذهب

لم يكن محمل الحج هودجا عاديا، فقد صنع بحرفية وإتقان من الحرير والمخمل الأخضر والأصفر، وطرز يدويا بخيوط من الفضة والذهب التي تخط الآيات القرآنية بطريقة الزخارف النافرة. ويبلغ ارتفاع هيكل المحمل المصنوع من الخشب 3 م فيما يبلغ طوله 1.5م وعرضه 1.7م ويجلل بالديباج المزخرف بأناقة، وعلى جانبيه علمين كبيرين وحصيرتين وستارة مموهة بالذهب توضع خلف مكان الجلوس.

على مدار شهور يستمر التحضير لموكب المحمل الشامي، تستنفر خلالها دمشق وأحيائها بأسواقها وبضائعها وتتحول إلى المدينة التي لا تنام، حيث يرتادها التجار من مختلف بقاع الأرض لعرض بضائعهم ويتجمع فيها الحجاج لتحضير رحلتهم الطويلة من الشام إلى مكة المكرمة لأداء مناسك الحج.

مراسم المحمل

تبدأ مراسم تحضير محمل الحج الشامي في اليوم الأول لعيد الفطر من أمام مسجد بني أميّة الكبير بحضور والي دمشق وعدد من كبار الشخصيات والعلماء والمشايخ، وكانت تسمى “مراسم الزيت والشمع والمحمل”. وفي الأيام التالية يتم إحضار الزيت والشموع وماء الورد والملبس ملفوفا بالكشمير محمولاً على أكتاف الرجال لإهدائها إلى الحرمين ويسمى اليوم الثاني “يوم الزيت” والثالث “يوم الشمع” وفي اليوم الرابع من شوال، “يوم المحمل” يخرج المحمل مع السنجق ” الراية” من المسجد الأموي في موكب مهيب إلى حي الميدان ثم باب مصر ومنه إلى حي القدم ليستقر هناك بضعة أيام تحت قبة مسجد العسالي حتى تتحضر قافلة الحج لتنطلق نحو المدينة المنورة.

مراسم وداع المحمل الشامي في دمشق

يوضع المحمل على ظهر جمل مرتفع، جميل الشكل قوي البنية لا يستخدم لأي عمل سوى الحج، وكانوا يطعمونه اللوز والسكر، بينما يتسابق الناس لالتقاط الطعام المتناثر من فمه تبركا وتحببا، حيث كان الجمل يحمل بالإضافة للمحمل الشامي الكسوة السلطانية إلى الكعبة المشرفة.

أمير الحج

وبعد أن يصل المحمل الشامي إلى مسجد العسالي بأيام، يخرج أمير الحج من سراي الحكم “المشيرية” بين 15–17 شوال على رأس موكب الحج، ويبدأ مسيره من منطقة الميدان بدمشق، إلى بوابة مصر، متجهًا إلى مدينة مزيريب جنوب دمشق، ليبقى فيها بانتظار وصول المحمل وجموع الحجاج، وبعدها ببضعة أيام تخرج قافلة الحج الشامي من الطريق نفسه، يتلوها قافلة الحج الحلبي، ومعهم حجاج العجم، ويبقى الجميع في مزيريب حتى يتم خروج الموكب بأجمعه، في رحلة الحج الشامي التي كانت تستغرق أربعة أشهر من شوال حتى صفر.

عودة المحمل إلى دمشق

بعد أن يفرغ الحجاج من مناسك الحج، كانوا يتجمعون في المدينة المنوّرة حول المحمل والسنجق للبدء في رحلة العودة ضمن الموكب نفسه الذي جاءوا فيه، وعند اقتراب موعد وصولهم تبدأ الاستعدادات في دمشق لاستقبالهم بالزينة والاحتفالات.

محمل الحج الشامي، وأمير الحج
قصر العظم، دمشق
Photo: @salehmaarawi

وقد استمر خروج المحمل الشامي حتى قيام الحرب العالمية الأولى، وتضمنت القافلة الشامية أعداداً كبيرة من الحجاج الذين كانوا يتوافدون إلى دمشق خلال شهر رمضان من المناطق الشمالية والشرقية ومنهم جماعات الروم والحلبيين والعجم فضلا عن حجاج دمشق.

المحمل الشامي في دبي

يذكر أنه تم عرض المحمل الشامي في عدد من المتاحف، كما تم عرضه في سوق أتريوم في دبي مول دبي خلال أغسطس 2013 من قبل “ألكساندر ج” الماركة العالمية المشهورة بصناعة العطور كجزء من تقدير الفنان المعاصر “أكساندر ج”  للمحمل الشامي ومشاركته كقطعة أثرية ذات أهمية وقيمة تاريخية لا تقدر بثمن.

المحمل الشامي في دبي مول

المصدر:
كتاب “دمشق في مطلع القرن العشرين”  أحمد حلمي العلاف