من شابه جده فما ظلم

الكتاب مجلة مدارات ونقوش – العدد 2

 174 عدد المشاهدات

الكاتب : علي عبيد الهاملي

 

تقول العرب في الأمثال: “من شابه أباه فما ظلم” لتدلل على كرم أصل ومحتد من تريد مدحه، ويقال إن أول ما ضُرب المثل كان في مديح الصحابي الجليل عدي، ابن حاتم الطائي، حيث قال الشاعر:

 

بأبِهِ اقْتَدَى عَدِيٌّ فِي الكَرَمْ

      وَمَنْ يُشَابِهْ أَبَهُ فَمَا ظَلَمْ

 

وإذا كانت مشابهة الأب دليلا على كرم أصل ومحتد الإبن، فما بالك بمن شابه جده كريم الأصل والمحتد والأخلاق والصفات؟

 

يتكرر ونحن نحتفل هذا العام بمئوية الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ذكر جده المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن خليفة بن شخبوط آل نهيان، الذي حكم أبوظبي خلال الفترة من عام 1855 وحتى عام 1909. وهي فترة كانت حافلة بالأحداث، غنية بالأعمال والإنجازات التي حققها زايد الأول، الذي وصفه المقيم البريطاني في الخليج “برسي كوكس” إبان فترة حكمه بالقوة، وقال عنه: “لقد ظل زايد بن خليفة حتى اليوم الأخير من حياته في عام 1909 يحتفظ بصلاحيات مطلقة لم تتعرض للتحدي في السنوات الثلاثين الأخيرة من حكمه. ولم يسبق لأي من حكام آل بوفلاح أو غيرهم من شيوخ الساحل أن مارس نفس السلطان الذي وصل إليه الشيخ زايد في شرق الجزيرة العربية”. كما نقل الرحالة الألماني “بورخاردت” الصورة نفسها عن الشيخ زايد بن خليفة، رحمه الله، فقال بعد زيارته لأبوظبي ولقائه به عام 1904 إن الحكومة كانت تتصف بالأبوية، وإن أرواح شعب أبوظبي وممتلكاته كانت مؤمنة بدرجة لا تقارن بالأوضاع في مناطق أخرى. وهو ما أكده المؤرخ والجغرافي البريطاني الشهير “جون جوردان لوريمر” في معجمه الجغرافي “دليل الخليج”، حين وصف قوة نفوذ شيوخ أبوظبي في البريمي في بداية القرن العشرين، وأشار إلى أن أطلال الحصن في البريمي تقف شاهدا على الإرث التاريخي لأسرة آل نهيان في البريمي.

 

لقد اتفق المؤرخون وكل من عاصر الشيخ زايد بن خليفة، عليه رحمة الله، على وصفه بالحكمة وسداد الرأي، والجلد والهيبة، والقدرة على استشراف تطور الأحداث في المنطقة. وقد تركت هذه الصفات بصماتها على كل القرارات التي اتخذها الشيخ زايد بن خليفة، وبدت واضحة في مواقفه من الأحداث التي مرت بها المنطقة خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وهي فترة مهمة في تاريخ المنطقة، لعبت القوى الكبرى، وعلى رأسها بريطانيا، دورا مهما فيها، نظرا لارتباط مصالحها بالمستعمرات القريبة من المنطقة، أو تلك التي تمثل المنطقة معابر مهمة إليها. وقد استطاع الشيخ زايد بن خليفة، عليه رحمة الله، أن يتعامل مع هذه القوى بما يحفظ لإمارة أبوظبي هيبتها واستقلال قرارها، دون أن يعرضها لصدامات غير محمودة العواقب، نظرا للقوة العسكرية البحرية التي كانت تتمتع بها هذه القوى في تلك الفترة، وكذلك فعل مع القوى المحلية المجاورة له، فتعامل معها بالحزم والقوة عندما استدعى الأمر ذلك، وبالرأفة عندما رأى أن الحكمة تقتضي تنحية القوة جانبا. ومثلما تجلت حكمته في إدارة علاقاته الخارجية، تجلت أيضا في إدارة علاقاته الداخلية مع القبائل التي كانت تكن له احتراما كبيرا، وتسعى إلى كسب وده، نظرا لما كان يتمتع به من احترام وعدل وهيبة.

    

هذه الصفات كلها حين نبحث عنها نجدها متجلية بوضوح في شخصية المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه. وقد شهد له بها القريب والبعيد منذ البدايات الأولى لبروزه، حتى قبل أن يتولى مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي، حيث قال عنه السياسي البريطاني “أي. سي. صمويل” إنه “الأكثر فاعلية، والأشد قوة، والأكثر سخاء من بين جميع شيوخ الإمارات المهادنة”. وقال عنه الوكيل السياسي البريطاني في أبوظبي (بين الأعوام 1959 و1961) إنه “يتسم بالكرم والجود، ويستطيع أن يجمع بين الاعتزاز بذاته الذي يشعر به الحاكم، وبين البساطة والود الذي يدخل الدفء إلى قلوب رجاله. ولولا زايد لما كانت القبائل تشعر بصلة قوية بالأسرة الحاكمة، وهذا ما يطهر بوضوح لدى غالبية البدو”. وقال عنه الوكيل السياسي البريطاني في أبوظبي (بين عامي 1965 و1966) إن “الشيخ زايد كان جاهزا تماما ليؤدي دوره كحاكم عربي مسقل”. وقال عنه الرحالة البريطاني “ويلفريد ثيسجر” إنه “هادئ بسيط في مظهره، وهو بدوي ذو فراسة”. هذا ما قاله عنه الذين عرفوه قبل أن يتولى مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي، أما الذين عرفوه، طيب الله ثراه، بعد أن تولى مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي، وأسس دولة الاتحاد التي أحدثت هذه النقلة الكبرى، ليس في تاريخ هذه الأرض فقط، وإنما في تاريخ المنطقة كلها، فقد قالوا عنه كلاما كثيرا، يعجز المرء عن حصره، فقد قال عنه الرئيس الفرنسي الأسبق “جاك شيراك” إنه “كان زعيما تاريخيا للمنطقة”. وقال الرئيس الأميركي الأسبق “جيمي كارتر” إن المرء “لا يملك إلا أن يبدي إعجابه بزعامة الشيخ زايد وحنكته السياسية”.  وقال عنه المناضل الإفريقي الكبير “نيلسون مانديلا” إنه “قائد استثنائي، ورجل حوار، وداعية سلام”. وقال عنه الرئيس الأميركي الأسبق “بيل كلينتون” إن “أي شئ يكتب عن هذا الرجل، الشيخ زايد، لن يفيه حقه. إنه رجل مؤثر جدا”.

 

هل ترانا أوفينا الرجلين الكبيرين حقهما؟ لا نعتقد ذلك، ولا نعتقد أن أحدا قد أوفاهما حقهما، وسيظل التاريخ يتحدث عنهما، لأن القادة والزعماء العظام يظلون منهلا للباحثين والدارسين والمؤرخين، يجمعون عنهما قدر يستطيعون، لتتعلم الأجيال، وتعرف أن الزعامة لا تأتي من فراغ، وإنما هي سلسلة متصلة بين الأبناء والآباء والأجداد، وقد شابه زايد الثاني جدّ زايد الأول، لذلك فإننا لا نجاوز الحقيقة حين نقول إن من شابه جدّه فما ظلم.