من هنا بدأت الكويت

الخليج العربي الكتاب مجلة مدارات ونقوش - العدد 3

 368 عدد المشاهدات


من أين بدأت الكويت؟ كيف ومتى تأسَّست؟ ما هو أول صرح معماري بني فيها؟ من هو أول أمير حكمها؟ كيف رسمت خارطتها السياسية؟ متى صُنِعَ أوَّلُ علم خاص بها كدولة مستقلة؟ أسئلة كثيرة تتبادر إلى ذهن كل من له حب الاضطلاع على التاريخ  بمجرد قراءته لعنوان ″من هنا – بدأت الكويت″. والإجابات مفصَّلة وواضحة في هذا الكتاب النفيس الذي يحمل في طياته الكثير من المعلومات النادرة حول تاريخ هذا البلد العريق وحول حضارته ومسيرته الفكرية والثقافية. هذا الكتاب الذي اخترناه لكم في هذا العدد من مجلة ″مدارات ونقوش″ للكاتب عبد الله خالد الحاتم، في طبعته الثانية، والصادر عن مطبعة دار القبس في الكويت، سنة 1980.

افتتح المؤلف كتابه بمقدمة ثرية أوضح فيها بعض اللبس الذي يقع فيه بعض الكتَّاب والصحفيين في اعتبار أنَّ تاريخ الكويت ارتبط بأول بئر نفط على أراضيها، وما كان قبل ذلك كان بعيداً عن المعرفة وعن الحياة المدنية، وكان السكان أقرب إلى البدو منهم إلى الحضر. وهو أمر لا يمكن قبوله ولا التغاضي عنه بالنسبة إلى الباحث، وكان أحد الدوافع التي جعلته يصدر الكتاب ويحرص على تضمينه ما استطاع جمعه من وثائق حول أوليات الأشياء في الكويت، وبدايات الأحداث المتميزة في مسيرة هذا البلد العريق، القابع بين رمال الصحراء ومياه الخليج.
معلومات مهمَّة من شأنها أن تظهر لكل باحث كيف أنَّ هذا البلد الذي كان يعيش إلى ما قبل الثلاثينيات من القرن الماضي في عزلة شبه تامة عن بقية بلدان المعمورة، كان يحفل-رغم ضآلة مساحته وقلة سكانه- بالعلماء وطلبة العلم والأدباء والشعراء والخطاطين والموسيقيين وعمالقة البحر.
أما في مجال التجارة، فقد كان لها دور كبير في إنعاش أسواق آسيا وإفريقيا، مما جعل الإنجليز ينظرون إلى أهل الكويت على أنهم مصدر خطر وقلق على اقتصاد المنطقة، وفرضوا عليهم حصاراً اقتصادياً إبان الحرب العالمية الأولى، مع التهديد بتدمير الكويت بالقنابل إن لم يتقيدوا به.
الأمثلة كثيرة على أن المؤلف يتحدث عن بلد تاريخه كبير، ارتاده كبار رجال الفكر والسياسة والعلم إبان فترة الحكم العثماني آنذاك، وما تاريخ الشعوب ببعيد ولا مندثر مادام يترك الأثر الخالد. فقد ذكر أنَّ الكثير من المؤرخين اختلفوا في الفترة التي تأسَّس فيها الكويت، لكنهم أجمعوا على قدمها، فمنهم من قال إنَّ خمسمائة عام مضت على تأسيس الكويت، وهو قول مدحت باشا والي بغداد، ومنهم من قال إنها تأسَّست عام 1613 ميلادي، وهو قول الشيخ مبارك الصباح في رسالته لوالي البصرة، الفريق محسن باشا عام 1899 ميلادي. ومنهم من قال إن كلمة (طغى الماء) سنة 1672 هو تاريخ تأسيسها، وقد ورد كذلك عن المحقق الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة بأن الكويت تأسَّست عام 1713. وكانت الرواية الأخيرة هي التاريخ التقريبي لتأسيس الكويت التي يفوق عمرها اليوم ثلاثمائة وخمس سنوات.
وكان أول بناء أقيم في الكويت هو الحصن الذي بدأ تشييده عقيل بن عريعر، الذي استولى على إمارة الإحساء سنة 1650، وأتم بناءه أخوه براك بن عريعر أمير الإحساء سنة 1668. ويقع هذا الحصن على أكثر الاحتمالات وأقربها للعقل والمنطق بمواجهة الفرضة (دائرة الجمارك القديمة) فوق التل المستطيل المقابل للساحل، ولم يصل إلى علمنا أن بناءً ما قد شُيِّدَ قبله. ووظيفة هذا الحصن أن يكون مستودعاً للأطعمة وملاذاً لجيوشهم عند الحاجة. ويروى أنَّ عائلة المصيبيح والبورسلي- وهما من عوائل الكويت- هما اللتان كانتا تقومان على حراسة هذا الحصن طوال أيام السنة من قبل آل عريعر. وبعدها انطلق العمران حول هذا الحصن فبني حوله أول مسجد وأول بيت وأول سوق، وبدأت رحلة التعمير والتشييد حتى اكتملت أساسيات المدينة بمواصفاتها الحضارية البسيطة.

بدأت الكويت كغيرها من المدن والقرى بأفراد وجماعات قليلة قدموا إليها مكرهين لا مختارين من شتى أنحاء الجزيرة العربية، نتيجة لظروف سيئة أحاطت بهم واستحكمت عقدها بينهم وبين بني عشيرتهم. وكان عليهم أن غادروهم إلى حيث تتوافر  لهم حياة العزة والكرامة والاستقرار، فكانت الكويت نهاية المطاف ومحط الرحال. وكانوا مع تباين نزعاتهم الطائفية ونعراتهم القبلية متفقين على قبول كل ما تمليه عليهم حياتهم المتحضرة الجديدة، فازداد التفاعل الاجتماعي والاقتصادي بينهم، وأحسُّوا بتقارب وتآلف لا عهد لهم به، فلا بدَّ إذاً وهم في هذا الوضع الجديد، من أن تسود بينهم الطمأنينة في ظل حكومة تحفظ لهم الكرامة، وتصون لهم الحقوق، وتمنع ما يقع بينهم من تعديات وما يقع عليهم من عدوان، فاختاروا من بينهم من هو أعظم حمية وأقوى شكيمة وأرعى للحقوق والجوار، فلم يكن سوى الأمير صباح بن جابر العتبي، أول أمير لهذا البلد، فأقسموا له اليمين على الطاعة والولاء وبادلهم القسم على أن يكون في حسن الظن بهم.
ولا يمكن أن تحدد معالم الدول إلا بتحديد خريطة جغرافية لها، وقد رسمت أول خريطة للكويت في مؤتمر لندن عام 1913 من أجل تصفية الخلافات السائدة في ذلك الوقت بين الدولة العثمانية والحكومة البريطانية بشأن إمارات الخليج العربي. أوضحت في هذه الخريطة حدود الكويت الممتدة من خور الزبير شمالاً، حتى رأس القليعة جنوباً، على شكل نصف دائرة، ورسمت الحدود بمداد أحمر، وتعدُّ هذه الخريطة من الوثائق الرسمية التي تحتفظ بها وزارة الخارجية البريطانية في ملفاتها.
كذلك، من أهم رموز الدولة بمفهومها الحديث ″العَلَم″، ولم يكن للكويت آنذاك عَلَم، بل كان يرفرف على سمائها العَلَم العثماني الذي كان يعمُّ جميع المناطق التي كانت خاضعة للإدارة التركية في السلم والحرب وتابعاً لها، أو ما هو خاضع خضوعاً دينيًّا فقط، كالكويت مثلا والبحرين وقطر ودبي وغيرها.
ولعَلَم الكويت قصة، ففي أوائل الحرب العالمية الأولى، وبينما إحدى سفن الكويت العائدة للحاج حمد عبد الله الصقر تجتاز (الفاو)؛ إذ اعترض سبيلها سفينة إنجليزية كانت مرابطة هناك، وصوبت إليها مدافعها وأطلقت عليها بعض القذائف التي مرت من فوقها، منذرة إياها بالتوقُّف فوراً. ولما تأكَّد قائد السفينة من هويتها وأنها عائدة لأحد رعايا الشيخ مبارك الصباح، وهو حليف لهم، سمح لها بمتابعة سيرها بعد أن طلب من ربانها إنزال العلم التركي، وألا يرفعه مرة ثانية خشية أن تتعرَّض لخطر الإغراق من قِبَل الأسطول البريطاني الذي كان يتجول كثيراً في هذه المناطق.وبعد هذه الحادثة، وبعد محادثات دارت بين الشيخ مبارك والسير برسي كوكس، تقرر إبدال العلم التركي بعلم خاص بالكويت ذي لون أحمر وفي وسطه كلمة (كويت)، وقيل إن الذي اقترح وضع اسم الكويت هو السيد عمر الأزميري، وفي زمن الشيخ أحمد الجابر الصباح زِيدَ العَلَمُ بهذه الجملة (لا إله إلا الله محمد رسول الله).

وفي يوم 7 سبتمبر سنة 1961 أصدر أمير دولة الكويت قانوناً يقضي بأن يكون للكويت عَلَمٌ يتجاوب مع ما حصلت عليه البلاد من استقلال وتقدُّم، ويكون ذا مغزى عربي عميق يمتد إلى عصور العرب الزاهرة، فكان بيت الشاعر العربي صفي الدين الحلي خير صفة لهذا العلم:بيض صنائعنا، سود وقائعنا     خضر مرابعنا، حمر مواضينا
وفي يوم الجمعة 24 نوفمبر سنة 1961 رُفِعَ العَلَمُ الكويتي الجديد على جميع الدوائر والمؤسَّسات الحكومية في احتفال كبير أقيم لهذه المناسبة.
ذكرنا لكم بإيجاز بعض النقاط الأساسية التي وردت في هذا الكتاب عن تاريخ الكويت وماضيها العريق، فيما بقي الكثير من المعلومات المهمَّة التي لم تسعنا صفحات مجلتنا هذه لذكرها مفصلة؛ إذ ورد في الكتاب معلومات عن تعداد السكان وعن أول إحصاء تقديري للسكان أجري في الكويت  سنة 1957 أفاد بوجود مئتين وستة آلاف نسمة، ومعلومات عن أول ممثل سياسي للحكومة السعودية في الكويت وهو الحاج عبد العزيز النفيسي عام 1901، وأول قنصل لبريطانيا وهو المستر نوكس الذي تولى مهام منصبه عام 1904، وأول إشارة للكويت في عصبة الأمم، وأول معاهدة حماية في عهد مبارك الصباح، وأول تمرد على العثمانيين، وأول مجلس شوري، ومعلومات أخرى لا تقل أهمية عمَّا سبق ذكره، وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدلُّ عن أنه كان للكويت تاريخ بعيد، لم يخلُ من معالم الحضارة والحياة المدنية التي نمَت وتطوَّرت وازدهرت بفعل إرادة وعزم رجالها.