مهرجانات التمور.. تراث وغذاء

block-2 مجلة مدارات ونقوش - العدد 1

 1,306 عدد المشاهدات

 

إعداد: خليل برّي

يوجد في دولة الإمارات العربية المتحدة أكثر من 120 صنفاً من التمور، وحوالي 42 مليون نخلة، منها ما هو محلِّيٌّ موجودٌ أساساً، ومنها ما أدخل إلى الباد من البلدان المجاورة، مثل دول الخليج العربي والعراق وإيران، إلى جانب عدد قليل جداً من الأصناف تمَّ استيراده من دول شمال إفريقيا لغرسه على سبيل التجربة.

 

وتحتل الإمارات المركز الأول عالمياً في مجال تصدير التمور، حيث صدّرت 266 ألف طن من التمور في العام 2009 ، وبلغت مساهمتها حوالي 33 % من إجمالي الصادرات العالمية للتمور، إضافة إلى أنها تسهم بحوالي 11 % من الإنتاج العالمي.

تطوَّرت زراعة النخيل بصورة واضحة في العقود الأربعة الماضية نتيجة للسياسة الحكيمة التي رسمها المغفور له – بإذن الله – الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيَّب الله ثراه، وواصل السير على نهجها القيادة الرشيدة لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة «حفظه الله »، تلك القيادة التي جعلت الإمارات من الدول الرائدة في مجال زراعة النخيل وإنتاج التمور.

وزادت مساحة الأراضي المزروعة بأشجار النخيل من 60 هكتاراً فقط في سبعينيات القرن الماضي إلى أكثر من 185 ألف هكتار في الوقت الحالي.

وقد ازداد إنتاج الدولة من التمور من حوالي 8000 طن متري إلى أكثر من 750 ألف طن.

وتوفِّر الحكومة لمزارعي النخيل العديد من الخدمات التي تتمثَّل في مدخات الإنتاج، وتقديم الإرشاد الفني ومكافحة الآفات، وتطوير طرق ووسائل تسويق المنتجات محلياً وخارجياً، وتوفير مراكز للمساعدة في تسويق التمور مثل مركز الذيد لاستلام التمور.

 

عناية وأصناف
ولم تكن زراعة النخيل والعناية به في دولة الإمارات العربية المتحدة حديثة العهد، أو أنها تعود إلى أوائل القرن العشرين مثاً، بل هي أقدم من ذلك بكثير، وهي لا تنفصل في سياق وجودها التاريخي عن تاريخ وجود النخل ونشأته في الجزيرة العربية أو أماكن انتشاره الأخرى، خاصة أن دولة الإمارات محاطة بمناطق مذكورة في التاريخ بأنها عامرة بالنخيل كعمان والبحرين ومعظم أجزاء الجزيرة العربية وباد فارس، وهي تقع على أكبر شريط للتمر معروف في العالم القديم.

 

أما عن الأصناف الموجودة في هذه المنطقة منذ القدم، فهناك «الفرض »؛ وهو صنف قديم اشتهرت به منطقة عُمان منذ القدم، قال أبو حاتم السجستاني في كتاب النخل «الفرض تمرة تكون بِعُمان »، ولا شكَّ أنَّ الفرض في عُمان أكثر منه في الإمارات، كالفرض السمائلي والسلوتي، ومن ذلك صنف «الأزاد ؛» وهو صنف معروف ذكره بديع الزمان الهمذاني في مقامته «البغدادية » المعروفة بقوله: «اشتهيت الأزاد، وأنا ببغداد »، ولا شكَّ أنَّ هذا الصنف ربما كان قديماً هنا قبل بغداد التي أنشأها الخليفة أبو جعفر المنصور، وربما انتقل من هذه المنطقة إلى العراق بواسطة سكان هذه المنطقة الذين استقروا هناك، علماً بأنَّ مدينة الموصل كانت قد شهدت استقراراً كبيراً لأزد عُمان في العصور الإسامية الأولى، والصنف الثالث أيضاً هو «السّوادي ؛» وهو صنف شبه منقرض حالياً في دبا ورأس الخيمة، ولعله هو الصنف العراقي القديم المعرف بالسّوادي، أمَّا «البرني »؛ فهو صنف عُماني قديم لكنه كان في المنطقة المعروفة حالياً بسلطنة عُمان، ولم يكن معروفاً قديماً في دولة الإمارات، وقد انتقل إليها حديثاً، والصنف الرابع هو «المخلدي ؛» وكان معروفاً في البصرة ومنسوباً إلى نهر مخلد، وهو موجود بقلة في دبا.

 

وهناك أصناف أخرى انتقلت إلى دولة الإمارات في العصور الحديثة أو ما قبلها، عن طريق المسافرين في البحر أو البر من الدول المجاورة، فهناك أصناف أتت من العراق، من ذلك صنف «الزهدي » العراقي المعروف، والذي يوجد في خورفكان فقط، وصنف يسمى «بصري» يوجد في دبا ورأس الخيمة، وأصله عراقي با شك، وهناك أصناف أتت من إيران مثل «هرموزي »، و «مرداسنج ،» و «موسايي»، و «شكر »، و «صربيبي ،» و «زرّك » وغيرها.

 

ولعلَّ من اللافت للنظر وجود أصناف في دولة الإمارات وعمان، ومثيات لها من ذات الأصناف في إيران، وهو جدير بالدراسة والبحث عن أصل الصنف، منها أصناف «زامردي ،» و «كبكاب » و «سعمران »، وهناك أصناف أتت من سلطنة عمان، أو أنها كانت موجودة من قبل مثل «سودنيي » في مصفوت وما قاربها.

وفي العقود الأربعة الأخيرة استقدم المختصون بالنخيل أصنافاً جيِّدة من العراق والسعودية وشمال إفريقيا من مصر والمغرب، ومن أماكن أخرى كالولايات المتحدة، مثل البرحي وأبوفقوس وكثير غيرها.

 

 

انقراض الأصناف القديمة

توسَّعت دولة الإمارات في زراعة النخيل توسُّعاً كبيراً، بلغ نحو أربعين مليون نخلة في إحصائيات عام 2000 م، معظمها من الأصناف الحديثة الخارجية مع الجيِّد من الأصناف القديمة، إلا أنه رغم ذلك، فقد انقرض الكثير من الأصناف القديمة أو قارب بعضها على الانقراض أو الاختفاء لأسباب عدة، منها:

 

– الانقراض الطبيعي لبعض الأصناف بسبب عدم اهتمام بعض المزارعين بها؛ لأنهم لم يحتفظوا بفسائل لها ولم يهتموا باسترجاع فسائل لها من نخلاتها التي زرعوها سابقاً، وكذلك ربما لم يهتموا بها لرداءتها، أو لأن إنباتها يكلفهم كمية كبيرة من اللقاح «النبات » فكان أن انقرضت أصناف مثل «قش زبوت » الذي كان معروفاً في دبا في الخمسينيات والستينيات، وأصناف مثل «قش زرافي » في رأس الخيمة، وكذلك «قش الليف »، و «قش البنعور » وغيرها من الأصناف التي تمَّ توثيقها في عشرينيات القرن العشرين، ومنها صنف يدعى «هبيل » كان معروفاً في مصفوت وما جاورها، وكانت ثمرته صغيرة لا فائدة منها، وجذعه طوياً ينمو أسرع من بقية الأصناف، فتركه الناس دون تلقيح، ولم يهتموا بفسائله بسبب عدم جدوى ذلك فانقرض. ومن ذلك «قش المحسّب » في ضدنا الذي قد لا يعرفه الكثيرون من كبار السن فيها، وقد انقرض منذ فترة طويلة، بل كان نادراً في الأوقات التي كان موجوداً فيها.

 

– وفاة كثير من المزارعين الذين كانت تمثِّل الزراعة لديهم حرفة رئيسة قبل اتحاد دولة الإمارات، وبقوا على ذلك في العقود الماضية من عمر الدولة، لكن بوفاتهم لم يهتم أبناؤهم باستنباط الأصناف القديمة والمحافظة عليها، حتى وإن كان هناك فسائل لها قاموا بتوزيعها أو بيعها بثمن بخس أو رميها أو حرقها.. كذلك ما زالت توجد أصناف قديمة لكن العارفين بها من أصحاب النخيل قد انتقلوا إلى رحمة الله، ولم يهتم بها أحد من أبنائهم وقد صادفت العديد من البساتين ذات الأنواع القديمة، لكن الأبناء أو الورثة لم يهتموا بمعرفة الأصناف حين كان آباؤهم أحياء، كذلك هناك بعض البساتين قد آلت بطريق الشراء أو الإرث فلم تعرف بعض أنواعها.

 

– الجفاف الذي أصاب المزارع في السنوات العشر الأخيرة، فأثَّر قلة الماء وندرته في كثير من المواقع التي كانت مشهورة بالنخيل، ولعلَّ أكثرها تضرراً منطقة شمل في رأس الخيمة، وكانت تضم مجموعة كبيرة متنوعة من الأصناف، وقد انقرضت أصناف كثيرة هناك مثل «قش الموت » و «أبو نعام » وغيرها.. كما أنَّ الجفاف أثَّر أيضاً في مزارع الساحل الشرقي، خاصة التي تكون شريطاً ساحلياً في ضدنا والفجيرة وكلباء، وإنَّ نظرة واحدة لهذه المزارع والبساتين الجافة التي كانت غنَّاء ذات يوم، تنبئ عن عظم هذه المأساة التي اختفت فيها أنواع كثيرة، لم يبقَ منها إلا القليل.

 

– التوسُّع العمراني الذي استلزم إزالة كثير من مزارع النخيل القديمة، وهذا كان واضحاً في مدينة دبي التي أزيلت فيها مزارع النخيل القديمة في منطقة أبو هيل، وكذلك في الشارقة التي كانت بها مزارع نخيل كثيرة في بداية القرن العشرين، جفَّ بعضها وأزيل البعض الآخر على فترات بعيدة، ومثل ذلك حديثاً في مدينة دبا الحصن، حيث تسبَّب التوسُّع العمراني في اختفاء كثير من مزارع النخيل، ومعها اختفت أصناف كثيرة. ومن الأصناف التي على وشك الانقراض فيها صنف «قش أتما » وهو شبيه بالحاتمي شبهاً كبيراً، ومثله صنف «الخشكار » قصير الثمرة.

 

– اتجاه الأجيال الجديدة من أصحاب المزارع الحديثة، خاصة الشباب منهم، إلى زراعة الأصناف الحديثة المرغوبة في التسويق الزراعي وذات المردود المالي الجيد، وبالتالي أثَّر هذا في بعض أصحاب المزارع القديمة؛ فأزالوا نخيلهم القديم بما فيه من أصناف نادرة، وزرعوا الأصناف الحديثة المرغوبة.

 

أمَّا في دولة الإمارات، ففي رأي أحد الخبراء أنه تنتشر فيها «أصناف تربو على مائة وعشرين صنفاً محليّاً، هذه الأصناف نشأت محليّاً بشكلٍ أساسيٍّ، أو أُدْخِلَت من المناطق المجاورة مثل دول الخليج والعراق وإيران، إلى جانب عدد قليل جداً من الأصناف تمَّ استيراده من شمال إفريقيا لغرسه على سبيل التجربة، بل ربما تزيد هذه الأصناف على مائة وثلاثين صنفاً .»

وتأكيداً لقيمة النخلة، وأهميتها في حياة أهل الإمارات، تقيم الدولة سنوياً معارض عدة للتمور، منها معرض أبوظبي للتمور، مهرجان ليوا للرطب، وجائزة خليفة الدولية لنخيل التمر، ناهيك عن إنشاء المراكز المتخصصة في مجال حماية التمور والإكثار منها، وفي مقدمتها مراكز زراعة الأنسجة كل ذلك يشير إلى مدى اهتمام دولة الإمارات بالتمور بأنواعها، كونها تشكِّل قيمة غذائية عالية، وتراثاً زراعياً عظيماً تناقله الآباء والأجداد منذ القدم. ويقام معرض أبوظبي للتمور، الذي يُعدُّ الأول من نوعه على مستوى العالم، نظراً لتخصصه في مجال تجارة التمور، بالتزامن مع معرض أبوظبي للمواد الغذائية، ما يؤكِّد ارتباط الحدثين ببعضهما.

أما مهرجان ليوا، فيهدف في الدرجة الأولى إلى تبادل الخبرات الفنية بين المزارعين لزراعة أفضل وأجود أنواع الرطب.

 

وواحة ليوا الواقعة على أطراف صحراء الربع الخالي، هي واحدة من أهم مناطق زراعة النخيل في العالم، وإقامة المهرجان فيها يهدف إلى الارتقاء بأصناف تمور الإمارات وتعزيز تنافسيتها محلياً ودولياً.

 

يشمل المهرجان فعاليات بارزة من مسابقات ومزادات للرطب تهدف إلى التوعية بأهمية النخلة، كما تقام دورات خاصة لتعليم الأطفال كيفية رعاية النخلة، وأمسيات شعرية وألعاب شعبية وغيرها.

وإذا علمنا أن هذه الفعاليات، تقام سنوياً برعاية كريمة من القيادة الرشيدة، لأدركنا قيمتها ومدى الاهتمام بها على أعلى المستويات.