وثائق غريبة عن عصر الشيخ جاسم آل ثاني مؤسِّس قطر (4)

المستجدات ٢ يوميات

الكاتب: جمال بن حويرب

تستمر الوثائق في رواية بشاعة الأعمال الإجرامية التي قام بها التاجر الذي أصبح شيخاً بقوة الأتراك الذين انقلب عليهم بعد ذلك، وكان لا يبالي بقتل الأطفال وكبار السن والنساء مخالفاً في ذلك كلَّ الأعراف العربية التي تحمي الضعفاء من ويلات الحروب، ولكنه استحلَّ دماءهم بكلِّ قساوة حتى الأجانب غير المسلمين أحسُّوا بهذا الإجرام غير المبرّر، يقول مؤلف كتاب معجم الخليج لوريمر عن هذه الجرائم البشعة: “في يناير وفبراير سنه 1889 قام بهجومه (جاسم) الذي قطع فيه ثمار النخيل وقتل الرجال والنساء والأطفال دونما رحمة (في ليوا)”.

وقد ذُهِلَ الناس في الخليج العربي من بشاعة هذه الجرائم التي كان يتلذَّذ بها جاسم، ولكن جميع جرائمه بسبب نذالته وحقارة تفكيره وعدم خوفه من الله؛ لأنه لو كان عزيزاً لذهب برجاله وقاتل جيش الشيخ زايد، ولكنه كعَّ وجَبُنَ عن ملاقاة زايد الكبير واستغلَّ تطرف ليوا وبُعدها وذهاب الرجال عنها لأعمالهم، فأعمل فيهم أسلحته وهم بلا حول ولا قوة. وعن هذا يقول الشيخ القاضي علي بن سالم بوملحا المرر، رحمه الله، في قصيدة عصماء يحثُّ فيها الشيخ زايد الأول لأخذ الثأر من هذا المجرم قاتل النساء والأطفال جاسم:

يالله عسى برقٍ سرى يا ابن عَبْدان

     يعْلهْ على دارٍ عزِيزه باهلْها

مِقَرّ شِيبانٍ وخيلٍ وشبّان

     ويا حيف دارٍ عوّضونا بدَلْها

لوّل ذرى وحْيابها بن نهَيّان

     واليوم جاها بالصميم وفْشَلْها

جاها ويلا هي خلوةٍ ما بها انْسان

     إلّا نِبابيتٍ تقَطّع فحَلْها

لو هو لقي ما لقي شامِسْ وهَمْدان

     ما قارَب الظَّفْره ولا جا سَهَلْها

هذا الذي حصل، جاء المجرم إلى هذه المنطقة وليس فيها من محارب غير قلة من مزارعي النخيل (نبابيت)، ولو كان الرجال موجودين لما استطاع الاقتراب من منطقة الظفرة، ومع ذلك فهؤلاء الضعفاء قتلوا من جيشه بسبب دقة تصويبهم قبل أن يقتلهم ويحرق الحصن عليهم مع النساء والأطفال رحمهم الله.

محاولات الشيخ زايد الأول حقن الدماء

وفقاً للوثائق البريطانية؛ في 18 يناير 1889م، ومع وصول الأخبار بالهجوم على أبوظبي، صاحبها “نزوح بدوان المناصير وغيرهم المتعلقين بحاكم أبوظبي ودبي، وانتقلوا من داخل البر إلى ساحل البحر… وبقية بدوان البرية انتقلوا من أطراف الغرب نحو الشرق”.

على أثر هذه التطورات، في شهر جمادى الأولى 1306هـ/ يناير 1889م، أرسل الشيخ زايد الكبير رسالة إلى عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن محمد، الوكيل السياسي، يقول فيها: “لا يخفاك بهذه الأيام قاسم بن ثاني …. وقد أرسل بعساكر على طريق البحر ينزلون السلع حتى يلتقي بهم هناك ويتوجه بهم إلى طوارفنا. فهذا حال نراه بخلاف القانون والقواعد، بحيث هذه الأماكن في حوزنا وحرمنا وفي المحسوبية مع جناب الدولة البهية القيصرية على الله ثم علينا…. جمادى أول 1306”.

وعلى المسار السلمي ذاته، دفع الشيخ زايد برسالة أخرى إلى المقيم السياسي قال فيها: “لا يخفى على جنابك الشريف بهذه لأننا بلغنا أنَّ جاسم بن ثاني يريد طوارفنا وقد جهز خمسة محامل على طريق البحر وفيهن آلات الحرب من عساكر وسلحات (أسلحة) وزاناة من بارود ورصاص وما علمنا بهذه الجرأة والتجاسر في هذا الإنسان في أمينة البحر، وهذا حال يلزمنا لجناب حضرة الدولة البهية القيصرية والذي يقتضي نظركم  …. 20 جماد أول 1306”.

رسالة من الشيخ زايد الأول للوكيل السياسي 21 يناير 1889م يصف فيها جاسم بالجرأة والتجاسر

كلُّ هذه المراسلات يتضح فيها سعي الشيخ زايد الكبير إلى السلام، وأنه لا يريد الحرب وسفك الدماء، ولكن المغامر المجرم كان لا يتوقّف عن مهاجمة أطراف إمارة أبوظبي وقتل أهلها، ولهذا أرسل نجله الشيخ خليفة الثاني لتخريب الدوحة فخرَّبها؛ لتأديب جاسم المجرم وهو ما يسمّى (خراب الدوحة الثالث) ولم يُرِد الشيخ خليفة قتل علي بن جاسم الملقّب بجوعان، ولكن بسبب قيادته الحامية المدافعة عن الدوحة قتل في أثناء المعركة.. وفي نفس الوقت لم تقم قوات زايد بحرق البيوت وقتل النساء والأطفال، ولكن كانت تقاتل المحاربين، لا كما فعل قاتل الأطفال جاسم عندما هاجم ليوا مرة أخرى انتقاماً لمقتل نجله (جوعان).

‎بعد أن وصلت الأخبار للشيخ زايد بن خليفة بدأ بالاستعداد للهجوم ‎على الدوحة وتأديب شيخها، وفي تلك الأثناء كلّف محمد عاكف باشا، المتصرف العثماني في الأحساء (1889-1890م)، تابعه على ولاية البصرة بإرسال رسالة إلى الشيخ زايد يطلب منه باسم الدين الإسلامي الحنيف أن يوقف العمليات الحربية، وأن يوافق على المصالحة، جاء فيها: “من والي ولاية البصرة إلى شيخ عمان زايد بن خليفة. أولًا السؤال عن شريف خاطرك، ثانيًا قد ألفت مسامعنا أحوالكم ومزاياكم…. وقد تحقق لنا ما هو جاري بينكم وبين جاسم ال ثاني قايم بمقام قطر من الأحوال التي تشجب الأسف، فأسفنا غاية الأسف. أنكم تصيرون واسطة ائتلاف نفوس المسلمين وتجعلون أنفسكم عرضة القتل وهدر دماء الموحدين …… فالذي ينبغي منكم تتركون هذه المشاجرة والمنافسة والعدوان ..  ٢٨ صفر ١٣٠٧ الموافق ١٨٩٠م”.

24 صفر 1307هـ/ 19 أكتوبر 1889م رسالة والي البصرة للشيخ زايد يعرض عليه إمساك نفسه عن تأديب جاسم ومهاجمة قطر وحقن دماء المسلمين

‎فردَّ الشيخ زايد برسالة تنمُّ عن حصافة العقل والحنكة السياسية والدين، وكان مطلبه واضحاً، وهو أن يكفَّ جاسم عن الحركات العدوانية ليتحقَّق السلام، وأنه سيبقى مدافعاً عن أرضه وسيتصدَّى لكلِّ من يحاول الاعتداء عليها. ولم يكن هذا حباً في الإمارات العربية بقدر ما كان تهيئة الأجواء لسياسةٍ تركيَّةٍ كان هدفها ضم الرياض وعمان والإمارات العربية على الساحل إلى سلطة الدولة العثمانية وتحويلها إلى متصرفيتين منفصلتين.

لكن هذا لم يحصل للأتراك، ولم يكف جاسم عن اعتدائه على أطراف أبوظبي حتى عام ١٨٩١م، ومن تتبع أعماله العدوانية يعلم يقيناً أنه كان يتبع أوامر الأتراك؛ فكانت حروبه نيابة عنهم لأنهم لم يكونوا يريدون إغضاب الإنجليز، وقد أرادوا وضع مدير لهم في العديد عام ١٨٩١م، وقد وصل إلى البحرين لكن هذه الفكرة لم تنجح.

هذا غيض من فيض من جرائم جاسم بن محمد آل ثاني في حقِّ الضعفاء والنساء خلال مدة حكمه، عامله الله بما يستحق، وستكون لنا مقالات أخرى عنه سننشرها تباعاً إن شاء الله.

تقرأون غداً

* من يملك الخط العربي.. العرب أم الأتراك؟!