وثائق غريبة عن عصر الشيخ جاسم آل ثاني مؤسِّس قطر (2)

يوميات

الكاتب: جمال بن حويرب

لعلَّ سائلاً يسأل: أليس للشيخ جاسم بن محمد بن ثاني من مآثر يمكننا أن نمدحه بها، وما من إنسان حاكم إلا وله ما له وعليه ما عليه؟ والجواب: الله عز وجل يقول: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُواْ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} ولا بدَّ أن تكونَ له مآثر لمن يعرفهم وتعوَّدوا إحسانه. وكذلك خرج من ذريته من أهل الكرم والعلم من أمثال الشيخ علي بن عبدالله بن جاسم ونجله الشيخ أحمد بن علي، وهما من الحكام الكرام الفضلاء رحمهم الله.

لكن على الصعيد العام فإننا لم نجد لجاسم مآثرَ تُذكَر، بل اعتداءات وتقلبات مزاجية عنيفة ظهرت جلية في الوثائق الإنجليزية والعثمانية، وأيضاً في المغامرات التي قام بها طيلة حياته من لعب مع الكبار وهو صغير جداً جداً، ولكنه كان يملك المال بسبب كثرة سفنه للغوص على اللؤلؤ؛ فهو انتزع المشيخة ولم يكن شيخاً بل تاجراً من قبيلة العتوب وليس من تميم كما جاء في مصادر عدة ثابتة، وإنما ادّعى أنه من تميم لينابذ الشيوخ الكرام من آل خليفة العتوب أسياد قطر من قبله وقبل أهله، لكن شاء الله أن تأتي بريطانيا وتتخذه وأباه محمد جباة لآل خليفة، ثمَّ تمت اتفاقية ١٨٦٨ التي فتحت لهم الطريق لحكم قطر، ثمَّ في عام ١٨٧١ جلب الحامية العثمانية وقلب ظهر المجن للعثمانيين وانتزع حكم قطر رويداً رويداً حتى دانت له المنطقة بقوة الأتراك، ثمَّ بقوة الإنجليز من قبلُ ومن بعدُ، ولديه قوة إقناع بكثرة ماله غير عادية.

وقد زادت اعتداءات الشيخ جاسم بن ثاني مؤسِّس مشيخة قطر على جيرانه والقبائل العربية، وكذلك التجار الهنود كما سيأتي.

الاعتداء على التجار الهنود

استغل الشيخ جاسم فرصة تعيينه من قِبَل الدولة العثمانية بمنصب قائمقام، وقام بالاعتداء على التجار الهنود من رعايا بريطانيا الذين لديهم أعمال تجارية في البدع (الدوحة)، واستولى على تجارتهم وما يحملونه من لؤلؤ سعياً منه لاحتكار تجارة اللؤلؤ وحصر الاستفادة عليه دون غيره، ومن جهة أخرى لدفع العثمانيين لممارسة سيادتهم عليهم بحجة سعيه للحد من النفوذ البريطاني هناك.

وقد ورد في الأرشيف البريطاني ذكراً لهذا الاعتداء غير المبرر، حيث ذكر المقيم البريطاني إدوارد تشارلس روس في رسالته لحكومة الهند في عام 1881 أنَّ الشيخ جاسم اعتدى على التجار الهندوسيين، “متأثر بشعور آخر غير الجشع”.

وفي ضوء المعاملة السيئة للتجار البريطانيين الهنود المقيمين في البدع (الدوحة)، جرت مراسلات لتحديد الرد البريطاني حول هذه المسألة شملت وزارة الخارجية، وحكومة الهند، ومكتب الهند، وكانت المطالبات بالتعويض هي الرد البريطاني على اعتداءات الشيخ جاسم، وتمَّ تغريم القطريين بخمسين ألف روبية، خُفِّفَت لاحقاً إلى 6400 روبية، واضطر جاسم لدفعها دون تردد.

اعتداء جاسم على طائفة العجمان

في عام 1881 علمت المقيمية البريطانية في الخليج بنوايا الشيخ جاسم الاعتداء على قبيلة العجمان في القطيف، فأرسلوا إليه رسالة يطلبون منه أن يمسك نفسه عن هذا الأمر، غير أنه في شهر يوليو قام بالاعتداء عليهم.

وثيقة تظهر نوايا الشيخ جاسم بن محمد مهاجمة قبائل العجمان

تناقضات تصرفاته مع حاكم أبوظبي

في شهر ذي الحجة 1297هـ 1880م، أرسل الشيخ جاسم رسالة إلى الشيخ خليفة بن زايد بن خليفة، تعبر عن إجلاله للشيخ زايد وخوفه من بأسه، حيث يقول: “فيما يخص بطي، طلب الشيخ خليفة منا تفكيكه وفككناه في جميع الوجه والتبعات، وذكر لنا الشيخ خليفة أنَّ الذي يستوي عندنا مضمونه ونحن رجانا في الله ثمَّ فيكم أكبر”.

رسالة من الشيخ جاسم يستعطف فيه الشيخ زايد وأولاده

ثمَّ في شهر محرم 1299هـ (ديسمبر 1881م) حدث اعتداء الشيخ جاسم على حدود أبوظبي، ونهبوا منها الكثير، وتذكر رسالة المقيم السياسي في البحرين إلى المكتب السياسي في الهند بأنَّ الشيخ جاسم وراء هذا الاعتداء، وقوله: “فلأجل ذلك حاصل الخوف في قلب جاسم بن ثاني إلى النهاية”، أي أصبح خائفاً بعد هجومه بغير حق على أطراف أبوظبي ومهاجمته كبار السن والنساء.

 وثيقة تظهر اعتداء جاسم بن محمد على المناطق النائية في أبوظبي وقتل النساء والأطفال

في عام 1299هـ/ 1882م أرسل الشيخ جاسم إلى المقيم السياسي يعرض عليه المصالحة مع الشيخ زايد بن خليفة، وفيها يقول: “ولما كان بيننا وبين الشيخ زايد بعض الشر ولمن صار للجواب مجال زالت الشبهة وصرنا معه على الحال السابق بصداقة”، وفي شهر مارس 1882م أرسل الوكيل السياسي الحاج أبو القاسم رسالة للمقيم البريطاني يذكر فيها: “سمعنا بأن وصل إلى أبوظبي من جانب جاسم بن ثاني محمد بن عبد الوهاب مع خطوط (رسائل) من جاسم وبعض من الهدايا مثل “الدفات كيلان” وتمر وشيء من الأقمشة، كذلك حاكم أبوظبي أنعم عليه بناقة”.

 الشيخ زايد الأول يقبل هدايا الشيخ جاسم ويرسل له ناقة هدية عام 1882م

عادت أطماع الشيخ في العديد وغيرها من أراضي أبوظبي، وشهد عام 1885م ظهور الصراع مرة أخرى؛ حيث تذرع الشيخ قاسم بذريعة أنَّ له ديناً عند قبيلة القبيسات وشيخها الشيخ بطي بن خادم بن نهيمان القبيسي، وبدأ آل ثاني مدفوعين بعداوة شيخهم إلى الإغارة على أراضي أبوظبي. في رسالته إلى المقيم السياسي في الخليج، والمؤرخة بالثامن عشر من شعبان عام 1305هـ الموافق 29 إبريل 1888م، تناول الشيخ زايد الأحداث؛ إذ نقتبس منه: “لا يخفى عليكم بالحوادث التي جرَّها جاسم بن ثاني في شهر رجب سنة 1305.. قد جهز يستوعب فيه عساكر وزانه وبارود ورصاص، وأمرهم يتوجهون إلى السلع في طريق البحر وهو آخر الحدود الذي لنا وأنزلوا بها ركابهم المذكور في طريق البر ونقلهم معه، وأغار على أحد من جماعتنا في أطراف الظفرة وأخذ جميع حلالهم”.

من ناحية أخرى، في شهر رمضان 1305هـ/ مايو 1888م، أفاد الوكيل السياسي في الشارقة في رسالته إلى المقيم السياسي بوقوع اعتداء من قبل الشيخ جاسم آل ثاني على الظفرة وما صاحبها من أعمال سلب ونهب وتدمير للبيوت.

أزعجت هذه الاعتداءات غير المبررة  الشيخ زايد الأول؛ و إزاء تلك الأحداث، لم يقف موقف المتفرج وحدوده أصبحت مستباحة وكبار السن والنساء قتلى وجرحى؛ فبدأ في رمضان 1305هـ/ مايو 1888م، وبالتنسيق مع حاكم دبي الشيخ راشد بن مكتوم (1886-1894م) هجوماً على قطر، ووفقاً للوثائق البريطانية أنه في يوم 17 رمضان 1305هـ الموافق 27 مايو 1888م دارت مع القوات القطرية معركة خارج البدع ( الدوحة) قرب سوق واقف، نتج عنها قتلى وجرحي من جانب قوات الشيخ جاسم آل ثاني، وصاحب ذلك تخبط الشيخ جاسم ومحاولته الاستنجاد بالدولة العثمانية، ثمَّ أعقب ذلك في 18 رمضان دخول الشيخ خليفة بن زايد دوحة البدع، حيث دارت رحى الحرب، واشتد وطيسها، وكان يقود القطريين علي بن جاسم آل ثاني الملقب بـ”جوعان”، وكانت الحرب بقدر ثلاث ساعات، وانكسرت فيها قوات آل ثاني، وانتهى الموقف بمصرع علي بن جاسم آل ثاني على يد الشيخ خليفة بن زايد الأول، ودمّرت قوات أبوظبي الدوحة وحرقت سوقها وقتلت رجالها.

وقفت بريطانيا إزاء سيطرة الشيخ زايد على شبه جزيرة قطر وعاصمتها دوحة البدع، موقف الداعم للشيخ القوي في أبوظبي، ففي رسالة إلى المقيم البريطاني إدوارد تشارلس روس، برّر الوكيل السياسي ردود فعل شيخ أبوظبي وغزوه لقطر، وأنَّ ما قام به كان ردة فعل على هجوم آل ثاني على الظفرة.

المتتبع لوثائق عهد الشيخ جاسم بن ثاني يرى هذا التناقض الكبير في سياسته، مما يجعلنا نقول ونحن نشاهد سياسة قطر الخرقاء ونهجها العدواني لجيرانها هذه الأيام: “ما أشبه الليلة بالبارحة”.

هذا وللمقالة بقية غدا إن شاء الله

تقرأون غدا:

•التحالفات مع القوى الإقليمية لتنفيذ مخططاته الإجرامية •الحملة التأديبية من أبوظبي للدوحة