وثائق غريبة عن عصر الشيخ جاسم آل ثاني مؤسِّس قطر (3)

يوميات

الكاتب: جمال بن حويرب

تظل الأحداث المظلمة الماضية التي اقترفها بعضهم في ذاكرة كبار السن الذين سمعوها من آبائهم الذين عاصروها ونقلوها إلى أحفادهم، كالحزازات في الصدور لا يمكن نسيانها لأن الاعتداء على الضعفاء العزّل من النساء والأطفال وكبار السن ليس من عادة العرب ولا حتى قانون الحروب لكن الإنسان عندما يقسى قلبه ويتخلى عن كل مظاهر الدين والرحمة فإنه يفعل الفظائع ولا يبالي من أجل أهداف ظالمة لا قيمة لها سيحاسب عليها لا محالة وقد جاء في الحديث عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “اتقوا الظلم فإنّ الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم”.

عندما لا يبالي الحاكم باستباحة دماء ضعفاء المسلمين  الذين يعيشون في منأى من الأرض فهم قلة يعيشون في أطراف الإمارة من أصحاب المزارع ولا حول ولا قوة لهم ،وإنما يفعل هذا الظالم ما يفعله فقط ليرضي غروره ويشفي حقده بهذا الاعتداء الجبان كما فعل جاسم آل ثاني على أطراف منطقة ليوا وقتل الأطفال والنساء والضعفاء من كبار السن الذين لا حول ولا قوة لهم وقد أتاهم بكامل قوته وجنوده وعتاده وهؤلاء الضعفاء آمنين في بيوتهم ومزارعهم وادَّعى بأنهم لا يقيمون صلاة الجمعة واتهمهم بالكفر فاستباح دماءهم لا غفر الله له، وهم نساء وأطفال وقلة من الرجال لا تقام بمثلهم صلاة الجمعة حسب المذهب المالكي ولكنه يريد أن يكذب على العثمانيين ويبرر قتله لهؤلاء الضعفاء كما سيأتي .

لعب جاسم بالنار 

قوّى جاسم بن محمد آل ثاني علاقته مع عائلة آل رشيد الشمرية (1834-1921م) حكام حائل، وكان جاسم يدرك قوة زايد بن خليفة حاكم  أبوظبي، الرجل الأقوى في الخليج العربي، وكذلك ما يمتلكه جيشه من عدد وعتاد، فسعى سعيًا حثيثًا إلى الاستعانة بأطراف إقليمية تقدّم عونًا له ضد الشيخ زايد، فتارة يستنصر بالأتراك ويدخل في تبعيتها ويحمل رايتها، وتارة أخرى يرفع راية آل رشيد، لذا فإن إمارة حائل،  تعد القوة الأولى في شبه الجزيرة العربية آنذاك بعد سقوط الدولة السعودية الثانية على أيديهم ونزوح الإمام عبدالرحمن آل سعود وعائلته إلى الكويت، وجد جاسم في آل الرشيد  نصيرًا مستقبليًا له ضد شيخ أبوظبي، وهنا هذا قرر الهجوم على أبوظبي بالاتفاق مع إمارة حائل وأميرها محمد بن رشيد (1873-1897م).

الأمير محمد عبدالله الرشيد

‎تلاقت المصالح السياسية بين طرفي الهجوم، فمن ناحيةٍ كان جاسم يطمع في التمدد الجغرافي والسيطرة على أملاك الشيخ زايد بن خليفة، ومن ناحية أخرى كان الأمير محمد بن رشيد يحكم حائل في عصرها الذهبي، وكان يريد لدولته التمدد ليس فقط داخل نجد وما جاورها ولكن أيضاً يرغب في وضع أقدامٍ له على ساحل الخليج العربي، ولن يتأتى ذلك إلا بإزاحة الشيخ زايد، الرجل الأقوى في الجزيرة العربية. 

قصر برزان في حائل

‎وبناءً على ما قدمته لكم لم يكن الاتفاق الثنائي بين جاسم بن ثاني وآل رشيد للهجوم على الشيخ زايد هدفه فقط أراضي إمارة أبوظبي ولكن كان موجهًا ضد جميع الإمارات العربية على الساحل.

‎لم يقابل شيوخ الإمارات العربية نوايا عدوان جاسم وحليفه على أراضي أبوظبي بالتوجس والخيفة فحسب، بل امتدت آثار هذا الهجوم الوشيك إلى القبائل وعوام الناس الذين فرّوا من الأراضي الداخلية البعيدة عن الساحل إلى مدن الساحل هروبًا من سوء عاقبة قد تلحق بهم جراء هذا العدوان المقيت. 

‎وفقًا للوثائق البريطانية؛ في 18 يناير 1889م، ومع وصول الأخبار بالهجوم على أبوظبي، صاحبها “نزوح بدوان المناصير وغيرهم المتعلقين بحاكم أبوظبي وحاكم دبي، وانتقلوا من داخل البر إلى ساحل البحر …. وبقية بدوان البرية انتقلوا من أطراف الغرب لنحو الشرق”.

‎على أثر هذه التطورات، ففي شهر جمادى الأولى 1306هـ/ يناير 1889م، أرسل الشيخ زايد الكبير رسالة إلى عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن محمد، الوكيل السياسي، يقول فيها “لا يخفاك بهذه الأيام قاسم بن ثاني …. وقد أرسل بهط وعساكر على طريق البحر ينزلون السلع حتى يلتقي بهم هناك ويتوجه بهم إلى طوارفنا. فهذا حال نراه بخلاف القانون والقواعد، بحيث هذه الأماكن في حوزنا وحرمنا وفي المحسوبية مع جناب الدولة البهية القيصرية على الله ثم علينا…. جماد أول 1306”. 

‎وعلى المسار السلمي ذاته، دفع الشيخ زايد برسالة أخرى إلى المقيم السياسي قال فيها ” لا يخفى على جنابك الشريف بهذه لأننا بلغنا أن جاسم بن ثاني يريد طوارفنا وقد جهز خمسة محامل على طريق البحر وفيهن حز آلات الحرب من عساكر وسلحات (أسلحة) وزاناة من بارود ورصاص وأبهط للقوم وأمدهم ينزلون في دوحة لكوفرية شرقي العديد يحملهم معه ومعلومك أنه هذه الأماكن في حرمنا ومحسوبة على الله ثم علينا من جناب الدولة البهية القيصرية وما علمنا بهذه الجرأة والتجاسر في هذا الإنسان في أمينة البحر، وهذا حال يلزمنا لجناب حضرة الدولة البهية القيصرية والذي يقتضي نظركم  …. 20 جماد أول 1306 “

‎في عام 1889م، سار جاسم مع جيش كبير فيه ابن سبهان نائب آل رشيد في الرياض، قاصدين أبوظبي، وفي تلك الأثناء أرسل الشيخ زايد ابن عمه الشيخ محمد بن سيف إلى دبي والشارقة وعجمان وأم القيوين مع كتب منه لحكامها، ومراده الموافقة والإعانة على حرب جاسم بن ثاني، وأعقبها قيام محمد بن سيف بأخذ البيعة والعهد من قبائل العرب من المناصير والمزاريع وبني قتب والغفلة والعوام وغيرهم. في نهاية شهر يناير وبداية شهر فبراير سنة 1889م، قام جاسم بن ثاني بحشد قواته وجمع رجاله، إضافة إلى قوات آل رشيد وبعض من الحامية العثمانية، وسار الجيش بقيادة جاسم ومعه أخوه أحمد بن ثاني، ووصلوا إلى الظفرة وليوا من أعمال أبوظبي ونهبوها وأعملوا القتل في أهلها من الضعفاء. 

قتل جاسم الأطفال والنساء

‎وفقًا للرواية التي رواها أحد الشهود من بني نعيم، وكان من عسكر جاسم آل ثاني؛ فإن قوات الشيخ جاسم لم يرحموا شيبة عجوز ولا ضعف امرأة، ولا حتى بكاء الأطفال، وهذه الرواية تم توثيقها في رسالة وصلت إلى المقيم السياسي في البحرين، مؤرخة في 23 جمادى الثاني 1306هـ الموافق 24 فبراير 1889م، نصها ما يلي:

‎”لايخفى سعادتكم من قبل عسكر الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني الذين مشوا على طرف اللّيوا والظفرة من قطر؛ قد اتفق المخبرون بأنهم ذبحوا أطفالا ونسوانا. وحكى لمحبكم من كان مع العسكر المذكورين من النعيم ورأى بعينه أن أربعة نسوان رآهم مذبوحين وثمانية أطفال في عمر تسع سنوات وأنزل، وأكمل يخبرنا وينكر على فعل جاسم بن ثاني وقساوة قلبه. 

24 فبراير 1889م رسالة من الوكيل إلى المقيم البريطاني يذكر فيها شهادة أحد جنود عسكر جاسم حول اعتدائه على منطقة العديد وقتل النساء والأطفال والشيوخ وترويع الآمنين

‎يقول لما وصلنا قرية تسمى “الشاه” شفنا(رأينا) فيه ستة أنفار ينبتون النخيل، وأنهم كفوا أيديهم لما رأونا وطلبو الأمان وتدخلوا ولا قبل الدخالة جاسم وأمر وذبحوهم. يقول في هذا الأثناء جانا شايب (عجوز) يقوده طفل له وهو يتدخّل وأمر جاسم وقتلوه هو وطفله. وفي ليوا رأيت حرمة(امرأة) مقطوع يدها، فسألت عنها، قالو لي بأن كانت قابضة على طفل لها وأراد أحد القوم ذبحه، وحامت (دافعت)عنه بيدها فلما قطع يدها هدّت الطفل وذبحوه. يقول هذا الذي رأيت!

ذبح الأطفال والضعفاء في خنور

‎وأما الذين ذُبحوا في قلعة خنّور، يقول الذين كانوا في نخيل ليوا كلهم اجتمعوا فيها من نسوان ورجال وأطفال، وكان بابها عيش (رز)جواني، وركضت عليها القوم وطلعوا العيش(الرز)، وهم كانو يرمونا، يقول ذبحوا منا كم نفر ، وهجمنا يقول كانوا في برجين القلعة والأغلب يقول في صحن القلعة، وثارة التفقان (الأسلحة النارية) عليهم وخمدوا (قتلوا)كلهم في كل قبيل طفل وحرمة وشايب وشاب وحيوان وغيره، ولأحدًا قبل دخايل ولا رضا جاسم أن يسلم أحد.

حصن خنور في منطقة ليوا – أبوظبي

والبرجين يقول أحرقنا سقوفها بالنار، ومن بقي في البروج أكلته النار. يقول: عمل جاسم ما أحد عمله أبدا، يقول عسكر جاسم كانو ٤٠٠ نفر ونحو ١٥٠ نفر خيل أو أقل و٣٠٠ من الركاب. لكن يقول آلة حربا تامة من تفقان المارطيني (بنادق المارتيني) وزهبها ومن رقم من السلاح ولا ذخر شيء.. صحح أحمد بن عبدالرسول”.

هذي القصة وأنا أكتبها دمعت عيني من هذه البشاعة والإجرام الذي مارسه جاسم على قوم عزّل ضعاف لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم .. هذه القصة فقط تكفي لتدل على خيانة هذا الظالم وعدم خوفه من الله وما نراه اليوم في حفيديه الحمدين من الإجرام في حق الأبرياء العرب والحقد الأعمى على الحكام الكرام من آل نهيان وآل مكتوم وآل سعود ما هو إلا متوارث في الجينات يجب أن يستأصل ولا يهمل كما تم إهمال جدهم المتمرس في الجرائم ضد الإنسانية.

هذا وللمقال بقية نتابعها غدا إن شاء الله

تقرأون غدا:

خراب الدوحة على يد حاكم أبوظبي بسبب جرائم جاسم بن ثاني