ولاة اليمامة (2)

مجلة مدارات ونقوش – العدد 20 - 21

 431 عدد المشاهدات

إعداد: عبد العزيز بن محمد بنعبدالله الشعلان – باحث في التاريخ السعودي

لا ريب أنَّ منطقة الجزيرة العربية حظيت منذ القدم بأهمية تاريخية استقطبت أقلام الباحثين والمؤرخين، ليخوضوا في عباب بحور وكنوز تراثها الغني. ومن تلك المناطق التي لها حضورها في صفحات تاريخنا العربي منطقة اليمامة، التي أغرت الكاتب والباحث السعودي عبدالعزيز بن محمد بن عبدالله الشعلان، ليسلِّط عليها عدسة قلمه في بحثه: «ولاة اليمامة من صدر الإسلام إلى نهاية الدولة الأموية».

«مدارات ونقوش»، في إطار رسالتها المعرفية السامية لنشر وتوثيق المفردات الثقافية لمنطقة الخليج العربي، يسرُّها أن تبرزَ لقرّائها الكرام لآلئَ هذا البحث في سلسلةٍ تستوعبُ هذا العددَ وأعداداً مقبلة.

انتشر الإسلام في عهد الرسولr ليشمل كافة أنحاء الجزيرة العربية تقريباً، وكانت الوفود تأتي إلى النبي r لتبايعه على الإسلام، ثمَّ يرجعون إلى أقوامهم ليدخلوا في دين الله أفواجاً. ولقد بعث الرسول r العمالَ والولاةَ والقضاةَ والعلماءَ من الصحابة الكرام؛ فبعث إلى اليمن، عمان، البحرين، واليمامة، وكان له والٍ على مكة بعد الفتح.

ومن مهام هؤلاء المبعوثين تعليم الناس الدين، والقضاء بينهم بحكم الإسلام، وجمع الزكاة الشرعية، وغير ذلك مما يسند لهم، فهم ينوبون عن ولي الأمر في إدارة شؤون الولاية. وقد سار الخلفاء الراشدون على هذا الأمر ببعث الولاة والعمال، حتى إذا اتسعت الفتوحات ومصرت الأمصار كان لكل ولاية والٍ مستقل يتبع الخليفة، واستمرَّ هذا الأمر في الدولة الإسلامية.

جاء عند الطبراني: أنَّ يزيد ابن أخت نمر بن قاسط الكندي أبو السائب، وهو يزيد بن عبد الله بن سعد بن الأسود بن ثمامة بن الشيطان بن يقظان بن الحارث بن عمرو بن معاوية بن الحارث، والنمر من جبل حليف لبني عامر بن صعصعة، كان يزيد حليفاً لأبي سفيان بن حرب وقد صحب النبي r وأَمَّرَه على اليمامة. (1)

وفي “المستدرك”: يزيد بن عبد الله بن سعد بن الأسود بن ثمامة بن يقظان بن الحارث بن عمرو بن معاوية بن الحارث حليف لبني معقيب وكان النبي rأمَّره على اليمامة. (2)

وفي “الإصابة”: يزيد بن سعيد بن ثمامة بن الأسود بن عبد الله بن الحارث بن الولادة الكندي والد السائب بن يزيد المعروف بابن أخت النمر حليف بني أمية بن عبد شمس، وقيل: هو يزيد بن عبد الله بن سعيد بن ثمامة بن شيطان بن الحارث بن عمرو بن معاوية الكندي، قال الزهري: عن سعيد بن المسيب قال: ما اتخذ النبي r قاضياً ولا أبو بكر ولا عمر، حتى كان في وسط خلافة عمر فإنه قال ليزيد، ابن أخت النمر: اكفني بعض الأمر، يعني صغارها، قال ابن سعد: استعمله عمر على السوق. (3)

قال الباحث: وقد ورد في كتب السير والتراجم أسماء بعض من كان عاملاً في اليمامة في عهد الرسول r وهم عُمال في جمع الزكاة وتحصيلها وربما يكون الواحد منهم على قومه خاصة، مثل:

ثمامة بن أثال الحنفي، وسليط بن سليط من بني عامر بن لؤي، والضحاك بن سفيان بن عوف الكلابي، وعمرو العامري، وقرة بن هبيرة بن قشير، وخزيمة بن عاصم العكلي، وزياد بن عمرو الباهلي، وشهل بن منجاب التميمي، وصفوان بن أسيد، وقيس بن عاصم المنقري. وردت هذه الأسماء مفرقة في كتب السيرة والتاريخ والتراجم، و”سيرة ابن هشام”، و”الإصابة”.

(1) الطبراني: معجم الطبراني الكبير، باب الياء، يزيد بن أخت نمر بن قاسط الكندي أبو السائب.

(2) الحاكم: المستدرك على الصحيحين، ج3، -31- كتاب معرفة الصحابة. (3) ابن حجر: الإصابة ص1399.

في عهد أبي بكر (رضي الله عنه)

وبعد حرب المرتدين وفراغ خالد بن الوليد t من شأن اليمامة استعمل سمرة بن عمرو بن قرط العنبري التميمي، وفي “تاريخ الكلاعي”: أنَّ أبابكر t

قال لوفد اليمامة: أفيكم من رهط عامر بن مسلمة أحد؟

فقال خالد: وما تصنع بعامر وهذا مجاعة سيد أهل اليمامة!

فكرَّرها أبوبكر  فقال: هل فيكم من رهط ثمامة بن أثال أحد؟

فقال خالد: وما تصنع بثمامة وهذا مجاعة سيد أهل اليمامة!

فقال أبوبكر: إنهم أهل بيت اصطنعهم النبي r وأنا أحب أن أصطنعهم، فقام مطرف بن النعمان بن مسلمة فقال: عامر بن مسلمة عمي وثمامة بن أثال عمي، فاستعمله أبوبكر على اليمامة. (1)

وذكر خليفة خياط في تاريخه: أنَّ أبابكر t ولى على اليمامة سليط بن قيس وهو صحابي أنصاري من بني النجار شهد بدراً والمشاهد كلها وقتل يوم الجسر t. (2)

قال الباحث: وذكر ابن حجر في الإصابة: سليط بن قيس بن عمرو بن عبد الله بن مالك بن عدي بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار الأنصاري بدري شهد المشاهد كلها. (3) ا.هـ

ولم يذكر له ولاية، غير أنه ذكر سليط بن عمرو بن عبد شمس العامري، وأنَّ النبي r أرسله إلى هوذة بن علي رئيس اليمامة.

وفي “كنز العمال” للمتقي الهندي: أنَّ المهاجر بن أبي أمية وكان أميراً على اليمامة رفع إليه امرأتان مغنيتان غنَّت إحداهما بشتم النبي r فقطع يدها ونزع ثناياها، وغنَّت الأخرى بهجاء للمسلمين فقطع يدها ونزع ثناياها، فكتب له أبوبكر: بلغني الذي فعلت بالمرأة التي تغنَّت بشتم النبي r فلولا ما سبقتني فيها لأمرتك بقتلها؛ لأنَّ حدَّ النبي r ليس يشبهه الحدود فمن تعاطَ ذلك من مسلم فهو مرتَّدٌ أو معاهد فهو محارب غادر، وأما التي تغنَّت بهجاء المسلمين فإن كانت ممن يدعي الإسلام فأدِّب دون الـمُثلة، وإن كانت ذِمية فَلَعَمرِي لما صفحت عنه من الشرك لأعظم، ولو كنت تقدمت إليك في مثل هذا لبلغت مكروهاً، وإياك والمثلة في الناس فإنها مأثم ومنفرة. (4)

  • ابن حجر: الإصابة، ص 530.
  • الكلاعي: الاكتفاء في مغازي المصطفى والثلاثة الخلفاء. نشره على شبكة الإنترنت مكتبة المصطفى وقد حقَّقه    د. أحمد غنيم واسم مؤلفه: أبي الربيع سليمان بن موسى بن سالم بن حسان الحميري الكلاعي الأندلسي.
  • خليفة بن خياط: تاريخ خليفة بن خياط، ص 123.
  • المتقي الهندي: كنز العمال ج 5، الحدود. والمثلة قطع الأطراف أو جدع الأنف أو الأذن ونحوهما.

أما المهاجر فهو كما في “الإصابة”: المهاجر بن أبي أمية بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، أخو أم سلمة زوج النبي r، وشهد بدراً مع المشركين، وقُتِلَ أخواه يومئذ هشام ومسعود، وكان اسمه الوليد؛ فغيَّره النبي وولاه لما بعث العمال على صدقات صنعاء فخرج عليه الأسود العنسي، ثمَّ ولاه أبوبكر وهو الذي افتتح حصن النجير الذي تحصَّنت به كندة في الردة، وكان معه زياد بن لبيد. وذكر سيف في “الفتوح”: أنَّ المهاجر قد تخلَّف عن غزوة تبوك فرجع النبي r وهو عاتب عليه؛ فلم تزل أم سلمة تعتذر عنه حتى عذره وولاه.(1)

ولما فرغ خالد بن الوليد من قتال المرتدين ولّى على اليمامة سمرة بن عمرو العنبري التميمي.(2)

في عهد عمر (رضي الله عنه)

ذكر ابن حجر في ترجمة سلمة بن سلامة بن وقش الأشهلي الأنصاري قال: ويقال: إنَّ عمر استعمله على اليمامة، وكان من أهل العقبة الأولى والثانية، وشهد بدراً ومات بالمدينة سنة 34هـ، وقيل: 45هـ، وهو ابن أربع وسبعين سنة.(3)

وقال في ترجمة حذيفة بن محصن القلعاني، ضبطه الطبري الغلفاني –بالغين –: قال عمر بن شبة: ولاه عمر على اليمامة..

المعجم الكـــــبير
المعجم الكـــــبير

وقال خليفة: استعمله أبوبكر على عُمان بعد عزل عكرمة، قال أبوعمر: فلم يزل عليها إلى أن مات أبوبكر.(4)

وذكر ابن كثير في أحداث سنة 16هـ: وكان نائب عمر على اليمامة والبحرين العلاء بن الحضرمي.(5)

وفي “الإصابة”: العلاء بن الحضرمي اسمه عبد الله بن عماد بن أكبر بن ربيعة بن مالك بن عويف الحضرمي، وكان أبوه قد سكن مكة وحالف حرب بن أمية والد أبي سفيان.. واستعمل النبي r العلاء على البحرين وأقرَّه أبوبكر ثمَّ عمر، مات سنة 14هـ، وقيل: 21هـ، وكان مجاب الدعوة وخاض البحر بكلمات قالها وذلك مشهور في كُتب الفتوح.(6)

يقول حمد الجاسر: وإذا تتبع الباحث الولاة في عهد عمر t يتضح له أنَّ البحرين ما كان تابعاً لليمامة يوماً من الأيام بل الأمر عكس ذلك، فقد كان والي البحرين سنة 16هـ العلاء بن الحضرمي وكذا اليمامة، وكان حذيفة بن محصن والياً لعمر على عُمان واليمامة سنة 13هـ. والعلاء كان والياً على البحرين في هذه السنة، ثمَّ في سنة 17هـ كان والي اليمامة والبحرين عثمان بن أبي العاص، ووالي عُمان هو حذيفة بن محصن.(7)

(1) ابن حجر: الإصابة، ص 1296.

(2) عبدالله بن خميس: معجم اليمامة،ج2 ص 176.

(3) ابن حجر: الإصابة، ص 524.

(4) ابن حجر: الإصابة، ص262.

(5) ابن كثير: البداية والنهاية، ج 7، ص 73.

(6) ابن حجر: الإصابة، ص 928.

(7) حمد الجاسر: ابن عربي، ص9.

وعثمان هو: عثمان بن أبي العاص بن بشر بن عبد الله بن دهمان بن عبد الله بن همام الثقفي وفَد على النبي r سنة  9 ه في وفد ثقيف فأسلموا، وجعله إماماً لهم وأميراً عليهم، وكان أصغر القوم سناً، وقد مَنع ثقيفاً من الرِدَّةِ وقال: (كنتم آخر الناس إسلاماً فلا تكونوا أولهم ارتداداً).

وأقرّه أبوبكر على الطائف، ثمَّ عمر، ثمَّ استعمله عمر على البحرين، توفي في خلافة معاوية سنة 50 أو 51 هـ.(1)

وذكر ابن خميس في “تاريخ اليمامة”: أنَّ أبابكر نفيع بن الحارث بن كلدة كان والياً على البحرين واليمامة سنة 20 هـ.(2)

في عهد عثمان بن عفان (رضي الله عنه)

لم تسعفنا المصادر بذكر ولاة اليمامة في عهد عثمان t ويلاحظ أنَّ هناك اندماجاً إدارياً بين ولاية اليمامة والبحرين وكذلك البصرة. وقد عُدَّ من ولاة عثمان على البحرين عياش بن أبي ثور.

وقد ضُمّت ولاية اليمامة إلى ولاية البصرة في عهد عثمان t، وتولاها عثمان بن أبي العاص، وعبدالله بن كريز على اعتبار أنها جزءٌ من ولاية البصرة.

(1) ابن حجر: الإصابة، ص 889.

(2) عبدالله بن خميس: تاريخ اليمامة.

في عهد علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)

وذكر ابن جرير: أنَّ قُثم بن العباس بن عبد المطلب كان عاملاً على الطائف ومكة وما اتصل بها لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقثم هو أخو عبد الله بن العباس، أمهم أم الفضل، وكان قثم يشبه النبي r، وكان صغيراً عندما توفي رسول الله r، ولاه عليٌّ t مكة، وخرج مع سعيد بن عثمان بن عفان إلى سمرقند فاستشهد هناك.(1)

أمّا البحرين فقد وليها لعلي بن أبي طالب t: عمرو بن سلمة، قداحة بن العجلان الزرقي، والنعمان بن العجلان الزرقي.

وقد قرأت في بعض المراجع – غاب عني الآن – أنَّ زُفَر بن أبي هشام بن مسعود بن سنان كان عاملاً لليمامة.

وقد مدحه القاسم بن حنبل المري، وهو أبو البرج المري ذكرها أبو تمام في “الحماسة” ونقلها المرزباني عنه في “معجم الشعراء”، قال القاسم بن حنبل المري:

أرى الخلان بعد أبي حبيبٍ        

بحجر في جنابهم جفاء

من البيض الوجوه بني سنان          

لو أنك تستضيء بهم أضاءوا (2)

في أبيات جميلة، وقد ذكر في الهامش أنها تنسب لمرة الجعدي.

وجاء في ديوان حميد بن ثور الهلالي في هجاء أبي الربيع عبد الله العامري والي اليمامة:

شهدت بأنَّ الله حقٌّ لقاؤه              

وأنَّ الربيعَ العامري رَقيع

أقاد لنا كلباً بكلب ولم يدَعْ              

دماء كلاب المسلمين تضيع

وذلك أنَّ الربيع العامري حين كان والياً على اليمامة أتى بكلب عقر كلباً آخر فأقاده.(3)

قال الباحث: وذكر ابن حجر في “الإصابة” أنَّ المرزباني قال عن حميد بن ثور إنه تُوفي في عهد عثمان (رضي الله عنه).(4)

قال الباحث: ولم أجد لحميد بن ثور ترجمة عند المرزباني في “معجم الشعراء”، والظاهر أنَّ هذا ليس صحيحاً؛ لأنَّ له قصيدة في رثاء عثمان، وقيل: إنه طال عمره وأدرك زمن عبد الملك وله فيه أبيات.

  • ابن جرير: تاريخ الطبري، ص 899.
  • أبو تمام: الحماسة ص341.
  • ديوان حميد بن ثور الهلالي، ص 102، وقال المحقق:عن البيتين إنها لحميد بعزو من لا يوثق بمثله! قال: وذكر صاحب “عيون الأخبار” و”العقد الفريد” هذين البيتين في أخبار الحمقى.
  • ابن حجر: الإصابة، ص 301.