الخانات… منشآت فندقية تحكي قصة حضارة

الشرق الأوسط وشمال إفريقيا خلف أحمد محمود أبو زيد مدارات ونقوش - العدد 28 -29

الكاتب: خلف أحمد محمود أبو زيد – كاتب وباحث مصري

أطلقت كلمة خان، على مكان نزول المسافرين وقوافل التجار والمبيت فيه. وشكَّلت الخانات حلقة أساسية في تطوُّر العمارة العربية والإسلامية، وفي تاريخ تطوُّر المنشأة التجارية الفندقية، ونظم التجارة عند المسلمين، حيث إنَّ العمارة التجارية الإسلامية، التي أطلق عليها اسم الخان، كانت النموذج الهندسي الوظيفي، الذي جعل العرب سبّاقين في ابتكار هذا القطاع العمراني، وتصميمه والتوسُّع في بنائه، وزيادة الاهتمام به بسبب انتشار التجارات وكثرة الأسفار لأغراض مختلفة، وازدهار حركة العمران في بلاد المشرق والمغرب، لا سيما إبان العصرين المملوكي والعثماني، حيث كان لها دورٌ كبيرٌ في الحياة الاجتماعية والاقتصادية، بل والثقافية أيضاً، حيث مثَّلت حلقة اتصال بين طلاب العلم، ومجمعاً للتجار الذين كانوا يتبادلون السلع، ويعقدون الصفقات بين أرجائها.

خان أسعد باشا في دمشق تحفة معمارية عز لها نظير

تطوُّر مصطلح الخان

وإذا نظرنا إلى كلمة خان، فهي كلمة فارسية معرَّبة استخدمت للدلالة على منشآت معمارية خاصة لاستراحة وإقامة ومبيت القوافل التجارية والمسافرين وغيرهم فيها، سواء أكان ذلك على الطريق أم في المدن، ويُقَدَّمُ لهم الطعام والشراب، وفيها أماكن لنوم التجار والحجاج والرحّالة والمسافرين. وقد تطوَّر مصطلح الخان عبر الزمان، فقد أُطْلِقَ عليه في القرن الرابع الهجري اسم «التيم» وتحديداً في منطقة بلاد ما وراء النهر، ثمَّ أُطْلِقَ عليه كلمة «الدار»، وذلك على منازل المسافرين في كل من سوريا والعراق، ثمَّ تدرَّج اللفظ إلى «دار الوكالة»، التي ترادفت مع انتشار القوافل القادمة إلى داخل المدن، خلال القرن السادس الهجري، الثاني عشر الميلادي، ثمَّ إلى كلمتي «الفندق» و«القيسارية» اللتين شاعتا خلال القرن السابع الهجري، الثالث عشر الميلادي، حيث حلَّت كلمة الخان محل الكلمات السابقة، وأصبحت تُطْلَقُ على أبنية المسافرين داخل المدن وخارجها، حتى استقرَّ مصطلح الخان على معنى المؤسَّسة التجارية الحرفية الفندقية، وكان ذلك في العهدين المملوكي والعثماني(1).

جانب من خان أسعد باشا

ظهور الخانات وموقعها

لو أردنا أن نتتبَّع نشأة الخانات كمنشآت معمارية لاستقبال القوافل التجارية والمسافرين والحجيج، بل وحتى الضيوف والعلماء والرحّالة وغيرهم من عابري الطريق، فإنَّ البداية كانت من العصر الجاهلي، فكانت هناك أماكن أو مناطق معينة تتوقَّف عندها قوافل التجارة والقبائل، كان يُطْلَقُ عليها في العصر الجاهلي كلمة منزل، وأصبحت هذه الكلمة مستخدمة طيلة العصر الجاهلي، واستمرت أيضاً في العصر الإسلامي، ومن هنا يمكننا أن نعتبر أنَّ المنزل في العصر الجاهلي لاستقبال القوافل والقبائل، هو بداية لفكرة إنشاء الخانات الإسلامية، ثمَّ تأتي المرحلة الثانية لتطوُّر فكرة إنشاء الخانات وهي دار الضيافة، التي أنشاها عمر بن عبد العزيز في بداية العصر الإسلامي، في العديد من المدن الإسلامية، وفي بعض المنازل المهمة على طريق الحج، وكانت هذه الدور تُقَدِّمُ الضيافة من الطعام والشراب، واستمرت هذه المنشآت تؤدي وظيفتها حتى نهاية العصر الأيوبي، ومن ثمَّ أطلق على الخانات التي ظهرت وكانت تقدِّم الطعام مجاناً خاناً أو فندقاً، وفي أكثر الأحيان «خان السبيل»، واستمرت دار الضيافة مستخدمة إلى جانب الخانات حتى نهاية العصر المملوكي، وبعدها انهارت مع انهيار الدولة المملوكية.

واللافت للنظر أنَّ هذه المنشأة الخدمية، لم يتوقَّف بناؤها على عاتق الدولة الإسلامية فقط، فقد قام أهل الخير والغنى بإنشاء هذه الخانات والفنادق في طول البلاد وعرضها، ابتغاء الأجر والثواب من الله عز وجل، واللافت للنظر أيضاً اشتراك بعض المحدثين وطلبة العلم في إنشائها؛ فهذا المحدث أحمد بن محمد الأستراباذي يبني خاناً في بلدته آستراباذ في شمال إيران فيشتهر به. وهذا أبو جعفر محمد بن عاصم الشهير بصاحب الخانات، المحدث الشهير في بغداد(2). ومن أقدم المصادر التاريخية التي ذكرت الخانات واهتمام ولاة المسلمين ببنائها، ما أورده ابن سعد في كتابه «الطبقات الكبرى» فقال: «كتب عمر بن عبد العزيز أن تعمل الخانات بطريق خراسان»(3)، كما ذكرها المؤرخ البلاذري عام 279هـ، حيث كان وجود الخانات ضرورياً نتيجة للمساحة الشائعة للدولة الإسلامية وامتدادها من بلاد ما وراء النهر شرقاً، إلى المغرب والأندلس غرباً، ومن بلاد الروم شمالاً إلى بلاد النوبة والسودان جنوباً، وهو ما أدى إلى التمازج بين هذه الدولة وازدهار حركة العلم، وتنقل طلابه في ربوع البلاد طلباً له، وازدهار حركة التجارة والمعاملات الاقتصادية، فكانت الخانات تخفّف على هؤلاء من عناء ومشقة السفر.

خان الصابون في طرابلس اللبنانية

أمّا عن موقعها فكانت تقع داخل المدن وعلى طريق القوافل، والثابت أنَّ ذلك يرجع إلى العامل الوظيفي للخان، من حيث كونه منشأة تجارية حرفية، الأمر الذي يفسّر وجوده في المدن قريباً من المرافئ والأسواق، وعلى مسافات، احتسبت بالأيام على طريق القوافل، تمكيناً للتجار من الاستراحة ليلاً بعد طول المسير؛ فالخان كان عبارة عن نزل للاستراحة على طريق القوافل، المختلفة بين المدن، وعند مداخل أسواقها، وكانت المسافات ما بين خانات الطرق مسيرة يوم أو ما يقرب من ثلاثين كيلومتراً(4).

الطراز المعماري للخان

وإذا نظرنا للتخطيط الهندسي للخان، نجد أنه كان يخضع للمقتضيات التجارية والحرفية والأمنية، من حيث وجود المخزن والمسكن في مكان واحد، مع ضمان أمن التاجر وأمن بضاعته، فقد كانت في أول عهدها بسيطة الشكل، تؤدي الحاجة المطلوبة منها، ثمَّ سرعان ما تطوَّر شكل الخان ونمطه ليلبي الغرض المرجو منه متأثراً بالثقافة والعمارة الإسلامية؛ فقد جرت العادة أن يتألف الخان من باب كبير ذي مصراعين ضخمين يتسعان لدخول الرواحل، المحملة بالبضائع، أو باب كبير واحد فيه باب صغير في وسطه يسمى الخوخة، لدخول الناس، إذا لم يكن هناك حاجة لفتح الباب الكبير، وهذا الباب تحيط به واجهة مزخرفة ذات عقود وأبراج، يؤدي إلى باحة سماوية واسعة، قد تتوسطها بركة ماء وتحفّ بالباحة حجرات متنوعة ومحلات لإيداع البضائع أو بيعها، ومكاتب للتجارة توزع فيها العروض وما إليها، إضافة إلى المسجد وبئر الماء في جانب تلك الباحة، وثمة أقسام ملحقة بهذا الطابق الأرضي لإيواء الدواب وفيه أيضاً بيطريون وعلف للرواحل، وفوق هذا الطابق الأرضي طابق علوي، مخصَّص لنوم نزلاء الخان من المسافرين والتجار وطلاب العلم، الوافدين من بلاد مختلفة، فيجتمعون في الخان، الذي يشرف على إدارته رجال مهمتهم تجهيز النزلاء بما يحتاجون إليه من مبيت وإقامة، تضاف إليهم عمال يقومون بتنظيم أمور الخان وتنظيفه(5). ونجد هذا التخطيط والتنظيم الفريد للخان في العديد من الخانات، التي أسهبت المصادر والكتب التاريخية في وصفها، والتي من أشهرها خان الإفرنج الذي كان عبارة عن بناء مستطيل الشكل، مغلق على الخارج، ومفتوح حول فناء داخلي، وهو مؤلف من طابقين: الأول عبارة عن دكاكين وزرائب ومستودعات للبضائع، والثاني منازل معدة لسكن التجار، وأيضاً في خانات طرابلس التي كان يتوسطها غالباً حوض ماء خاص بالدواب وبئر ماء، وأيضاً في الخانات التي ازدهرت عمارتها في عصر المماليك تبعاً لازدهار طرق التجارة العالمية بين الشرق والغرب، وكان من أبرزها ما أنشئ بين حلب والقاهرة، وكانت عمارته عبارة عن مسقط مستطيل بغير نوافذ خارجية، يتوسطه فناء داخلي به بئر للمياه، يحيط به من جهاته الأربع رواق تفتح عليه غرف معقودة بأشكال نصف دائرية، أو بأقبية متقاطعة وبه مصلى وحمام وإسطبل، وحوض لشرب الدواب وفرن، وله مدخل تذكاري بارز.

أما عن التحلية الزخرفية، فنجد أنَّ الخان عموماً قد خلا من التحلية الزخرفية، إلا في النادر، ومن ذلك أبيات شعرية وجدت في الخان الذي بناه في بيروت سيف الدين تنكيز، الذي توفي سنة 741هـ، والذي أمر بأن تعلق على بابه أبيات شعرية، تتغنى به والسلطان، والمعروف أنَّ الكتابات الشعرية كانت عنصراً زخرفياً، إلى جانب كونها عنصراً تاريخياً، ومن ذلك أيضاً أنَّ خان الشاويش في طرابلس له باب بقنطرة مقرنصة عليها كتابة قديمة قد محاها الزمن(6).

خان مرجان في بغداد
خان الوزير في حلب

أشهر هذه الخانات

قد تفاوتت هذه الخانات من حيث الشهرة والأهمية، والضخامة، وقد اندثر بعضها، وبقي بعضها الآخر حتى اليوم شاهداً حياً ومعلماً، من معالم الحضارة الإسلامية، من حيث عنايتها بالمسافرين، وحسن استقبالهم، ريثما يتمّون تجارتهم؛ إذ كان كثير من هذه الخانات موقوفاً، والوقف كما هو معروف حبس الأصل، وتسبيل المنفعة ابتغاء لرضا الله وثوابه، إذ كان أهل اليسار والغنى يوقفون على هذه الخانات أوقافاً لعمارتها وتجديدها وتقديم ما يلزم للمسافرين والتجار وطلبة العلم والقائمين عليها من وسائل الراحة والأمان. ومن أشهر هذه الخانات في دمشق خان أسعد باشا في سوق البزورية، وخان الحرير، وخان الزيت، وخان الخياطين أو الجوخ، وفي حماة خان الصحن، وخان الحنة أو الحناء، وخان رستم باشا، كما اشتهرت حلب بخاناتها الأثرية الكبيرة، التي لا تزال شامخة إلى اليوم، والتي من أشهرها خان الوزير، وخان الحرير، وخان الصابون، وخان الجمرك، الذي كان عظيم الاتساع، ويعود تاريخه إلى عام 1574م، فقد ضمَّ اثنين وخمسين مخزناً، وسبعاً وسبعين غرفة، وسوقين مبنيين بالحجر المهندم، يصل إليهما الضوء من قباب عشر تعلوهما، وكان مجموع دكاكينه ثلاثمائة وأربعة وأربعين، وإلى جانبها سبيلان ومسجد. وخان الشونة، وفي بغداد خان مرجان، أما القاهرة فقد عرفت بخاناتها التاريخية، والتي من أشهرها خان الخليلي وخان مسرور.

صورة قديمة لخان الجمرك في حلب

 وقد أسهب المستشرق الفرنسي جاستون فييت، في كتابه الماتع «القاهرة مدينة الفن والتجارة»، في ذكر هذه الخانات التي قال عنها: «هناك خان من نوع خاص عند مدخل المدينة شمالي باب الفتوح سمح للمسافرين بالنزول فيه مجاناً، ونظراً لموقعه في ظاهر المدينة، فقد تحوَّل إلى مستشفى للمرضى بأمراض معدية، وهناك خان آخر استخدم كمصرف، أودع فيه التجار صناديق المال المملوءة بالذهب والفضة، وفي الحي نفسه كان هناك خان قوصون، أو وكالة قوصون، الذي استخدمه التجار السوريون لخزن بضائعهم، مثل الزيت والسيرج والصابون والدبس والفستق والجوز واللوز والخرنوب، وكان فندق دار التفاح بالغرب من مسجد المؤيد، أشبه بوكالة كبيرة للفواكه على اختلاف أنواعها، كما وجد خان آخر كبير كانت تستخدم إيراداته لفدية أسرى الحرب، واشتمل على اثني عشر حانوتاً، وخمسة حمامات، وثمانية وخمسين مخزناً، وست غرف كبيرة، وفناء وخمسة رباع، وخمس وسبعين حجرة للنزلاء، وخمسة حمامات في الطوابق العلوية»(7).

كتاب القاهرة مدينة الفن والتجارة

ويفهم من هذا الوصف، الذي قدمه جاستون فييت لخانات القاهرة، أنَّ وظيفة الخان في المدن الإسلامية في العصور المتأخرة، كانت استقبال التجار بشكل عام، من باعة الجملة ومروجي البضائع ومراسلي المستوردين والوسطاء، ومن الخانات الشهيرة التي أقيمت على طرق القوافل والمواصلات أيضاً خان عباس على بعد 26 كيلومتراً من دمشق، حيث كان مأوى للمسافرين بين حلب ودمشق، وكان فيه مسجد وبئر ماء وحانوت، وكان يسمّى خان لاجين نسبة إلى بانيه الأمير حسام الدين لاجين، والي دمشق سنة 690هـ، وقد أوقفت لهذا الخان أوقاف كثيرة للإنفاق عليه.

ومما يلفت النظر أيضاً أنَّ بعض النساء قد اهتممن بتشييد الفنادق والخانات، رغبة منهن في جلب الأجر والثواب من الله تعالى، «فقد بنت عصمة الدين بنت معين الدين زوجة صلاح الدين الأيوبي، المتوفاة سنة 581هـ، فندق عصمة الدين في مدينة دمشق، كما أنَّ هناك مدناً وقرى ركبت أسماؤها من كلمة خان مضافة إلى كلمة أخرى، ويبدو أنها كانت في الأصل خانات بنيت على طرق القوافل بين المدن للمسافرين، ثمَّ تحوَّلت مع الزمن إلى تلك القرى والبلدان، ومن أشهرها خان السبل في محافظة إدلب، وخان طومان، وخان العسل، في محافظة حلب، وخان أم حكيم في محافظة ريف دمشق»(8).

منطقة خان الخليلي التاريخية بالقاهرة

وفي النهاية نقول إنَّ الخانات باب عظيم من إبداعات الحضارة الإسلامية، أدت وظيفة حضارية عظيمة، لم نجد لها مثيلاً في أي حضارة من الحضارات السابقة، حيث كان للخان أثرٌّ كبيرٌ في اجتذاب عدد كبير من الناس، من جنسيات مختلفة، مما أدى إلى وجود تأثير حضاري وثقافي من احتكاك مختلف الطبقات من مختلف البلدان، وتقديم الرعاية الاجتماعية التي لم تتوافر الآن في العصور المتحضرة والمتقدمة على مثل هذه الصورة التي قدمتها الحضارة الإسلامية التي اهتمت بالجميع دون التفريق بين كافر ومسلم، وذكر وأنثى.

المصادر:

(1)   معجم مصطلحات العمارة والفنون الإسلامية، عاصم محمد مرزوق، الناشر مكتبة مدبولي، سنة 2000م، ص92.

(2)   الخان قصة منشأة خدمية في حضارتنا، محمد شعبان أيوب، مجلة الوعي الإسلامي، الكويت، العدد 593، محرم 1436هـ- نوفمبر عام 2014م.

(3)   الطبقات الكبرى، لابن سعد، الجزء الخامس، تحقيق محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى، 1990، ص266.

(4)   معجم مصطلحات العمارة والفنون الإسلامية، عاصم محمد مرزوق، مصدر سابق، ص91.

(5)   الخان قصة منشأة خدمية في حضارتنا، محمد شعبان أيوب، مجلة الوعي الإسلامي، الكويت، العدد 593، محرم 1436هـ- نوفمبر عام 2014م.

(6)   تاريخ الخان في المنطقة العربية، ربيع فواز، جريدة الحياة، العدد الصادر بتاريخ 11/9/2003، رقم العدد 14058.

(7)   القاهرة مدينة الفن والتجارة، جاستون فييت، الناشر مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر، 1999، ص198.

(8)   الموسوعة العربية، المجلد الثامن، الحضارة العربية، رقم الصفحة 741، نسخة إلكترونية.