ذكريات مذيع في إذاعة وتلفزيون مستعمرة عدن

الكتاب مجلة مدارات ونقوش - العدد 34 - 35

 580 عدد المشاهدات

الكاتب: أشرف عثمان جرجره

كنت أعمل خلال عطلة صيف عام 1959 بعد الانتهاء من امتحانات شهادة الثقافة العامة البريطانية لجامعة لندن في وظيفة كاتب في إدارة الأشغال العامة التي كان يرأسها آنذاك المستر بلاك. كان عملي مؤقتاً خلال فترة عطلة الصيف في انتظار نتائج الامتحانات التي تقام بعد إكمال أربع سنوات في كلية عدن. وذات يوم مرَّ على تلك الإدارة الأستاذ حسين الصافي، رحمه الله، وكان وقتها يشغل منصب مدير إذاعة عدن بالوكالة، والتي كان مقرها في التواهي. وفاجأني بعرض وظيفة مذيع في إذاعة عدن. وعرفت بعد مرور الوقت أنَّ المذيع محمد عمر بلجون، وهو زميل سبقني في كلية عدن بسنتين، كان قد رشَّح اسمي للوظيفة.

طاقم الموظفين في إدارة العلاقات العامة والنشر عام 1954 وتجمع من اليمين في الصف الأول علوي جعفر السقاف، منور الحازمي، مدير إدارة العلاقات العامة والنشر المستر نايجل واتس، إسكندر سعيد ثابت، علي محمد لقمان، حسين محمد الصافي، الصف الثاني من اليسار أحمد محمد زوقري، توفيق إيراني، لطفي جعفر أمان، محمد سعيد عفارة، محمد حسن مدي، علي أمان، محمد حامد عبد الغني، والذين يلبسون العمامة هم من الفراشين.

كان الأستاذ حسين محمد الصافي ممن انخرط في السياسة، وكان من الأعضاء المؤسسين لحزب رابطة الجنوب العربي في عام 1951، إلا أنه غيَّر وجهته السياسية بعد تضييق الخناق على رئيس الرابطة من قِبَل السلطات البريطانية، وأصبح من المناصرين لتوجه المحامي محمد علي لقمان، رحمه الله، الذي كان الأب الروحي للجمعية العدنية التي كانت تنادي بمقولة «عدن للعدنيين»، وكثيراً ما تردَّد على مقر مطابع صحيفة فتاة الجزيرة في كريتر، عدن، والتي كان يرأس تحريرها محمد علي لقمان. وربما تمَّ اختياري لوظيفة مذيع فقط لكوني عدنياً أباً عن جد ومن طلبة كلية عدن، إذ لم أخضع لفحص صوتي أو فحص في اللغة العربية.

حسين الصافي

كانت سني آنذاك 18 عاماً، وكنت مسؤولاً عن العائلة بحكم أنني كنت الابن الثاني من حيث الترتيب العمري، لأنَّ شقيقي الأكبر علي عثمان تزوَّج وخرج من بيت الأبوة إلى بيت الزوجية. أصيب أبي بمرض السكري وضيق التنفس وضعف في ضربات القلب، وأدخل مستشفى د. محمد سعيد عفارة بالشيخ عثمان. وزاد من تعقيدات صحته أنَّ ساقيه أصيبتا بجروح «غانغرين» من جراء داء السكري. ولم يدم مرضه طويلاً؛ إذ توفي بعد بضعة أسابيع، حيث لم تكن هناك المعدات والأجهزة الضرورية لعلاج ضيق التنفس أو الخبرة في إجراء العمليات الجراحية للقلب المفتوح. حدث كل ذلك عند بدء اشتغالي بوظيفة مذيع، في الأشهر الأولى إثر انضمامي إلى الإذاعة. وزادت هذه التعقيدات من مسؤولياتي تجاه العائلة، وأفسدت كل ما كنت أرسمه من أحلام، فارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالوظيفة.

المذيعون الأوائل في إذاعة عدن

لدى التحاقي بالوظيفة الجديدة انضممت إلى مجموعة من ذوي الأصوات المتميزة من أبرز خريجي كلية عدن، فقد سبقني إلى العمل الإذاعي كمذيعين المرحوم منور الحازمي، المرحوم علوي محمد جعفر السقاف، المرحوم أبوبكر محسن العطاس ومحمد عمر بلجون، ثمَّ انضمَّ إلينا كلٌّ من حسين حامد عولقي، المرحوم خالد عمر محيرز، الفقيد عبد الرحمن صالح باجنيد، المرحوم عبد الحميد سلام العطار، الفقيد جمال الخطيب، ومحمود ثابت. وانضمَّ إلى سلك المذيعين بعد ذلك عمر الشاطري، وفيصل عبدالكريم، والمرحوم محمد مدي، ومحمد صالح راجح،  ومعظمهم من خريجي كلية عدن.

العمل في الإذاعة

من محاسن سياسة المرحوم حسين الصافي إعطاء الفرص في مجال البثِّ الإذاعي للمرأة العدنية، أمثال المذيعة فوزية غانم وفوزية عمر علبي وعديلة بيومي. ولم يقتصر انضمام المذيعات على السياسة الوظيفية في الإذاعة، بل تبعه انضمام الموظفات والموظفين في مجال السكرتارية والمكتبة الإذاعية والناحية الفنية.  
لم يتبادر إلى ذهننا في ذلك الوقت أغراض سياسة حكومة المستعمرة البريطانية من إنشاء محطة عدن المسموعة.

مبنى الإذاعة البريطانية في عدن

كان من المعروف أنَّ محطة عدن أُنشئَت بالدرجة الأولى لخدمة المستمعين في المستعمرة. كانت البرامج تُسمَع في الأرياف (المحميات) بصعوبة؛ لأنَّ الموجة التي تصلها ضعيفة، أمّا في المستعمرة فقد كان الإرسال الإذاعي قوياً على الموجة المتوسطة.

الشيخ عبد الله حاتم أثناء تلاوة القرآن الكريم في الإذاعة نهاية خمسينيات القرن الماضي (المصدر: صحيفة الأيام)

وحسب ما ذكره المؤرخ نجمي عبد المجيد في صحيفة الأيام في العدد الصادر في 21 ديسمبر 2006 تحت عنوان «عدن وأحاديث عن أيام مضت»، أنه كان لإذاعة عدن ثلاثة أهداف هي نشر الأخبار والتثقيف والترفيه. والهدف الأول هو تقديم نشرات الأخبار، وعرض لأقوال الصحف المحلية والأجنبية وأخبار اتحاد الجنوب العربي.

 كانت محطة عدن تابعة رسمياً لإدارة العلاقات العامة والنشر التي ترأسَّها آنذاك المستر نايجل واتس، الذي خضع مباشرة لإشراف مكتب المندوب السامي البريطاني. واحتلَّت مكاتب الإذاعة الدور الأرضي من المبنى، بينما كان الدور العلوي لإدارة العلاقات العامة والنشر.

«كانت إذاعة عدن عند تأسيسها عام 1954 عبارة عن أستوديوهين صغيرين تُبَثُّ منهما جميع الفقرات البرامجية ومجموعة من الأشرطة والأسطوانات، ولها ثلاث مسجلات ذات الاستخدام المنزلي وغرفة لضابط الصوت. وكان عدد الموظفين 25 موظفاً فقط. وظلت القوة الإرسالية للإذاعة حتى عام  1956م محدودة للغاية وتعتمد كلياً على شركة البرق واللاسلكي البريطانية في تشغيل أجهزة إرسالها التي كانت تتكوَّن من جهاز إرسالها بموجة قصيرة قوتها 7.5 كيلوواط».(1)

اقتصرت ساعات العمل الإذاعي بساعات البث، فالتناوب في فترة الدوام كان سيد الموقف. كانت فترة الإرسال الإذاعي من السادسة صباحاً حتى التاسعة صباحاً، ومن الثالثة بعد الظهر إلى التاسعة مساءً، وبعدها كان يتم نقل إرسال هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي).

استهلت برامج فترة الصباح بالقرآن الكريم وحديث الصباح. وكان حديث الصباح يُسجَّل مسبقاً وكان متنوعاً في محتواه. فكان هناك الحديث الديني للشيخ المرحوم محمد سالم البيحاني، والمرحوم الشيخ علي محمد باحميش، والحديث الأدبي للشاعر المرحوم محمد سعيد جرادة، والمرحوم لطفي جعفر أمان، والمرحوم د. محمد عبده غانم، وغيرهم من كبار الشخصيات المثقفة في مستعمرة عدن. أمّا الفترة المسائية فكانت تُسْتَهَلُّ بالقرآن الكريم، ويليها موشَّحٌ دينيٌّ، ثمَّ تبدأ البرامج والأغاني المتنوعة.

«واهتم الصافي خلال عمله بكثير من الجوانب الإدارية الداخلية والبرامج والأنشطة الإذاعية فاستحدث كثيراً من الأعمال الإذاعية في المجالِ الرياضيِّ والموسيقيِّ وما يتعلَّق بشؤون المرأة وبرامج الأطفال».(2)

كنّا مجموعة من المذيعين الشباب المتفانين والحريصين على رفع مستوى البرنامج الإذاعي لمنافسة الإذاعات العالمية أمثال راديو القاهرة وصوت العرب والقسم العربي من إذاعة البي بي سي، رغم شُحِّ الأجهزة والمعدات الإذاعية الحديثة ونقص الميزانية الكافية. وقد درسنا أصول وقواعد البث الإذاعي عندما حان دور كل منا للسفر إلى لندن والالتحاق بالقسم العربي التابع للبي بي سي للتدرب النظري والعملي لمدة ستة أشهر. وعلى الرغم من أنَّ المرحوم حسين محمد الصافي كان توّاقاً للعمل الإذاعي، إلا أنه لم يُجْرِ أيَّة مقابلة إذاعية شخصياً.

مقابلة إذاعية عام 1954 نشرت في صحيفة الأيام اليومية وتجمع من اليسار محمد سعيد الحصيني، الشيخ علي محمد باحميش، توفيق إيراني مدير الإذاعة، المنصب العيدروس، ومحمد علي باشراحيل.

 وحينما سُئِلَ في أحد اللقاءات الصحفية عن قصته مع الميكروفون أجاب قائلاً: «الحقيقة أني لم أكن غريباً على الميكرفون لأني كنت قد تعوَّدت الخطابةَ في النوادي والجمعيات والاحتفالات، وقد انتقدوني في لندن وقالوا إني خطيب أكثر مني مذيعاً. وهناك تلقيت التدريب الصحيح حتى إنَّ بعض الصحفيين الظرفاء مثل أحمد شريف الرفاعي علَّق قائلاً: يظهر أنَّ حسين أجرى عملية جراحية في حنجرته في لندن».(3)

إسهامات الإذاعة

كان المعجبون والمعجبات في مستعمرة عدن والمحميات ينظرون إلى المذيعين كأنهم نجوم من مجرد الاستماع إلى برامج راديو عدن. وكانت إسهامات برامج إذاعة عدن كبيرة، وخاصة نشر ألوان الأغنية والموسيقى المتنوعة كالعدنية واللحجية والصنعانية والحضرمية، وغيرها من الموسيقى والأغاني الحديثة. وساعدت الإذاعة على إبراز وظهور الفنانين من أمثال المرحوم خليل محمد خليل، والمرحوم أحمد قاسم، والمرحوم محمد مرشد ناجي، والمرحوم أبو بكر سالم بلفقيه، والمرحوم محمد سعد عبد الله، والمرحوم سالم أحمد بامدهف، وغيرهم من الفنانين الناشئين الذين كان لهم صيت وشهرة في المجال الموسيقي. وقدمت الإذاعة لأول مرة في تاريخ الجزيرة العربية صوتاً غنائياً نسائياً وهو صوت نبيهة عزيم.  

إشراف مباشر

أصبح إشراف مكتب المندوب السامي البريطاني إشرافاً مباشراً، وخاصة في تحضير وقراءة الأخبار والتعليقات الإخبارية بعد ثورة اليمن الشمالي، ووجود القوات المصرية على مقربة من مستعمرة عدن وجنوب الجزيرة العربية. وبدأت التعليقات المناهضة للثورة بالعربية تتدفَّق من مقر الحكومة البريطانية على إذاعة عدن لتُقرَأ بعد كلِّ نشرة إخبارية. المصدر الرئيس لهذه التعليقات كان أنتوني (توني) كلايتون آشورث ومساعديه ديفيد ليدجر وديريك روز. «كانت جميع الدعاية البريطانية والفيدرالية التي تمَّ تنظيمها ببراعة كانت من قِبَل توني آشورث، وهو كولونيل سابق أصبح موظفًا مدنياً».(5)


فوجئنا بتعيين مذيعين اثنين هما محمد علي غالب وعبد القادر هادي سعيد من قبل مكتب توني آشورث. وعُرِفَ عنهما أنهما كانا على أتمِّ الاستعداد لقراءة التعليقات التي كانت تردنا من مكتب المندوب السامي بكل حماس ضد وجود القوات المصرية في اليمن الشمالي. بل أوجد توني آشورث قسماً للترجمة من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية، وتمَّ تعيين المرحوم عبد الرحمن حيدري رئيساً لقسم الترجمة، والمرحوم محمد حامد عبد الغني مساعداً له. وكان المذيعون يتجنبون الوجود أو التحدث مع محمد علي غالب أو زميله عبد القادر هادي سعيد خوفاً من الوشاية بهم.

استمرَّ الهجوم الكلامي على القوات المصرية بلا هوادة من قِبَل ساسة الحكومة البريطانية طيلة بقاء القوات المصرية في اليمن الشمالي. وكان أحد الكتاب محمد أحمد بركات الذي لم يكن يخفي امتعاضه وعدم حبه لوجود مثل هذه القوات في الشمال. وجاء توني آشورث بمعلقين من قبائل الشمال اليمني المناصرين للحكم الملكي للتهجُّم على وجود القوات المصرية في الشمال اليمني.

لم يكن القرار السياسي بيد حكومة مستعمرة عدن أو حكومة اتحاد الجنوب العربي التي كانت بريطانيا تصبو إلى إنشائه في أواخر عام 1964. كانت الحكومة البريطانية هي التي تدفع رواتب وأجور جميع الموظفين في المستعمرة.  

وأذكر حادثة وقعت لي أثناء دوامي في أحد الأيام، إذ قرَّرت ألَّا أقرأ التعليق الذي كتبه بخط يده محمد أحمد بركات بعد نشرة الثامنة مساءً، وكان من المقرر أن يُتلَى التعليق ثلاث مرات بعد نشرات الأخبار. ونتيجة لذلك، تمَّ توبيخي وقيل لي من قِبَل وزير الإعلام الاتحادي الشريف حسين الهبيلي من بيحان في ذلك الوقت ألا أفعل مثل ذلك مرة أخرى.

العمل في التلفزيون

في عام 1965 تمَّ تعييني رئيساً لوحدة الأفلام في تلفزيون عدن، وانتقلت إلى مبنى التلفزيون في التل فوق نادي البحارة المطل على ميناء ستيمر بوينت (التواهي). خلال العام كنت أرى ديريك روز من مكتب المندوب السامي البريطاني يحاول التأثير في مسار متابعة نشرات الأخبار العربية في التلفزيون. «ديريك روز، أصغر ضابط سياسي لا يزال يخدم في المفوضية العليا، كان الضحية الأولى. كان روز يتحدث العربية بطلاقة، وأحد آخر الإنجليز الذين ما زالوا على اتصال مع العدنيين».(6)

ويذكر دايفيد ليدجير وهو زميل ديريك روز في كتابه «شيفتينج ساندز» أي الرمال المتحركة، بريطانيا في الجنوب العربي، في صفحة 202 «أنَّ أحمد ناصر الحماطي هو أحد القناصين في التواهي». ويقول في صفحة 204 «في الواقع، أخذ أحمد ناصر الحماطي على عاتقه أخيراً تنفيذ تصفية مَن يعدُّهم خونة للجبهة القومية، بما في ذلك فيصل عبد المجيد لقمان، أحد كبار المسؤولين التنفيذيين في أمانة ميناء عدن».(7)، ومن المفارقات أنَّ شقيقه بدر الحماطي عُيِّن في وظيفة في تلفزيون عدن كمخرج تلفزيوني.

لم يقتصر مكتب آشورث بالتدخل في عملية كتابة الأخبار والتعليقات الهجومية على سياسات جمال عبد الناصر ومصر في اليمن الشمالي، بل عين مساهمة فلسطينية كانت تهاجم سياسة إسرائيل في المنطقة العربية. وكما ذكر المرحوم محمد حسن عوبلي رئيس الدولة الاتحادية ووزير المعارف سابقاً، في كتابه «اغتيال بريطانيا لعدن والجنوب العربي» الذي نشره ضمن منشورات الفكر الحديث عام 1971 في صفحة 190: «فقد أدلى المستر أنطوني آشورث بدلوه بين الدلاء، وشكَّل جهازاً إرهابياً سرياً تابعاً له مباشرة، وحدث أنَّ بعض العدنيين الشرفاء رفضوا التعاون مع المستر آشورث… فسقطوا صرعى تحت رصاص الجناح الإرهابي التابع لإدارة المندوب السامي».

نظام الإعلانات

عُين الزميل محمد عمر بلجون مديراً إدارياً لمحطة تلفزيون عدن عند أنشاء المحطة عام 1964. كان الإرسال بالأبيض والأسود. وكان المبنى بسيطاً وعلى شكل منزل، تم تجهيزه بالمعدات الأساسية لبدء الإرسال. ويقال إن مالك المبنى كان وديع حسن علي.

ارتأى المسؤولون ضرورة إدخال نظام الإعلانات التجارية في الإذاعة والتلفزيون لضمان إيرادات الميزانية العامة للمحطتين. وعُين المرحوم نديم حسن علي مديراً لقسم الإعلانات، وكان مكتبه في مبنى التلفزيون.

وفي حوار أجرته الصحفية لبنى الخطيب مع الإعلامي المرحوم عبد الحميد سلام، نُشِرَ في صحيفة الأيام عام 2008م في الذكرى الرابعة والأربعين لتأسيس التلفزيون قال: «تلفزيون عدن كان من أوائل، بل من طليعة محطات تلفزيونات البلدان العربية التي لم تكن لتتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة آنذاك مصر لبنان والعراق، وكإرسال تجريبي بدأ في 4 سبتمبر 1964 لمدة أسبوع بعدها انطلق البث بعد استعدادات مكثفة بشرياً وإمكانيات بأجهزة ومعدات متواضعة وطاقة وحماس كبيرين، فالزملاء الذين انتقلوا للعمل فيه أو كمساهمين منتظمين قادمين من إذاعة عدن».

نشرت في صحيفة الأيام اليومية زيارة بعض الشخصيات للإذاعة عام 1954 وتجمع من اليسار حامد محمد علي لقمان، شخصية غير معروفة، المستر نايجل واتس، محمد علي باشراحيل، محمد علي لقمان، توفيق إيراني، محمد سعيد جرادة، شخصية غير معروفة، وعلي محمد علي لقمان.

للأمانة عند انتقالي إلى محطة تلفزيون عدن لم أكن أعرف الكثير عن تصوير الأفلام السينمائية أو تحميض الأفلام في وحدة الأفلام بالتلفزيون، وتمَّ جلب بريطانيين لتدريب الموظفين على المعدات التلفزيونية. وضاعت مني فرصة التدريب التي حضرها قبلي المذيعون الذين انتقلوا من الراديو إلى التلفزيون عند إنشائه عام 1964. واكتفيت بالتدريب العملي في القسم على يد الزميلين علوي علي اليافعي ومحسن أحمد.
لم يكن ذلك كافياً وقرر المرحوم حسين الصافي الذي شغل منصب المدير العام للإذاعة والتلفزيون إرسالي لأخذ دبلوم في إنتاج وإخراج الأفلام السينمائية من مدرسة فنية في لندن على نفقة الحكومة البريطانية.

 كانت هناك مكتبة صغيرة من الأفلام والمسلسلات التلفزيونية التي تورد لنا عن طريق مكتب وكيل بريطاني في لندن. وكان علينا إعادة إرسال مثل هذه الأفلام والمسلسلات إلى بريطانيا أو إلى جهة أخرى. ومن هذه المسلسلات التي تأتي بصورة فيلم سينمائي مسلسل الهارب الأمريكي الذي لقي شعبية واسعة بين الجمهور المشاهد. ووصل الأمر إلى حد ترجمة الحلقات من اللغة الإنجليزية إلى العربية. وأوكلت المهمة إلى المرحوم عبد الرحمن صالح باجنيد الذي كان يترجم ترجمة فورية ومباشرة على الهواء. وبلغ صيت باجنيد أوجه بإذاعة حلقات الهارب، وطالب المشاهدون بموجة قصيرة على الراديو لسماع الترجمة بوضوح. وحصل ذلك.  

مبنى شرطة الشيخ عثمان حيث كان الناس يتجمهرون حول مكبرات الصوت على أبراج مراكز الشرطة لسماع الإذاعة (المصدر: صحيفة الأيام)

التلفزيون المدرسي 

دار حوار طويل بين الصحفية لبنى الخطيب والمرحوم عبد الحميد سلام نُشِرَ في صحيفة الأيام وتنقلاته المواقع الإلكترونية في 2008م وما بعدها ذكر فيه «ولم يكن تأسيس تلفزيون عدن قد تجاوز عامه الأول، كلفت لجنة بإنشاء التلفزيون المدرسي، ولهذا الخصوص عقد اجتماع في تاريخ 1965 بمكتب الأستاذ القدير المرحوم إبراهيم روبلة، وهو من طليعة القيادات التربوية في وزارة التربية والتعليم آنذاك وتكونت اللجنة من الأساتذة: إبراهيم روبلة، لطفي جعفر أمان، عثمان عبده محمد، سلطان عبده ناجي، عبد الحميد سلام، عزيزة العطاس، أبو بكر العطاس، إضافة إلى الأساتذة ممثلي المدارس التي كانوا يديرونها في منطقة عدن: حسين علي منيباري، أبو بكر عقبة، حسن نور الدين، نصر حسن عباس، محمد علي، وحرصت اللجنة على نجاح دور التلفزيون المدرسي في أداء رسالته لأبنائنا الطلبة آنذاك، ويقدم صباحاً والطلبة في مدارسهم يتابعونه عبر شاشة التلفزيون، والبرنامج يُعدُّ من طليعة إنجازات تلفزيون عدن بل فتح رائد وسبق عظيمان تجاوز به بعض البلدان التي كانت تواكب مسيرة ومسار تلفزيون عدن آنذاك». وأضاف بالقول: إنَّ «أبا بكر محسن العطاس وزوجته عزيزة قد بُعثا إلى إيطاليا لفترة وجيزة وعادا لتولي الإشراف التام والمسؤولية الكاملة على التلفزيون المدرسي».  

الاستعدادات لحضور الدورة التدريبية في لندن

اشتدت موجة الاغتيالات والقتل في أنحاء متفرقة من مستعمرة عدن والاتحاد، مما استدعى نزول الجيش البريطاني إلى ساحة المعارك. انتشر السلاح في كل مكان وبدأت المعارك الدامية وكذا الاغتيالات. ومن حسن حظي أنني كنت على وشك مغادرة البلاد إلى الخارج في أواخر عام 1966م لدراسة الإنتاج والإخراج السينمائي في لندن.

استوفيت كل متطلبات مغادرة عدن ورحلت بطائرة الخطوط الجوية البريطانية، واستغرقت الرحلة أكثر من تسع ساعات. وتبعني بعد فترة وجيزة المرحوم خالد عمر محيرز الذي كان يمثِّل مكتب الإعلام في الحكومة الاتحادية. وهكذا لم أرَ أيَّ اقتتال وتفاديت الحرب الأهلية في عدن. وكرست كل جهودي لنيل الدبلوم في إخراج وإنتاج الأفلام الذي استغرق مدة سنتين.

فني بريطاني يعمل في مجال التجهيزات بالراديو في أحد المباني التابعة للجيش البريطاني بعدن

العودة بعد الاستقلال

عدت إلى عدن في مارس 1968بعد نيل الاستقلال من بريطانيا عام 1967م وتسلَّم الجبهة القومية للحكم. لم أعد هذه المرة عازباً عند عودتي إلى عدن، اصطحبت معي زوجتي. كان الهدوء والسكينة يخيمان على البلاد بعد الاستقلال. وكل ما كان جديداً هو سماعنا من راديو عدن: «كل الشعب قومية». لم يتعرض لي أحد ولكن ما كان مخفياً كان أعظم. تغيرت الأوضاع والأجواء السياسية من المثقفين العدنيين إلى حاملي السلاح من أبناء الريف (القرى المحميات سابقاً). كان الجو مشحوناً ضد أهالي عدن والعدنيين، وبدلاً من الحفاظ على مكاسب التعايش السلمي في عدن عمدت الجبهة القومية التي كان معظم أعضائها من الغوغاء إلى الإقصاء والترهيب. وخرج علينا رئيس الجمهورية في عام 1968 بالمرسوم الجمهوري المشؤوم الداعي إلى الاستغناء عن الكوادر المؤهلة. معظم الأسماء في القائمة كانت من الكوادر العدنية، وعلى رأسها المرحوم حسين الصافي.

أهملت الحكومة البريطانية الأرياف (المحميات) خلال استعمارها لعدن، وكان همها وغايتها الاستراتيجية التمركز في عدن لتكون قاعدة عسكرية بديله لقواعد عسكرية خرجت منها مما خلق هوة بين عدن والجنوب. القانون الدولي ينصُّ على عدم اتخاذ خطوة خطيرة ومصيرية مثل الوحدة مع اليمن الشمالي أو تسلم الاستقلال أو أي قرار مهم مثل ذلك دون إجراء استفتاء شعبي لإعطائه الصيغة الشرعية. عُين المرحوم نور الدين قاسم محل المرحوم حسين الصافي. وانتشر الفزع والهلع بين الأهالي والمثقفين في ظل الحكم الجديد.  

الهجرة بدون عودة

عُين المرحوم علي باديب وكيلاً لوزارة الإرشاد القومي والثقافة في يونيو 1969 بعد الإطاحة بأول رئيس للجمهورية عقب الاستقلال، والتي كانت تُعرَف بالخطوة التصحيحية. وزادت مخاوف الموظفين العدنيين وخطَّط الكثير منهم لمغادرة عدن تاركين الحكم والبلاد لحملة السلاح. ولم أستثنِ نفسي من خطط المغادرة. وفي أغسطس عام 1969م عملت بسرية تامة ترتيبات هجرتي من البلاد إلى كندا. وساعدني حينذاك أنَّ جواز سفري كان لا يزال ساري المفعول، وتذرعت بأنني سآخذ إجازة طويلة.

ربما لا يعلم القائمون على الحكم في عدن أنهم خسروا الكوادر المؤهلة التي تشكَّلت وأنجبت جيلاً من الذين نبغوا في جميع المجالات منها الطب والإعلام والإدارة والدين وغيرها.

في الختام

وفي ختام هذه المذكرات أودُّ أن أعبِّرَ عن التعازي لفقدان رئيسي المرحوم حسين الصافي وزملائي المذيعين الذين رحلوا أمثال منور الحازمي، وعلوي جعفر السقاف، وخالد عمر محيرز، وأبو بكر محسن العطاس، وعبد الحميد سلام، وعبد الرحمن صالح باجنيد ومحمد مدي، سائلاً من الله عز وجل أن يسكنهم فسيح جناته.       

كما أودُّ أن أتقدَّمَ بالشكر والعرفان لكل من د. الشيخ محمد علي البارود، وعادل عولقي على تشجيعهما المستمر لي بتدوين ذكريات التحاقي بمجال الإذاعة والتلفزيون في مستعمرة عدن؛ لتكون بمنزلة تاريخ للأجيال القادمة ومساهمة في تسجيل جانب من تاريخ الإعلام في تلك الحقبة. ويجب الإشارة هنا إلى أنني لم أُدَوِّنْ أيَّة من هذه الذكريات في حينه، بل هي صادرة عن الذاكرة.

المراجع
1.موقع صحيفة الثورة، إذاعة عدن.. دور تنويري بارز
https://althawra-news.net/news59610.html

2. (صفحات من تاريخ عدن) إذاعة عدن.. بداية تأسيسها ومراحل تشغيلها وتطويرها  1954 – 1967م
موقع عدن الغد، خالد شفيق أمان، https://adengad.net/news/35694/

3. علوي السقاف، مجلة هنا عدن، العدد 8، أغسطس 1960، https://ar.wikipedia.org/wiki/ حسين محمد الصافي  

4. Scott Smitson, Centrer for Complex Operations Case Studies, Case Study 10, The Road to Good Intentions:British Nation- Building in Aden, https://cco.ndu.edu/Portals/96/Documents/case-studies/10_the_road_to_good_intentions_student_edition.pdf

5. 2.David Ledger, Shifting Sands: The British in South Arabia, pg 155 Peninsular Publishing, 1983.

6. Ibid pg 226.

7. Ibid pg 202, pg 204.