الشارقة – الذيد.. طريق التنمية والاستقرار

الإمارات المستجدات ١

 217 عدد المشاهدات

الكاتب: خليفة بن حامد – كاتب وباحث  

نحتفل، نحن أهالي المنطقة الوسطى من إمارة الشارقة، هذا الشهر بمرور نصف قرن على تدشين ما يعد أهم حدث غيّـر مسار الحياة و التنمية في المنطقة في ذلك الوقت، وهو افتتاح طريق الشارقة- الذيد، قبل أن ترتبط مدن الإمارات وقراها بشبكات طرق معبدة واسعة ومضاءة ومزودة بجميع الخدمات التي يحتاج إليها مستخدمو الطرق.

بقيت مع صور تدشين طريق الشارقة- الذيد ذكريات ل «هزع عشيو»، أو «رملة عشيو»، ذلك التل الرملي الذي كان أصعب نقطة في الطريق الرابط بين الساحل الغربي للدولة والذيد والساحل الشرقي؛ حيث يسهل عبوره للقادمين من الشارقة وعجمان بشكل منحدر، بينما للقادمين من الذيد كانت تلك «الرملة» الصعبة على السيارات خاصة «بيدفورد» الشاحنة المحملة بالحصا، أو«العبريه»؛ حيث يتم خفض هواء الإطارات ونزول معظم الركاب ليسهل العبور خاصة بالمساء في موسم الصيف، بينما بالنهار تصبح الرمال صعبة العبور، وفي الشتاء يسهل عبور «هزع عشيو» إلا إذا احتاج الموقف استخدام أغصان «الرمث» أو «الاشخر» لتوسد تحت الإطارات.

شكلت ذكريات «هزع عشيو»، حكايات ومغامرات لمعظم أهالي المنطقة الوسطى نسجوا عليها قصصاً تروى إلى اليوم، فقبل الوصول إلى «الهزع» كان العابرون يرتوون من «طوي سيف» التي بقيت ردحاً من الزمن نقطة لقاء الكثير من رجالات القبائل، وكان الطريق المسفلت حلماً لا يبارح مخيلة مستخدمي «رملة عشيو» لينهي تجشمهم عناء السفر.

في 6 أغسطس/آب 1966 تولى المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي، وأنشأ في يونيو/حزيران 1968 مكتب أبوظبي بإمارة الشارقة بهدف تقديم الدراسات اللازمة لتهيئة الفرص لأهالي الشارقة وعجمان وأم القيوين ورأس الخيمة والفجيرة للعمل في المشروعات بإماراتهم أو في أبوظبي، إلى جانب إعداد المشاريع التنموية بتمويل منها لتنفيذها.

وكان من هذه المشاريع تنفيذ أول شارع يربط ساحل الخليج العربي بالمناطق الداخلية بإمارات الساحل المتصالح، وهو شارع الشارقة- الذيد الذي افتتحه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، بحضور الشيخ خالد بن محمد القاسمي، حاكم الشارقة وقتها، في 7 مارس/آذار 1970، وتكلف 1300000 دينار بحريني ونفذته شركة خانصاحب بتحالف مع شركة «تارمك» الإنجليزية.

وقد دونت الوثائق البريطانية ذلك المشروع الذي غيّر مجريات عيش بادية الإمارة وما جاورها؛ إذ قالت الوثيقة رقم 1102 «إنه في سلسلة من الإجراءات التي تعبر عن مدى حرص الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، حاكم أبوظبي، على الاهتمام بظروف ورفاهية جيرانه في الإمارات الأخرى، وقع الشيخ حمدان بن محمد آل نهيان، رئيس دائرة الصحة والتعليم والمياه والأشغال العامة، اتفاقية إنشاء ورصف طريق الشارقة/الذيد نيابة عن صاحب السمو حاكم أبوظبي. هذا العمل الواسع والحيوي، يعكس مشاعر سموه تجاه أصدقائه، وستشرف عليه دائرة الأشغال العامة، من رصف وتعبيد طريق بطول 62 كيلومتراً عبر الوديان والكثبان الرملية والذي يمثل شريان الحياة لتلك المنطقة، لتحقيق الراحة والازدهار لشعبها، وتشجيع نشاط النقل وتشجيع التجارة والتنمية وعناصر الحضارة مثل التعليم والصحة. وضع صاحب السمو حاكم أبوظبي مبلغ 620.000 د.ب لاستكمال هذا المشروع الحيوي المهم، العمل سيبدأ على الفور. لقد صدر مرسوم بضرورة الانتهاء من العمل في أقرب وقت ممكن، حتى يمكن تحقيق تطلعات المنطقة للتقدم والازدهار. وفي 12 يوليو تم توقيع العقود في ذلك اليوم لبناء طريق الشارقة/الذيد بواسطة شركة حسين خانصاحب».

ومع استبشار المنطقة الوسطى بقيام الاتحاد في 2 ديسمبر/كانون الأول 1971، بدأت قصة تطوير جديدة تشهدها المنطقة في مجال البنية التحتية والمواصلات بشكل خاص لاستكمال طريق الشارقة إلى الفجيرة مروراً بالذيد، فمع قيام الاتحاد بدأت قصة شارع الذيد- الفجيرة في السابع من مايو/أيار 1973 عندما وقع الشيخ محمد بن سلطان القاسمي، وزير الأشغال العامة، اتفاقية وعقود العمل مع الشركة التي ستقوم بتشييد وشق الطريق بطول 75 كيلومتراً، والذي سيختصر الوصول من أبوظبي إلى الفجيرة من نحو 12 ساعة باللاندروفر إلى ثلاث ساعات ونصف الساعة. وحظي المشروع بتوجيهات واهتمام الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، لإنجازه في أقرب فرصة لأهميته في مشاريع التنمية بالإمارات، وقدرت تكلفة المشروع بنحو 47 مليون درهم ونفذ على مرحلتين: الأولى من الذيد إلى مسافي بطول 34 كيلومتراً، والثانية من مسافي إلى الفجيرة، وانتهى المشروع في عام 1976، ويعتبر الشارع الذي يربط بين الذيد و الفجيرة من أهم الطرق التي تربط بين المناطق الشرقية والوسطى والساحل الغربي من الخليج العربي. وكانت رحلة الشيخ زايد إلى الفجيرة عبر هيلكوبتر انطلاقاً من الخوانيج في دبي في رحلة استغرقت نحو 25 دقيقة الشرارة التي زادت تصميمه على إنجاز الشارع الذي يربط الذيد بالفجيرة؛ حيث اطلع خلال الرحلة على الصعوبات التي تقف أمام رواد الطريق، خاصة مع موسم الأمطار وجريان السيول.

وشكل طريق الشارقة- الذيد واحداً من أهم المشاريع التي افتتحت عبر النصف القرن الماضي؛ إذ سهل الانتقال من الساحل إلى داخل الصحراء وفتح آفاقاً جديدة للمنطقة بأكملها، وأدخل التطور متمثلاً في توسعة المدرسة وبناء محطة الكهرباء ومستشفى الذيد والبدء في تشييد البيوت الشعبية لتوطين البدو واستقرارهم.

وشهد الشارع توسعة في1977 حين أصبح مزدوجاً إلى أن اكتملت إنارته في أوائل الثمانينات، إلى جانب خضوعه للصيانة خلال الحقب المتعاقبة وبناء الجسور لتسهيل الحركة، وكانت أكبر صيانة في عام 2000 بتكلفة 70 مليون درهم، وصولاً إلى إعلان وزارة تطوير البنية التحتية في 2019 أنها ستعمل على تطوير شارع الذيد بطول 30 كيلومتراً، وتوسعته إلى 3 حارات، إضافة إلى إنشاء جسر جديد ضمن المشروع بتكلفة تقديرية تصل إلى 220 مليون درهم، ما يسهم في رفع طاقته الاستيعابية بمعدل 2000 مركبة في الساعة لكل اتجاه، كما سيتم ضمن عملية تطوير المشروع تخصيص حارة إضافية للشاحنات، ما يقلل من الحوادث المرورية والتأخير المتوقع الناتج من المرور البطيء للشاحنات.

المصدر: جريدة الخليج

6/3/2020